قراءة نقدية – جدلية في مقال ( الوفرة التقنية… هل تقترب الرأسمالية من نهايتها ؟)
جاك عزيز
بداية لا بد من تقدير الجهد المبذول في إعادة طرح الأسئلة الماركسية في ضوء التحولات التكنولوجية المعاصرة ، واستخلاص استنتاجات تلامس مستقبل النظام الرأسمالي برمته .
في المقال مادة غنية تطرح أسئلة تدفعنا إلى إعادة النظر في العلاقة بين التكنولوجيا والعمل والربح . وأهمها تجاوز النظرة السطحية للأتمتة ، والتوقف عند تأثيراتها العميقة على بنية القيمة ذاتها ، وليس فقط على أسواق العمل . هذه الرؤية تستحق أن تناقش من زوايا متعددة ، علنا نصل معاً إلى فهم أعمق وأشمل لهذه التحولات الهامة .
يعيد المقال طرح نظرية القيمة – العمل في سياق معاصر ، مؤكداً أن العمل الحي يظل المصدر الأساسي للقيمة في التحليل الماركسي ، وأن الآلات وإن تطورت تبقى ناقلة لقيمة قديمة وليست منتجة لقيمة جديدة . كما يكشف التناقض العميق بين منطق الرأسمالي الفردي الساعي إلى خفض التكاليف وتعظيم الربح من جهة ، ومنطق النظام ككل المحتاج إلى طلب فعال واستهلاك لاستمرار دورته من جهة أخرى ، ويمضي إلى التمييز بين أزمة فيض الإنتاج التقليدية ، وبين أزمة بنيوية محتملة في ظل الأتمتة الشاملة ، حيث قد لا يواجه رأس المال أزمة في تصريف الإنتاج فحسب ، بل أزمة في إنتاج القيمة ذاتها .
كذلك الإشارة إلى أن الرأسمالية قد تلجأ إلى خلق ندرة مصطنعة عبر الاحتكار والملكية الفكرية ، فهي تكشف وعياً بآليات التكيف التي تستخدمها الرأسمالية للحفاظ على نفسها ، مما يضيف بعداً نقدياً مهماً للتحليل .
لكنني أود الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات ، بهدف إغناء النقاش ، وفتح آفاق جديدة للتفكير في هذه الإشكالية .
تعامل المقال مع مسار الأتمتة وكأنه عملية خطية تتقدم في اتجاه واحد : آلة ، ثم إزاحة للعمال ، ثم بطالة ، ثم تراجع للاستهلاك ، وصولاً إلى انهيار القيمة . في حين أن الواقع التاريخي للتطور الرأسمالي يقدم صورة أكثر تعقيداً ، حيث تبدو العلاقة بين الآلة والعمل أقرب إلى الجدلية منها إلى الخطية . فالتجربة التاريخية للثورات الصناعية المتعاقبة أظهرت أن الآلة لم تكن مجرد أداة إزاحة للعمل ، بل كانت في الوقت نفسه أداة تحويل وإعادة هيكلة له . كذلك الثورة الرقمية لم تلغ العمل المعرفي ، بل أنتجت مهناً جديدة كالبرمجة والتحليل ، وثورة الذكاء الاصطناعي تخلق اليوم مهناً لم تكن معروفة من قبل في سوق العمل ، كعلماء البيانات ومهندسي الخوارزميات ومدربي النماذج .
ما هو الوسم (Data Labeling)؟
في هذا السياق ، قد يكون مصطلح الوسم غير مألوف للبعض ، وهو عملية تعليم البيانات وتعليقها بالعلامات المناسبة لجعلها مفهومة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ، وهي عمل حي يقوم به عمال بشريون ، ويشكل جزءاً أساسياً من تدريب نماذج التعلم الآلي . فقبل أن تتمكن الخوارزميات من التعرف على الصور أو النصوص أو الأصوات ، يحتاج الأمر إلى أعداد هائلة من العمال البشر لتصنيف هذه البيانات ووسمها ، مما يجعل عمال الوسم جزءاً من البروليتاريا الرقمية الجديدة ، وهم يعانون غالباً من ظروف عمل متدنية وأجور منخفضة ، رغم أن عملهم يشكل الأساس الذي تقوم عليه ثورة الذكاء الاصطناعي .
ومن المفيد التوقف عند نقطة أن المقال يحصر العمل الحي في نطاقه التقليدي ، متجاوزاً التحولات التي طرأت عليه . ففي عصر الأتمتة ، لا يختفي العمل الحي ، بل يأخذ أشكالاً جديدة ومتعددة ، كبرمجة الخوارزميات ، وصيانة الروبوتات ، وتحليل البيانات ، والإشراف على أنظمة الذكاء الاصطناعي . وما يحدث في الواقع هو تحول في بنية العمل ومجالاته ، وتراجع في عدد العمال في القطاعات التقليدية ، يقابله نمو في قطاعات جديدة تتطلب مهارات أعلى ، وغالباً ما تكون بأجور أفضل ، وإن كان هذا النمو لا يعوض بالضرورة عدد الوظائف المفقودة في الأمد القصير.
أما فيما يتعلق بفكرة تراجع كتلة القيمة المضافة ، فقد يكون من المجدي أن نتوقف عندها بشكل أعمق . فالمقال يقرأ التراجع في نسبة العمل الحي داخل السلعة الواحدة ، وكأنه تراجع في القيمة الإجمالية المنتجة . لكن الأرجح أن ما يحدث هو تحول في بنية القيمة ، وليس تآكلها بالكامل ، ذلك أن السلع الجديدة كالبرمجيات والبيانات والخوارزميات ، تحمل داخلها كميات هائلة من العمل الحي السابق والمعرفي ، وهو عمل لا يقل قيمة عن العمل اليدوي ، بل ربما يفوقه في كثير من الأحيان . كما أن العمل المعرفي في مجالات البحث والتطوير والابتكار، يظل مصدراً متجدداً للقيمة ، وإن تغيرت أشكاله .
كما أنه من الإنصاف أن نذكر أن المقال لم يتوقف عند العوامل المضادة التي أشار إليها ماركس نفسه ، والتي تعمل في اتجاه مقاومة ميل معدل الربح نحو الانخفاض ، كتكثيف استغلال العمل ، وخفض الأجور تحت قيمة العمل ، وتخفيض قيمة عناصر رأس المال الثابت مع تقدم التكنولوجيا ، وزيادة سرعة دوران رأس المال ، والتجارة الخارجية التي تسمح باستغلال عمل أرخص في الخارج . وهذا لا يعني تجاهل الأهمية الكبرى لقانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض ، بل يضعنا أمام صورة أكثر تعقيداً وتركيباً ، تليق بحجم التحولات التي يشهدها النظام الرأسمالي المعاصر.
لعل من المفيد التوقف عند بعض الأسئلة التي يطرحها المقال . فيما يتعلق بمدى كفاية القانون العام لتراكم رأس المال في فهم عصر الأتمتة ، يمكن القول إن هذا القانون يظل إطاراً مرجعياً مهماً ، لكنه يحتاج إلى تطوير نظري يأخذ في الاعتبار خصوصيات الرأسمالية المعاصرة ، حيث أصبحت البيانات والخوارزميات والمنصات وسائل إنتاج جديدة ، وأصبح العمل المنتج يتجاوز العمل المباشر ليشمل العمل المعرفي والبرمجي ، وظهر تحول تدريجي من التراكم المادي إلى التراكم الريعي – الرقمي ، حيث تصبح السيطرة على المنصات والبيانات من المصادر الأساسية للقيمة . هذه تحولات عميقة تستحق أن تنعكس على أدواتنا التحليلية ، دون أن نلقي بكل ما أنجزته الماركسية في هذا السياق .
أما حول تفسير برامج الذكاء الاصطناعي التي تنتج برامج أخرى ، فيمكن النظر إليها باعتبارها نقلاً متسارعاً لقيمة متراكمة من عمل حي سابق ، وليست خلقاً للقيمة من العدم . فهي تعتمد على التراث المعرفي الهائل الذي أنتجه المبرمجون والعلماء والمهندسون وعمال الوسم عبر سنوات طويلة . وما يميز هذه البرامج هو سرعة نقل القيمة فيها ، والتي تفوق سرعة نقل القيمة في الآلات التقليدية ، مما يعني أنها تحتاج إلى تجديد مستمر بعمل حي جديد ، كالتحديثات والتحسينات والبرمجة الجديدة ، وهذا يؤدي إلى تسارع في دوران رأس المال الثابت ، وهو ظاهرة تستحق الدراسة والتأمل ، وليست مجرد نهاية للقيمة كما قد يوحي التصور الخطي .
وحول مصادر فائض القيمة إذا أصبح العمل الحي مهمشاً ، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية ، الأول هو استمرار العمل بأشكال جديدة ، أي العمل المعرفي والبرمجي وصيانة الأنظمة ، وإن كان أقل عدداً ، ويبدو هذا السيناريو الأكثر احتمالاً . والثاني هو تحول الرأسمالية تدريجياً نحو نظام ريعي بحت يقوم على احتكار الملكية الفكرية والمنصات واستخلاص الريوع ، وهو سيناريو محتمل في قطاعات معينة . والثالث هو تدخل الدولة لدعم الدخل عبر الضرائب على الشركات الكبرى والدخل الأساسي والإنفاق العام ، وهو سيناريو يبدو مرتفع الاحتمال في الأمد القصير ، وإن كان لا يعالج جوهر الإشكالية .
في المجال السياسي ، يمكن النظر إلى إمكانية انتقال الرأسمالية نحو نظام ما بعد العمل القائم على الريوع ، على أنه تحول ممكن جزئياً ، لكنه سيولد بالضرورة شكلاً جديداً من الاستغلال ، يتمثل في استغلال بيانات المستخدمين وانتباههم عبر المنصات ، واستخلاص إيجار رقمي من كل معاملة . ويمكن تسمية هذا الشكل الجديد بالرأسمالية المنصاتية – الريعية ، وسيبقى الاستغلال قائماً لكن بأدوات جديدة .
تعريف البلوتوقراطية (Plutocracy)
البلوتوقراطية هي مصطلح يوناني الأصل (من ploutos = ثروة، وkratos = سلطة/حكم) ، ويعني حكم الأغنياء أو سيطرة الأثرياء على مقاليد الحكم والسلطة في المجتمع . وقد استخدمه أرسطو لأول مرة في تحليلاته للأنظمة السياسية . في سياقنا الراهن ، تشير البلوتوقراطية الرقمية إلى الطبقة الجديدة من الأثرياء الذين يمتلكون شركات التكنولوجيا العملاقة ، ويسيطرون على المنصات والبيانات والخوارزميات ، مما يمنحهم قوة غير مسبوقة في تشكيل السياسات والاقتصاد والرأي العام ، وغالباً ما يكون ذلك على حساب مصالح الأغلبية . واليوم ، تتجاوز ثروات مالكي المنصات الرقمية ثروات العديد من الدول ، مما يجعلهم فاعلين جيوسياسيين حقيقيين ، وإن كانوا خارج الأطر الديمقراطية التقليدية .
والبروليتاريا الرقمية (Digital Proletariat)
أما البروليتاريا الرقمية فهي مصطلح يمتد بالمفهوم الماركسي الكلاسيكي للطبقة العاملة إلى العصر الرقمي . لم يعد الأمر محصوراً في العمال الذين يبيعون قوتهم العاملة في المصانع ، بل يشمل اليوم:
· عمال المنصات (سائقو التوصيل، عمال التطبيقات) الذين يعملون في اقتصاد الوظائف المؤقتة ، ويجدون أنفسهم في علاقة استغلالية جديدة دون حماية نقابية أو ضمانات اجتماعية .
· عمال الوسم ومدخلو البيانات الذين يغذون نماذج الذكاء الاصطناعي بأجور متدنية وظروف عمل شاقة .
· المبرمجون والمستقلون الذين يعملون عبر المنصات ، ويعانون من عدم الاستقرار الوظيفي والمنافسة العالمية على المشاريع .
· المستهلكون – المنتجون ، وهم جميع مستخدمي المنصات الرقمية الذين تنتزع بياناتهم وتحول إلى قيمة اقتصادية ضخمة دون أي تعويض ، ويشكلون بذلك بروليتاريا البيانات التي لا تدرك أحياناً أنها قوة عاملة ومنتجة للقيمة .
هذه البروليتاريا الرقمية هي الطبقة التي تنتج القيمة من خلال عملها وبياناتها ، لكنها لا تملك وسائل الإنتاج الرقمية كالخوارزميات والمنصات ، وتجد نفسها في علاقات استغلال جديدة تعيد إنتاج التفاوت الطبقي بأشكال معاصرة .
أما مسألة الاستيلاء على وسائل الإنتاج ، فهي تظل شرطاً ضرورياً ، لكنها ليست كافية وحدها ، إذ تبقى تحديات كبرى مطروحة ، ككيفية إدارة وسائل الإنتاج الرقمية بشكل ديمقراطي ، وكيفية منع ظهور طبقة تكنوقراطية جديدة تحل محل الرأسماليين القدامى ، وكيفية توزيع الوفرة بعدالة في غياب الندرة ، وكيفية إعادة تعريف العمل والمعنى في مجتمع تقل فيه الحاجة إلى العمل التقليدي . هذه أسئلة تتجاوز مجرد تغيير الملكية ، وتتصل بكيفية بناء علاقات اجتماعية جديدة للإنتاج والتوزيع .
وفي سياق الحركة العمالية ، يبدو أن التحالف بين الحركة العمالية التقليدية والحركات التكنولوجية النقدية ، هو مسار ضروري وواعد ، ويمكن أن يتحقق عبر بناء وعي مشترك بأن الكل يواجه نظام استغلال واحد بأشكال مختلفة ، ثم من خلال بلورة مطالب موحدة كتقليص ساعات العمل دون خفض الأجور، وحق الوصول إلى البيانات مقابل تعويض عادل ، ودعم البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر، وفرض ضرائب على الشركات المنصاتية . كما يتطلب هذا التحالف بناء أدوات تنظيمية جديدة ، كنقابات عمال المنصات ، وحركات الحقوق الرقمية ، والمنصات التعاونية التي يملكها العمال والمستخدمون معاً . ولا بد من مشروع سياسي طموح يعيد تعريف الملكية الفكرية لخدمة المصلحة الاجتماعية ، ويحول المنصات الكبرى تدريجياً نحو ملكية عامة أو تعاونية .
وإذا انتقلنا إلى البعد الفلسفي والأنثروبولوجي ، نجد أن مسألة ما إذا كانت الأتمتة تحرر الإنسان أم تسبب اغترابه ، هي مسألة تتوقف بشكل كبير على السياق الاجتماعي ، وفي هذا ، يستحق الفيلسوف هربرت ماركوز (1898-1979) أن نستحضره ، فهو من أبرز مفكري مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية ، وقد اشتهر بكتابه الإنسان ذو البعد الواحد (One-Dimensional Man) الصادر عام 1964، والذي قدم فيه نقداً عميقاً للمجتمع الصناعي المتقدم ، معتبراً أن التقدم التقني ووفرة السلع الاستهلاكية لم تؤد إلى تحرر الإنسان ، بل إلى أشكال جديدة من السيطرة ، جعلت المجتمع يفقد قدرته على النقد وتخيل بدائل للنظام القائم . وقد وردت هذه الفكرة تحديداً في الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان الأشكال الجديدة للسيطرة (The New Forms of Control) ، حيث يصف ماركوز كيف أن حرية الاختيار بين سلع استهلاكية مختلفة تحل محل الحرية الحقيقية ، وتخلق نوعاً من السعادة الزائفة في ظل التعاسة ، وكيف أن التكنولوجيا والإعلام والاستهلاك يخلقون احتياجات مصطنعة تجعل الإنسان راضياً بوضعه ، وتفقده القدرة على تخيل بديل مختلف للنظام القائم .
ففي سياق يسوده العدل الاجتماعي والملكية المشتركة ، يمكن للأتمتة أن تحرر الإنسان من الأعمال الروتينية وتتيح له وقتاً أوسع للإبداع والعلاقات الإنسانية ، محققة ما عبر عنه ماركس بمفهوم ملكوت الحرية . أما في السياق الرأسمالي القائم ، فإن الأتمتة تحمل في طياتها مخاطر حقيقية ، كالبطالة الجماعية ، وفقدان الهوية والكرامة المرتبطة بالعمل ، والعزلة الاجتماعية ، والتفاوت الطبقي الحاد . وكما حذر الفيلسوف هربرت ماركوز، قد يتحول الإنسان في ظل هذه الظروف إلى كائن أحادي البعد، يفقد قدرته على النقد والمقاومة ، وهذا تحذير يجب أن نأخذه بجدية في تحليلنا لمستقبل العمل .
وفي هذا السياق ، تظهر تشكيلات طبقية جديدة تستحق الاهتمام ، كالبلوتوقراطية الرقمية التي تملك المنصات والخوارزميات ، والبروليتاريا الرقمية التي تضم المبرمجين وعمال البيانات والمستقلين ، والمستهلكين – المنتجين الذين تنتزع بياناتهم وتتحول إلى قيمة دون تعويض ، والحاشية الاجتماعية الجديدة التي تضم من يستبعدون من الاقتصاد الرقمي بالكامل . وينشأ الوعي الطبقي الجديد من خلال صراعات عملية ، كإضرابات عمال المنصات وحركات الخصوصية ، ومن خلال تنظير نقدي يربط بين نقد الرأسمالية ونقد التكنوقراطية ، ومن خلال بناء بدائل ملموسة كالمنصات التعاونية والبرمجيات الحرة .
في ختام هذه القراءة ، يمكن القول إن المقال يطرح أسئلة مصيرية بجرأة ، ويقدم مقاربة تستحق النقاش الجاد ، وإن كان بعض جوانبها يحتاج إلى مراجعة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الأتمتة والعمل ، التي تبدو أكثر جدلية وتعقيداً مما ورد في المقال ، ومن الإنصاف القول إن المقال يصيب في تشخيصه للتناقض بين الأتمتة والطلب الفعال ، وإشارته إلى إمكانية تحول فائض الإنتاج إلى أزمة بنيوية ، وتأكيده على الحاجة إلى ملكية اجتماعية لوسائل الإنتاج لتحقيق الوفرة . في حين أن ما يحتاج إلى مزيد من التمحيص والمناقشة ، هو الطبيعة الخطية للعلاقة بين الآلة والعمل ، والإيحاء بأن العمل الحي سيختفي بدلاً من أن يتحول ، والاستنتاج بأن الرأسمالية على وشك الانهيار التلقائي معطى أيديولوجي أكثر منه علمي ، في حين أن قراءة التاريخ تشير إلى قدرتها على التحول وإعادة الهيكلة
ولهذا كله ، نطرح هذه التساؤلات المفتوحة ، آملين أن تسهم في مواصلة الحوار المعرفي البناء . إذا كانت الأتمتة تخلق وظائف جديدة ، فكيف نفسر أن نمو هذه الوظائف يكون غالباً أبطأ من وتيرة الأتمتة ، وما هي العواقب الاجتماعية لذلك ؟ وهل يمكن للرأسمالية أن تحل أزمة التوزيع عبر الدخل الأساسي الشامل ، أم أن هذا مجرد إسعاف مؤقت لا يعالج جوهر الإشكالية ؟ وكيف يمكن للحركة العمالية التقليدية أن تمثل عمال القطاع الجديد ، كالمبرمجين وعلماء البيانات ، الذين قد لا يشعرون بانتماء طبقي تقليدي ؟ وهل يمكن للمنصات التعاونية أن تشكل بديلاً عملياً وقابلاً للتعميم ، أم أنها مجرد تجارب هامشية لا تتجاوز حدودها المحلية ؟ وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على برمجة نفسه وتطوير خوارزميات جديدة ، فكيف سنفهم مفهوم العمل الحي عندئذ ، وهل نحتاج إلى إعادة تعريف لنظرية القيمة نفسها ؟ وأخيراً ، كيف يمكن تجاوز الفجوة بين الفكر النظري الماركسي الراهن والممارسة السياسية الفعلية للحركات العمالية والاجتماعية اليوم ؟
ربما لا تكون الرأسمالية في نهايتها بالمعنى الذي يوحي به المقال ، لكنها بلا شك في محطة تحول كبرى ، تتطلب منا إعادة النظر في كثير من أدواتنا التحليلية والنضالية . والتحدي الحقيقي الذي يطرحه المقال ، وإن كنا نختلف معه في بعض جوانبه ، يظل تحدياً سياسياً واجتماعياً بالدرجة الأولى . فالسؤال المصيري الذي يطرحه يبقى مفتوحاً : هل ستتحول الوفرة التقنية إلى وفرة إنسانية للجميع ، أم ستتحول إلى أداة جديدة للسيطرة والاحتكار والاستغلال ؟ والإجابة على هذا السؤال ليسلت محسومة ، بل هي رهان على الوعي النقدي ، والصراع الطبقي بأشكاله الجديدة ، والقدرة على بناء بدائل عملية تليق بحجم التحديات التي نعيشها .
وختاماً ، نقول إن التكنولوجيا سلاح ذو حدين ، وأن المستقبل ليس قدراً محتوماً ، بل هو نتيجة لصراعات وخيارات ، وأن الحوار المفتوح والنقد البناء ، كما حاولنا في هذه القراءة ، هو السبيل الأقوم لفهم التحولات الكبرى والتفاعل معها . نشكر الكاتب مرة أخرى على مقاله المثير للتفكير، ونتطلع إلى المزيد من الحوارات المعرفية التي تثري فهمنا لهذا العالم المتغير .
لتواصل الحوار والمعرفة ، شاركونا آراءكم وأفكاركم حول هذه الإشكاليات ، فالعلم يبنى بالحوار ويتطور بالنقد .
