سليمان أحمد
مادة للنقاش :
مرة أخرى نتوقف عند إيلون ماسك وتصوره عن مستقبل قد يصبح فيه الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرين على إنتاج معظم احتياجات البشر بتكلفة تقترب من الصفر، بحيث يفقد المال كثيراً من أهميته، ولكن هذه المرة، كمدخل إلى سؤال أكثر عمقاً :
هل تستطيع الرأسمالية نفسها أن تستمر في ظل هذا الواقع…؟!
الرأسمالية ليست اقتصاداً يهدف إلى إنتاج السلع لإشباع حاجات البشر، بل هي نمط إنتاج يقوم على تحقيق الربح، والربح في التحليل الماركسي ليس نتاج الآلات بل هو الشكل الذي يظهر فيه فائض القيمة المستخرج من العمل البشري الحي .
فالآلة .. مهما بلغت درجة تطورها، لا تخلق قيمة جديدة وإنما تنقل تدريجياً جزءاً من قيمتها إلى السلع التي تنتجها، أما القيمة الجديدة التي تتحول لاحقاً إلى فائض قيمة وربح، فلا يخلقها إلا العمل الحي .
لهذا السبب يسعى الرأسمالي باستمرار إلى تخفيض كلفة الإنتاج، ويجد في الأتمتة والذكاء الاصطناعي وسيلة مثالية للاستغناء عن العمال وتقليص الأجور، التي تمثل الرأسمال المتغير، وهو الجزء الوحيد القادر على إنتاج فائض القيمة .
لكن هنا يظهر التناقض الكبير .. فما يبدو قراراً عقلانياً بالنسبة إلى الرأسمالي الفرد، قد يتحول إلى كارثة بالنسبة إلى الرأسمالية كنظام، فكل شركة تستبدل العمال بالروبوتات تخفض نفقاتها وترفع قدرتها التنافسية، غير أن النتيجة الاجتماعية العامة هي تقلص العمل الحي، أي تقلص المصدر الوحيد للقيمة المضافة .
وقد وصف ماركس هذا التناقض في قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض أو الانحدار، فكلما ارتفعت نسبة رأس المال الثابت ( الآلات والتكنولوجيا ) إلى رأس المال المتغير ( الأجور )، تراجع المصدر الحقيقي لفائض القيمة وأصبح الحفاظ على معدلات الربح أكثر صعوبة .
لكن الذكاء الاصطناعي يطرح احتمالاً آخر يتجاوز ما عرفته الرأسمالية طوال تاريخها .
لقد كانت أزمات الرأسمالية التقليدية أزمات فيض إنتاج دورية، تنتهي بإغلاق المصانع أو إتلاف جزء من السلع، ثم تعود الدورة الاقتصادية إلى النشاط من جديد .
أما إذا أصبحت الروبوتات والذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج معظم السلع والخدمات بعمل بشري ضئيل للغاية، فإن الرأسمالية قد تواجه شكلاً جديداً من الأزمة يتمثل في وفرة دائمة في الإنتاج، يقابلها تراجع دائم في القيمة والطلب الاجتماعي، وهنا تصبح دورة الإنتاج مرحلة واحدة طويلة ومتواصلة وهي الأزمة المستدامة، ويتعفن المجتمع .
فالعمال الذين كانوا ينتجون فائض القيمة كانوا في الوقت نفسه يشكلون القسم الأكبر من المستهلكين، ومع خروج أعداد متزايدة منهم من العملية الإنتاجية، تتقلص دخولهم وتتراجع قدرتهم على شراء السلع، في الوقت الذي تتضاعف فيه القدرة على إنتاجها .
ولكن المعضلة الأكبر لا تقف عند حدود ضعف الطلب فقط …
فإذا ساد هذا النظام المتقدم من الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وأصبحت معظم السلع تحتوي على مقدار ضئيل جداً من العمل الحي، فإن كتلة القيمة المضافة نفسها ستتراجع، وبذلك لا يواجه رأس المال أزمة في تصريف الإنتاج فقط، بل أزمة في إنتاج القيمة ذاتها.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها ( وفرة في الإنتاج، وتكلفة شبه صفرية وأرباح متدنية متهالكة ) .
فالمنطق الذي يدفع الرأسمالي إلى تعميم الأتمتة هو ذاته الذي يقوض الأساس الذي تقوم عليه الرأسمالية .
فمن أجل زيادة الأرباح يستغني الرأسمالي عن العمال، لكنه باستغنائه عنهم يضعف مصدر الربح نفسه ويقلص السوق التي يبيع فيها إنتاجه .
قد تحاول الرأسمالية تأجيل هذا التناقض بالاحتكار وحقوق الملكية الفكرية وخلق ندرة مصطنعة والاعتماد المتزايد على الريوع المالية والمضاربات، أو حتى من خلال تدخل الدولة لدعم الدخول والاستهلاك، غير أن جميع هذه الوسائل تعالج النتائج، ولا تمس جوهر المشكلة .
إن المعضلة الحقيقية ليست تقنية، بل اجتماعية بحتة
فالوفرة التي يحققها الذكاء الاصطناعي يمكن أن تصبح نعمة للبشرية إذا كانت وسائل الإنتاج ملكاً اجتماعياً، وكان الهدف من الإنتاج هو إشباع الحاجات الإنسانية، أما إذا بقيت هذه الوسائل محتكرة من قبل رأس المال، فإن الوفرة نفسها قد تتحول إلى مصدر لأعمق أزمة عرفها النظام الرأسمالي لأنه سيكون قد نجح في إنتاج السلع، لكنه فشل في إنتاج القيمة التي يقوم عليها وجوده .
ولعل القرن الحادي والعشرين لن يشهد صراعاً بين الإنسان والآلة، بقدر ما سيشهد صراعاً بين منطق الوفرة التقنية ومنطق الربح الرأسمالي .
وفي الختام .. تبقى الأسئلة الكبيرة حاضرة تستفز العقول وتجعلها أكثر مواكبة لما يحدث، وما قد يحدث .
هل يستطيع رأس المال أن يقبل بإنتاج وفير لا يحقق الربح… ؟!
وهل يمكن لنظام يقوم على القيمة التبادلية أن يستمر عندما تصبح تكلفة إنتاج معظم السلع والخدمات تقترب من الصفر..؟!
وهل سيكون المستقبل اقتصاداً قائماً على الوفرة الإنسانية، أم رأسمالية احتكارية تحاول تصنيع الندرة وسط بحر من الوفرة.. ؟!
وإذا كان العمل الحي هو المصدر الوحيد لفائض القيمة، فماذا يبقى من الرأسمالية عندما يصبح العمل الحي مهمشاً ومقلصاً ؟
وهل يكون الذكاء الاصطناعي، من حيث لا يقصد مطوروه الراسماليون، قد كشف حدود الرأسمالية التاريخية …؟
ويبقى السؤال الأعمق ..
هل تقود الثورة التقنية والذكاء الاصطناعي إلى تحول أزمة فيض الإنتاج الدورية إلى أزمة بنيوية دائمة ناتجة عن تآكل مصدر القيمة نفسه .. ؟
وهذه زاوية بحثية تستحق النقاش والرصد والتحليل من قبل كل المهتمين والاقتصاديين الماركسيين .
قد تكون الرأسمالية أمام هزات بنيوية عنيفة، وعلى الحركة الثورية العالمية تحمل مسؤوليتها التاريخية العظيمة، ولملمة صفوفها، وفهم اللحظة التاريخية ومهامها دون أي تأخير، فالقوى المنتجة الهائلة، التي بدأت تخرج من قمقمها، لن تكون قابلة للاحتواء إلى أبد الآبدين .
