حمزة المطارنة
خلال القرون الأربعة الماضية، دخلت الرأسمالية في مراحل تطوّر نوعية. حدّد ماركس وإنجلز عناصر التحوّل بتحوّلات نوعية في علاقات الإنتاج، واستخلصا في القرن التاسع عشر أن دخول الآلة الميكانيكية في خطوط الإنتاج حوّل دور العامل إلى ملحق للآلة. واستبصر ماركس في تحليله ضرورة استمرار رأس المال في تجديد ذاته من خلال تطوير أدواته، ومن ضمنها تكنولوجيا الآلة، حيث تخيل في الجرونديس (Grundrisse) أن تصل الرأسمالية مرحلة يتحوّل فيها مفهوم القيمة من إنتاج عامل المصنع كمصدر أساسي لإنتاج القيمة، ليصبح التراكم المعرفي العام بديلاً لها، وهو ما أطلق عليه ماركس “العقل العام” (General Intellect).
ومع تحوّلات الثورة الصناعية الثانية، قدّم لنا لينين قراءته للمشهد واستنتج دخول الرأسمالية العالمية في مرحلتها الإمبريالية، وركّز على دور رأس المال المالي، فأدرك دور البنوك ومؤسسات الدولة في فرض هيمنة عابرة للقارات كرافد أساسي للرأسمالية الصناعية وللرأسمالية العالمية عموماً. وفي أقل من عقد بعدها، أغنانا غرامشي بطرحه حول تحوّل علاقات الإنتاج مرة أخرى مع الكهرباء واكتشاف نظم خطوط التجميع (Assembly Lines)، ما أطلق عليه غرامشي اسم “الفوردية” (Fordism)، كنايةً بهنري فورد مبتكر هذا النظام. فتحوّل علاقات الإنتاج شرط أساسي لتطوّر رأس المال، وهذا التحوّل الكمّي يتراكم بالضرورة نحو تحوّل نوعي. ولكنه تحوّل اجتماعي بالضرورة؛ فتغيّر طريقة الاستغلال لا يغيّر بالضرورة طبيعة الاستغلال، وفي نفس السياق تغيّر طرق تراكم رأس المال لا يغيّر طبيعة رأس المال.
قدّم الأستاذ سليمان Sulaiman Ahmad بمقالته على منصة مشروع أورورا الإعلامي تساؤلاً جاداً حول التحوّل التكنولوجي اليوم. وفرة الإنتاج ليست وليدة التكنولوجيا المعلوماتية كما يصوّرها ماسك؛ فالإنتاج في ظل النظام الرأسمالي منذ البداية يعتمد على فائض الإنتاج (Overproduction). لكن اليوم نرى تحوّلاً شبيهًا في أسسه: من تحويل الآلة من ميكانيكية إلى كهربائية، إلى آلة مؤتمتة (Computerized) خلال الثورة الصناعية الثالثة. ومع الطفرة المعلوماتية بعد اكتشاف الألياف الضوئية (Fiber Optics)، دخلنا مرحلة الرأسمالية المعلوماتية أو الرقمية، التي أنجبت لنا الإنترنت بشكله الحالي(internet 2.0)، والهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والحوسبة السحابية (Cloud Computing)، والذكاء الاصطناعي. وفي كل مرحلة من هذه التطوّرات رافقتها أزمات جيوسياسية واقتصادية أثبتت استنتاج ماركس بوجود مقوّمات تجاوز الرأسمالية في تناقضاتها الداخلية.
فليس بمفاجأة أن نرى العالم يعود إلى الفاشية كحل للأزمات الاقتصادية في النظام العالمي الرأسمالي. وليس جديدًا على الطبقة الرأسمالية العالمية محاولات إخراج السيناريو القائل بأننا في مرحلة وفرة وتحرر من أعباء العمل المأجور؛ فجون ماينارد كينز قدّم الأطروحة نفسها عام 1930، حين قال إن الرأسمالية ووفرة الإنتاج ستؤدي إلى خفض ساعات العمل، بل قال إن الحاجة إلى العمل المأجور في أمريكا وإنجلترا سيصبح 15 ساعة في الأسبوع بحلول القرن الحادي والعشرين.
المفارقة أن دراسات معنية بحالة العمال أثبتت العكس تمامًا؛ فتطوير رأس المال للتكنولوجيا لم يكن ولن يكن هدفه تقليل العبء عن العامل، بل تحقيق الربح. إذاً زيادة القدرة الإنتاجية للعامل تعني بالضرورة زيادة حاجته إلى العمل. وهذا يفسر ما توصل له ديفيد غريبر في كتابه وظائف الهراء (Bullshit Jobs)، حيث رأى أن الرأسمالية تفرض اليوم على الطبقة العاملة التحوّل نحو العمالة غير المنتجة (وهو ما ذكره ماركس في كتاب رأس المال في فصل العمالة المنتجة وغير المنتجة)، وهذا أيضًا ما يفسر ظهور ما يُسمّى بـ«اقتصاد الوظائف المؤقتة» (Gig Economy)، وهو ما شبهه الأكاديمي كريستيان فوكس (Christian Fuchs) بعمال المنازل (Outworkers)، هذه الطبقة التي اعتبرها ماركس النقطة المحورية في بدايات التحوّل الرأسمالي.الرأسمالية تجدد نفسها وتقلل حاجتها للعامل المأجور من جهة وتخلق منصات رقمية وأدوات تكنولوجة تعزز حاجة العامل واعتماده على العمل المأجور بصوره أو بأخرى من جهة أخرى. الحركة المالية لرأس المال ضرورة لتراكم الرأس المال المالي في نهاية المطاف.
نحن اليوم نرى انحدارًا في علاقات الإنتاج اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، لكنه كما تفضّل الأستاذ سليمان, ليس تحوّلاً في أساسيات رأس المال؛ فلو وصلنا إلى فائض إنتاجي لا يعتمد على العمل المأجور كمصدر أساسي للإنتاج، يعني ذلك بالضرورة انتحار المجتمع ككل. فكيف للمجتمع تحت النظام الرأسمالي أن يدوم بلا إنتاج عمالي؟ ماذا عن الاغتراب المجتمعي (Alienation)؟ ماذا عن تدوير رأس المال وعجلة الاقتصاد؟ ماذا عن الإنتاج الإبداعي الإنساني؟ كيف سيتراكم رأس المال؟ ماسك تجاوز كل هذه الأسئلة.
لكننا فعلا في مرحلة جديدة من تطوّر الرأسمالية. اليوم الرأسمالية في صيغتها الرقمية في حالة مخاض تحت قيادة فاشية رجعية. نحن في مرحلة الإمبريالية التكنولوجية، فمن جهة نرى تزاوج بين الرأسمالية التكنولوجية و العسكرية وصلت ليصبح قياداتها منظمة في الجيش الامريكي, ومن جهة أخرى أنتجت فاشية بصبغة جديدة. فالفاشية الرقمية لا ترتدي بزة عسكرية نازية، بل منصات تواصل، وGPS، وكاميرات مراقبة فعّالة! وامبريالية تعتمد على الآلة للقصف والقتل، وتقليب الطبقة العاملة على نفسها عرقيًا بأدوات تكنولوجية تفوق في فعاليتها فاشية القرن الماضي. العالم اليوم رقميٌّ بامتياز، اجتماعيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
نحن بين مفترق طرق: بين الثورة والثورة المضادة، فإذا تغلبت الثانية على الأولى، تغلبت البربرية على التقدمية كما رأتها روزا لوكسمبورغ.
