من تشخيص الأزمة إلى بناء البديل : تعقيب نقدي ماركسي على مقال الباحث التونسي عمران الحاضري

جاك عزيز

⬅️

توطئة من أورورا ..

تعميقاً للحوار الفكري حول القضايا الراهنة، وفي إطار إيمان أورورا بأهمية النقاش النقدي وتعدد وجهات النظر، ننشر النص الكامل لمناقشة الأستاذ جاك عزيز لمقالة الأستاذ عمران حاضري المعونة ( الاحتجاجات الأوروبية وأزمة الرأسمالية المعاصرة : من الغضب الاجتماعي إلى التغيير التاريخي ) .

فالحوار النقدي في نظر أورورا، ليس مناسبة لتبادل المواقف فحسب، بل سبيل إلى تعميق الفهم واختبار الأفكار وإغناء النقاش حول قضايا الإنسان والمجتمع والمستقبل .

وإليكم النص الكامل لمقالة الأستاذ جاك عزيز :

لا بد من الإقرار بأن الكاتب قد نجح في تجاوز القراءة السطحية للاحتجاجات الأوروبية ، إذ رفض اختزالها في ردود فعل ظرفية على الأسعار أو الضرائب ، وذهب إلى اعتبارها تعبيراً عن تناقضات بنيوية في الرأسمالية المعاصرة ، وهو موقف منهجي سليم يلتقي مع التقليد الماركسي في تحليل الأزمات بوصفها لحظات تكشف عن جوهر العلاقات الاجتماعية للإنتاج لا مجرد اختلالات تقنية عابرة . غير أن تطوير هذا التحليل يستدعي بعض الملاحظات النقدية التي تهدف إلى تعميق الحوار لا إلى نقضه . فالكاتب يحدد الهوة بين تراكم الثروة وتدهور شروط الأغلبية ، ويستشهد بأرقام المديونية الفرنسية التي تجاوزت 3.5 ترليون يورو أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي ، وهي معطيات ذات دلالة ، لكنها تحتاج إلى ربطها بنظرية الأزمة الماركسية ربطاً أكثر صرامة ، ذلك أن الإفراط في التداين العمومي ليس مجرد نتيجة لسياسات تقشفية أو خيارات حكومية ، بل يعكس تناقضاً أعمق بين ميل معدل الربح إلى الانخفاض وحاجة النظام إلى امتصاص فوائض رأس المال عبر الإنفاق العام ، ثم تحويل هذا الإنفاق إلى أداة لإعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات المالكة عبر آلية خدمة الدين . وهنا يصبح التقشف ليس مجرد ضرورة تقنية كما يقول الكاتب ، بل آلية بنيوية لتحويل الأزمة إلى فرصة لتعزيز سلطة رأس المال المالي ، وهذا ما كان يستحق تطويراً في المقال . كما أن الحديث عن أشكال متعددة من الامتيازات السخية الممنوحة لرأس المال يظل وصفاً عاماً ما لم يربط بتحليل محدد لآليات السياسة الضريبية والاستثمارية والإعفاءات التي تعيد إنتاج هذه الامتيازات في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا ، لأن الماركسية لا تكتفي بالفضح بل تسعى إلى الكشف عن الآليات الموضوعية التي تجعل الاستغلال ممكناً ومستقراً. وفيما يتعلق بالبعد الدولي ، يذكر الكاتب أن علاقات التبعية تحمل شعوب الأطراف نصيباً غير متكافئ من كلفة النظام العالمي ، وهو طرح يحتاج إلى تجاوز الخطاب الأخلاقي نحو تحليل بنيوي لسلاسل القيمة العالمية التي تنقل فائض القيمة من الأطراف إلى المراكز، وإلى دور المؤسسات المالية الدولية في فرض سياسات التكيف الهيكلي التي تعمق هذا النقل ، لأن ربط الاحتجاجات الأوروبية باحتجاجات الأطراف ربطاً عضوياً يقتضي إبراز أن أزمة الرأسمالية في المركز والأطراف هي أزمة واحدة ذات تعبيرات متعددة ، وليست أزمتين منفصلتين تتقاطعان أحياناً . أما حديث الكاتب عن تحول الدولة إلى شركة وتراجع دورها الاجتماعي ، فهو طرح مهم لكنه يحتاج إلى تمييز دقيق بين تراجع الوظائف الاجتماعية للدولة وبين تعاظم وظائفها القمعية والتنظيمية لصالح رأس المال ، لأن الدولة في التحليل الماركسي ليست كياناً محايداً يتراجع أو يتقدم ، بل علاقة اجتماعية وبنية مؤسسية تعيد إنتاج شروط التراكم ، وتحولها إلى شركة لا يعني اختفاءها بل تغير شكل تدخلها . وفي مسألة الوعي والتنظيم ، يطرح الكاتب سؤالاً جوهرياً حول الانتقال من الغضب إلى التغيير التاريخي ، ويشير إلى دور الأحزاب اليسارية والنقابات ، وهنا يبرز إشكال منهجي يتمثل في أن الكاتب يبدو وكأنه يفترض أن التنظيم السياسي الجاهز قادر على احتواء الاحتجاج العفوي ، بينما التجربة التاريخية الماركسية تشير إلى أن العلاقة بين النقابة والحزب والحركة الاجتماعية علاقة إشكالية ومعقدة ، وأن الاحتجاجات العفوية كثيراً ما تتجاوز أشكال التنظيم التقليدية أو ترفضها ، فالمطلوب ليس فقط بناء الصلة كما يقول الكاتب بل إعادة اختراع أشكال التنظيم نفسها بما يتناسب مع تحولات عالم العمل الرقمي وهشاشة الشباب ، وهذا ما يقترب من إشكاليات النظرية الماركسية المعاصرة حول الجماهير والمثقف العضوي والحزب الجديد . كما أن الكاتب حين يقول إن الرهان ليس انتظار انهيار الرأسمالية آلياً ، فإنه يقترب من نقد الماركسية الميكانيكية والاقتصادوية ، وهذا موقف سليم ينبغي البناء عليه لا مجرد ذكره ، إذ يقتضي الأمر تحليلاً أكثر تفصيلاً لموازين القوى الطبقية في أوروبا اليوم ، ولموقع الطبقة العاملة في قطاعات الخدمات والمنصات الرقمية ، وللتحولات في تركيب الطبقات التي تجعل التحالفات الاجتماعية المحتملة أكثر تعقيداً مما يوحي الخطاب التقليدي عن الفئات الشعبية والشبابية . إن القيمة الحقيقية لمقال الحاضري لا تكمن في الإجابات التي يقدمها بل في الأسئلة التي يفتحها ، وأهمها سؤال العلاقة بين الأزمة البنيوية والفعل السياسي ، وهو سؤال ظل التقليد الماركسي يتناوله بصيغ متجددة منذ ماركس حتى غرامشي وألتوسير وبولانزاس ، وما زال مفتوحاً . ومن هنا فإن المساهمة في تطوير الحوار تقتضي عدم الاكتفاء بتأكيد الطابع الطبقي للأزمة ، بل الانتقال إلى تحليل محدد لآليات إعادة إنتاج التفاوت في كل سياق وطني ، وللأشكال التنظيمية الجديدة التي قد تحمل إمكانات التجاوز، وللعلاقة بين النضالات في المركز والنضالات في الأطراف بوصفها نضالات متداخلة لا متوازية ، مع الحفاظ على البعد النقدي الذي يرفض كلاً من الاقتصادوية التي تختزل السياسة في الاقتصاد والطوباوية التي تختزل التغيير في الإرادة ، لأن الماركسية بوصفها منهجاً لا عقيدة جاهزة تظل أقدر على النهوض بهذا الدور كلما التزمت بالتحليل الملموس للواقع الملموس بدلاً من الاكتفاء بالشعارات العامة عن الاستغلال والتحرر .

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top