الباحث التونسي عمران الحاضري
لا يمكن قراءة الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا وبعض البلدان الأوروبية الغربية بوصفها مجرّد ردود فعل ظرفية على ارتفاع الأسعار أو السياسات الضريبية و غيرها ، بل باعتبارها تعبيراً عن تناقضات بنيوية داخل النظام الرأسمالي المعاصر ، حيث تتسع الهوّة بين تراكم الثروة في أيدي أقلية محدودة و تدهور الشروط المادية والاجتماعية للأغلبية المسحوقة…!
ففي فرنسا، كما في غيرها من البلدان الأوروبية، تتقاطع أزمة المديونية العمومية ( التي تجاوزت هذه السنة في فرنسا على سبيل المثال، حسب المعهد الوطني للإحصاء و الدراسات خلال نهاية الثلاثية من السنة الحالية : 3,5 ترليون يورو و ما يعادل : 119% من الناتج المحلي الإجمالي…!!!) مع السياسات التقشفية وتراجع القدرة الشرائية والضغوط على الخدمات العمومية و الرعاية الصحية والاجتماعية ، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول ، من يتحمّل كلفة الأزمة، ومن يستفيد من توزيع الثروة؟ إذ إنّ تقديم التقشف باعتباره “ضرورة تقنية” يحجب طبيعته السياسية والطبقية الحارثية ، حين تُحمَّل الفئات العمالية والشعبية والشبابية أعباء اختلالات أزمة لم تكن المتسببة في إنتاجها، بينما تستمر أشكال متعددة من الامتيازات السخية الممنوحة لرأس المال…!
وتندرج هذه التناقضات ضمن المسار التاريخي للأزمة الرأسمالية الهيكلية التي كشفت أزمة 2008 عن عمقها، من دون أن تنجح التدخلات المالية والسياسات النقدية في تجاوز أسبابها البنيوية…!
وقد زادت الجائحة والحروب وأزمات الطاقة والمناخ والتوترات الجيوسياسية من حدّة الاختلالات، فيما تواصلت علاقات التبعية الاقتصادية والمالية التي تُحمّل شعوب البلدان التابعة في الأطراف ، ومنها البلدان العربية، نصيباً غير متكافئ من كلفة النظام الاقتصادي العالمي المتوحش…!
ولا تقتصر الأزمة على الاقتصاد وتوزيع الدخل، بل تمتد إلى طبيعة المجتمع نفسه حيث تسليع العمل و تنميطه ، وإخضاع الحاجات الإنسانية لمنطق الربحية، وتراجع دور الدولة الاجتماعية التي أصبحت تدار ك”شركة” ، وتحويل السياسة من فضاء للتداول حول المصالح والقيم المشتركة إلى إدارة تقنية للسوق المعولم ومقتضيات التنافسية…! وهكذا يصبح التفاوت الطبقي ليس مجرد نتيجة جانبية للنموذج الاقتصادي، بل أحد التناقضات المركزية التي تعيد إنتاجه حيث تمنح نصف ثروات كوكبنا و خيراته إلى 1% فقط بحسب الكاتب الكندي بودو صاحب كتاب ” نظام التفاهة”…!
غير أنّ القيمة التاريخية للاحتجاجات لا تكمن في كشف الأزمة وحده ، بل في الإمكانات التي تفتحها أمام تشكّل وعي جماعي جديد…! فالانتقال من الغضب الاجتماعي إلى التغيير التاريخي ليس مساراً حتمياً ؛ إذ قد تظلّ التحركات أسيرة المطالب الجزئية أو تتبدّد بفعل غياب التنظيم والمشروع السياسي البديل…!
ومن هنا تبرز مسؤولية الأحزاب اليسارية والتقدمية والنقابات المناضلة والحركات الاجتماعية الناهضة ، في بناء الصلة بين الاحتجاج العفوي والعمل المنظّم، وبين المطالب اليومية و الظرفية والأفق الاستراتيجي للتحرر و الانعتاق الاجتماعي…!
ويتطلب ذلك تجديد أدوات التأطير السياسي والفكري، واستعادة الصلة بعالم العمل المتحوّل بحكم التطور التكنولوجي و الرقمي و بالشباب والفئات الهشّة، وصياغة بديل ديمقراطي شعبي يربط المطالبة بالعدالة الاجتماعية بتوزيع الثروة، وحماية الخدمات العمومية، والسيادة الشعبية على الخيارات الاقتصادية…!
إنّ الرهان، في نهاية المطاف، لا يتمثل في انتظار انهيار الرأسمالية بصورة آلية و تلقائية ، بل في فهم أنّ الأزمات تفتح إمكانات تاريخية متعارضة، وأنّ اتجاهها يتحدد بموازين القوى ومستوى الوعي والتنظيم والقدرة على بناء مشروع جماعي للتغيير المنشود…!
فالاحتجاجات الأوروبية ليست مجرّد صراع حول الأجور والأسعار والميزانيات، بل تعبير عن سؤال تاريخي أعمق حول من يملك الثروة، ومن يقرّر مصيرها، ولصالح من يُنظَّم الاقتصاد والمجتمع؟
وحين تتحوّل الحركة الاحتجاجية إلى قوة اجتماعية واعية ومنظّمة، يصبح ممكناً الانتقال من الدفاع عن المكتسبات المهدّدة إلى مساءلة البنية التي تعيد إنتاج التفاوت والاستغلال و الاستبداد و الاستلاب…!
فالتاريخ لا تصنعه الأزمات ، بل تصنعه قدرة الشعوب الكادحة و نخبها المنتصرة لها و لانتظاراتها، على تحويل تناقضاتها إلى وعي عمومي بديل و إرادة وفعل جماعي ناهض ؛ حيث يصبح الاقتصاد السياسي في خدمة الإنسان، لا الإنسان مجرّد أداة في خدمة التراكم الرأسمالي …!
