تعقيب على تعقيب ..الدولة لا تقف فوق الطبقات ..والخوارزميات والبيانات لا تنتج قيمة

توطئة من هيئة التحرير ..

إيماناً منا بأهمية الحوار الفكري وتبادل وجهات النظر حول التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم، ننشر فيما يلي تعقيب الأستاذ جمال حسين العرموتي من الأردن على مقال ( الوفرة التقنية .. هل تقترب الرأسمالية من نهايتها..؟ ) للأستاذ سليمان أحمد (رابط المقال في التعليق الأول)، يتبعه تعقيب وتوضيح من الرفيق سليمان .

🌊 أولاً : تعقيب الأستاذ جمال حسين العرموتي

( نعم، يمكن القول إن التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي أعادا فتح النقاش حول فرضية ماركس، ولكن بطريقة مختلفة جذرياً عما تخيله هو.

ماركس افترض أن الرأسمالية ستصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنتاج شديد التركّز، فتتراكم وسائل الإنتاج في أيدي عدد قليل من الرأسماليين، ثم تؤدي تناقضات النظام إلى انتقال ملكيتها إلى المجتمع عبر الدولة، بوصفها مرحلة انتقالية نحو الشيوعية.

لكن ما يحدث اليوم يطرح سيناريو مختلفاً:

الذكاء الاصطناعي والروبوتات قد يخفضان الحاجة إلى العمل البشري في قطاعات واسعة.

الإنتاج يصبح أكثر اعتماداً على البيانات والخوارزميات والطاقة ورقائق الحاسوب، وهي قطاعات تحتاج إلى استثمارات هائلة لا تستطيع إلا كيانات ضخمة أو دول تحملها.

مع ازدياد الأتمتة، قد تصبح الدولة مضطرة للتدخل لضمان الدخل، وتوفير الخدمات، وتنظيم الإنتاج إذا أصبح السوق عاجزاً عن توفير وظائف كافية.

لكن هنا تظهر مفارقة مهمة:

قد تتحقق النتيجة التي توقعها ماركس، ولكن ليس للأسباب التي توقعها.

فبدلاً من أن تستولي الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج عبر ثورة، قد تجد الدول نفسها مضطرة إلى السيطرة على أجزاء كبيرة من الاقتصاد لأن التكنولوجيا جعلت الإنتاج لا يحتاج إلى ملايين العمال أصلاً.

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة :

1. رأسمالية فائقة التركّز

تسيطر شركات عملاقة على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

تصبح الدولة مجرد منظم لها.

وهذا أقرب لما نراه اليوم مع الشركات التقنية الكبرى.

2. رأسمالية الدولة

تستحوذ الدولة تدريجياً على قطاعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية الرقمية.

ليس بدافع أيديولوجي، بل بدافع الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.

3. اقتصاد ما بعد السوق

إذا أصبح الذكاء الاصطناعي ينتج معظم السلع والخدمات بتكلفة هامشية منخفضة جداً، فقد تتراجع أهمية الملكية الخاصة لبعض وسائل الإنتاج، لأن الوفرة تصبح ممكنة.

في هذه الحالة قد يصبح توزيع الناتج هو القضية الأساسية، لا ملكية وسائل الإنتاج نفسها.

لكن هناك اعتراض فلسفي على ماركس ..

ماركس كان يرى أن العمل هو مصدر القيمة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح رأس المال المعرفي والخوارزميات والبيانات هي المصدر الأهم للقيمة، لا العمل البشري المباشر. وهذا يضع أحد أسس نظريته أمام تحدٍ كبير.

المفارقة الأهم ..

قد لا تكون الدولة هي المالك النهائي، بل قد تصبح المنصة الرقمية هي المؤسسة الأقوى. فالمنصات التي تمتلك البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي قد تكتسب نفوذاً يفوق نفوذ كثير من الدول. وعندها قد يكون الصراع المستقبلي بين الدولة والشركات التقنية العملاقة، وليس بين البرجوازية والبروليتاريا بالشكل الكلاسيكي.

لذلك يمكن صياغة الفكرة فلسفياً هكذا:

إذا كان ماركس قد رأى أن تطور قوى الإنتاج سيقود إلى تجاوز الرأسمالية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يكون بالفعل أعظم تطور في قوى الإنتاج منذ الثورة الصناعية. لكن السؤال لم يعد: هل ستسيطر الدولة على وسائل الإنتاج؟ بل: من سيمتلك الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية الرقمية التي أصبحت هي وسائل الإنتاج الجديدة؟ الدولة، أم الشركات، أم المجتمع؟

وهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل النظام الاقتصادي والسياسي في العقود القادمة، وربما يكون أهم من الصراع الطبقي بصيغته التقليدية.. ) .

🌊 ثانياُ : تعقيب الأستاذ سليمان أحمد

إن ما طرحه الأستاذ جمال من أفكار وأسئلة يكشف عن قراءة جادة للتحولات التي تشهدها الرأسمالية المعاصرة، ويستحق نقاشاً معمقاً، غير أنني أرى أنه يتضمن خلطين نظريين أساسيين :

الخلط الأول يتعلق بالدولة ..

فالتعقيب يتعامل مع الدولة وكأنها سلطة محايدة يمكن أن تتدخل تلقائياً لمصلحة المجتمع عندما تعجز السوق عن أداء وظائفها، أما في الاقتصاد السياسي الماركسي، فالدولة ليست كياناً يقف فوق الطبقات، وإنما هي في جوهرها أداة سياسية لحماية علاقات الإنتاج السائدة وإعادة إنتاجها .

ولهذا فإن انتقال بعض القطاعات إلى ملكية الدولة لا يعني بالضرورة تجاوز الرأسمالية .

لقد شهد تاريخ الرأسمالية أشكالاً واسعة من تدخل الدولة في الاقتصاد، من تأميم المصارف بعد الأزمات المالية، إلى تقديم الدعم الهائل للشركات الكبرى والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعات العسكرية، ومع ذلك لم تتغير طبيعة النظام، لأن الدولة تدخلت لحماية عملية تراكم رأس المال، لا لإلغاء علاقات الإنتاج الرأسمالية .

ومن هنا .. فإن اتساع دور الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تحقق ما توقعه ماركس، بل قد يمثل شكلاً أكثر تطوراً من رأسمالية الدولة أو الرأسمالية الاحتكارية، ما دامت الدولة نفسها تعمل على إعادة إنتاج النظام القائم وتعبر عن مصالح الطبقات المالكة .

أما الخلط الثاني .. فيتعلق بالقول إن البيانات والخوارزميات أصبحت مصدراً للقيمة بدلاً من العمل

فالخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي ليست مصدراً للقيمة بالمعنى الذي قصده ماركس، وإنما هي وسائل إنتاج أكثر تطوراً، شأنها شأن الآلة البخارية والكهرباء وخطوط الإنتاج المؤتمتة في المراحل السابقة من تطور الرأسمالية .

إنها تزيد إنتاجية العمل، وتمنح مالكيها مزايا احتكارية، لكنها لا تخلق قيمة جديدة من تلقاء نفسها .

وقد تحقق الشركات المالكة لهذه التكنولوجيا أرباحاً استثنائية، إلا أن جانباً مهماً من هذه الأرباح هو ريع احتكاري ناتج عن السيطرة على التكنولوجيا والبيانات والملكية الفكرية، وليس دليلاً على أن الخوارزميات أصبحت تنتج القيمة بصورة مستقلة عن العمل البشري .

فمن منظور ماركس، يبقى العمل البشري الحي هو المصدر الوحيد للقيمة الجديدة وفائض القيمة .

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top