سليمان أحمد
أتفق مع الأستاذ عمران حاضري والأستاذ جاك عزيز أنه لم تعد الاضطرابات الاجتماعية التي تشهدها فرنسا وما يتردد صداه في بلدان أوروبية أخرى، مجرد احتجاجات عابرة على ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات العامة، بل أصبحت تعبيراً عن احتداد التناقضات الملازمة للرأسمالية الأوروبية وعن عجز مؤسساتها السياسية عن إدارة آثار أزمتها إلا عبر تحميلها للطبقات الشعبية .
غير أن فهم هذه الأزمة يتطلب تجاوز الوصف السياسي المباشر إلى تحليل آلياتها الاقتصادية، فالرأسمالية لا تقوم على تداول السلع فحسب بل على شراء قوة العمل واستعمالها لإنتاج قيمة تفوق قيمة الأجر المدفوع للعامل، هذا الفارق هو فائض القيمة وهو المصدر الأساسي للربح والتراكم .
وكلما سعى رأس المال إلى رفع معدل الربح، اتجه إلى زيادة إنتاجية العمل أو إطالة زمنه أو خفض الأجور المباشرة وغير المباشرة أو تقليص الإنفاق الاجتماعي أو نقل الإنتاج إلى مناطق أقل كلفة، لذلك فإن الهجوم على المعاشات في فرنسا وتوسيع رقعة العمل المؤقت في إسبانيا وإيطاليا وتكثيف العمل في المستودعات والمنصات اللوجستية الألمانية والهولندية، ليست سياسات منفصلة بل أشكال مختلفة للصراع حول فائض القيمة .
بالطبع كل هذا يجري في ظل منافسة عالمية وصراع ضاري مع الاحتكارات الأخرى سواء الصينية أو الأمريكية أو اليابانية وغيرها والتراجع الواضح لأوروبا في هذا الصراع .
فرنسا وخصوصية الأزمة السياسية والاجتماعية ..
تتجلى الأزمة الفرنسية و أزمة عدد من الدول الأوربية الأخرى في تآكل التسويات الاجتماعية التي قامت عليها دولة الرفاه بعد الحرب العالمية الثانية، فقد نشأت تلك التسويات في سياق تاريخي اتسم بقوة سطوع النموذج الاشتراكي السوفييتي عالمياً وبقوة الحركة العمالية، وبحاجة الرأسمالية الأوروبية إلى إعادة بناء الإنتاج واحتواء الصراع الطبقي .
أما اليوم .. ومع تباطؤ النمو وتزايد المنافسة العالمية وتضخم قوة رأس المال المالي والاحتكاري، فقد أصبح رأس المال يسعى إلى تفكيك أجزاء متزايدة من تلك التسويات وخصوصاً في ظل اختفاء النموذج النقيض الجاذب وتراجع دور النقابات والأحزاب الشيوعية .
إن إصلاحات المعاشات وتحرير سوق العمل وخصخصة قطاعات النقل والطاقة والاتصالات، ليست أخطاء تقنية أو عابرة، بل محاولات لخفض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل، فالأجر لا يقتصر على المبلغ الذي يتقاضاه العامل في نهاية الشهر، إذ يشمل أيضاً الخدمات التي تتيح له ولأسرته البقاء والعمل جيلاً بعد جيل .. التعليم والصحة والسكن والنقل والتقاعد، وعندما تخصخص هذه المجالات أو تقلص، يدفع العامل إلى شراء ما كان يموّل اجتماعياً، فينخفض أجره الحقيقي حتى لو لم ينخفض أجره الأسمى .
تتصل هذه السياسات كذلك بأزمة الربحية، فحين يواجه رأس المال صعوبة في تحقيق معدلات ربح مرتفعة، لا يتخلى عن منطق الربح.. أبداً، بل يحاول استعادة الربحية عبر الضغط على الأجور وزيادة كثافة العمل والاستدانة والمضاربة والاستحواذ على القطاعات العامة .
وهكذا تتحول أزمة الرأسمالية إلى أزمة اجتماعية ..
وفي الوقت نفسه .. تتعمق أزمة التمثيل السياسي، فالأحزاب التقليدية تفقد قدرتها على استيعاب الغضب الاجتماعي، بينما تتسع الفجوة بين المؤسسات وقطاعات واسعة من العمال والشباب والطبقات الوسطى المتدهور . غير أن هذا الفراغ لا يقود تلقائياً إلى وعي اشتراكي، إذ يمكن لليمين المتطرف أن يستغله لتحويل التناقض العمودي بين العمل ورأس المال إلى صراع أفقي بين السكان والمهاجرين أو بين المناطق أو بين العمال أنفسهم .
الشباب والطلبة ومأزق إعادة إنتاج قوة العمل!
يحتل الشباب والطلبة موقعاً مركزياً في هذه التحولات لأنهم يواجهون أزمة مزدوجة .. أزمة الدخول إلى سوق العمل وأزمة إعادة إنتاج حياتهم الاجتماعية .
فارتفاع إيجارات السكن في باريس وبرلين وأمستردام وتكاليف التعليم والنقل وانتشار العقود المؤقتة والعمل الجزئي والمنصات الرقمية، كلها تجعل الانتقال إلى حياة مستقرة أكثر صعوبة .
إن إعادة إنتاج قوة العمل تعني مجموع الشروط التي تسمح للعامل بأن يعيش ويستعيد قدرته على العمل، كما تعني تربية الجيل الجديد وتعليمه وتأهيله ليحل محل الجيل السابق، وقد كانت الدولة الاجتماعية تتحمل جزءاً من هذه الكلفة عبر المدرسة العامة والتأمين الصحي والسكن المدعوم والنقل العام ونظام التقاعد، لكن النيوليبرالية تنقل هذه الكلفة تدريجياً إلى الأسر والأفراد . وهكذا يصبح الطالب مديناً والعامل الشاب مهدداً بالطرد من السكن والأسرة مطالبة بتمويل ما كان حقاً اجتماعيا .
لا يعني ذلك أن الشباب يشكلون فئة متجانسة، فالطالب المنحدر من عائلة عمالية والذي يضطر إلى العمل أثناء الدراسة لا يعيش الوضع نفسه الذي يعيشه ابن البرجوازية أو الفئات المسورة، كما أن خريج الجامعة الذي يدخل سوق العمل بعقد هش يختلف عن وريث الثروة الذي يستطيع الانتظار أو الاستثمار، لذلك فإن تحويل غضب الشباب إلى قوة سياسية تقدمية يتطلب ربطه بالبنية الطبقية، وبالنضال من أجل التعليم والسكن والعمل اللائق، لا الاكتفاء بخطاب ثقافي عام عن التمرد .
من أين يأتي العنف في الشارع..؟
لا يمكن تفسير العنف في الشارع باعتباره انحرافاً أخلاقياً أو نتيجة لغياب الانضباط، إنه يظهر في سياق عنف اجتماعي أعمق تمارسه الرأسمالية يومياً عبر البطالة والفقر والتهميش والعمل المرهق والقمع البوليسي وإخضاع الحاجات الإنسانية لمنطق الربح .
إن إغلاق المدارس والمستشفيات وترك الأحياء الشعبية بلا خدمات، كلها أشكال من العنف البنيوي لا تظهر دائماً في صورة صدام مباشر .
فحين تغلق قنوات التعبير السياسي، وحين تواجه الإضرابات والاحتجاجات بالتجريم، يصبح انفجار الغضب أكثر احتمالاً، وقد أظهرت احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا كيف يمكن لزيادة ضريبة على الوقود أن تفجر غضباً متراكماً حول الأجور والنقل والضرائب غير العادلة وتهميش المناطق، كما أظهرت الاحتجاجات ضد إصلاح المعاشات أن الدولة مستعدة لاستخدام جهازها القمعي لحماية إعادة توزيع الثروة من العمل إلى رأس المال .
لكن الاعتراف بالجذور الاجتماعية للعنف لا يعني تمجيده أو اعتباره استراتيجية سياسية صحيحة، فالعنف العفوي إذا ظل منفصلاً عن تنظيم جماهيري وبرنامج طبقي، قد يتحول إلى ذريعة لتوسيع القمع وقد يعزل المحتجين عن قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، المطلوب هو نقل الصراع من ردود الفعل الفوضوية إلى قوة منظمة قادرة على تعطيل عملية إنتاج فائض القيمة، عبر الإضراب والاحتلال والمقاطعة والتنسيق بين أماكن العمل والأحياء والجامعات .
هل يخوض الشباب صراعاً مع الاحتكارات الإمبريالية ..؟
يخوض الشباب صراعاً موضوعياً ضد نتائج سيطرة الاحتكارات الإمبريالية، حتى عندما لا يمتلكون وعياً واضحاً بطبيعة خصمهم الطبقي، فارتفاع الأسعار وتفكيك الخدمات العامة وتدهور التعليم والعمل، كلها مظاهر لسيطرة رأس المال الاحتكاري على الدولة والمجتمع . وتكشف شركات الطاقة الكبرى والمصارف وشركات السلاح والمنصات الرقمية، عن كيفية تركز الثروة والقرار في أيدي أقلية قادرة على التأثير في السياسات العامة .
غير أن الاحتجاج ضد النتائج لا يتحول تلقائياً إلى صراع واع ضد الأسباب، فقد يظل الغضب محصوراً في مطالب إصلاحية أو ينزلق إلى الفردانية أو يستثمر في مشاريع قومية وعنصرية، لذلك تبرز ضرورة العمل السياسي والتنظيمي الذي يربط المطالب اليومية بالبنية الإمبريالية للرأسمالية .
من الاحتجاج إلى البديل الطبقي!
لا يكفي الاعلان أن النظام في أزمة ..
السؤال المركزي يكون : من يقود الخروج من هذة الأزمة ولحساب أي مصلحة طبقية..؟
فالأزمة لا تنتج بديلها تلقائياً، والاحتجاج مهما اتسع قد ينتهي بإعادة إنتاج النظام نفسه بأقنعة جديدة ما لم يتحول الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية مستقلة تمتلك مشروعاً طبقياً واضحاً .
ليس البديل استبدال حكومة بأخرى ولا ترميم الليبرالية بجرعة من الإصلاحات الاجتماعية، بل انتزاع سلطة القرار الاقتصادي من رأس المال وكسر هيمنته على الاستثمار والإنتاج وإعادة تنظيم الاقتصاد وفق الحاجات الاجتماعية، لا وفق منطق الربح والتراكم .
لكن هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى واقع الحركة الشيوعية نفسها في فرنسا وأوروبا وإلى مدى قدرتها على تجاوز أزمتها التنظيمية والسياسية والفكرية، واستعادة دورها كقوة طبقية قادرة على تنظيم الغضب الاجتماعي وتحويله إلى فعل سياسي لإحداث تغيير جذري شامل، في ظل إشارات استفهام كبيرة لتغلغل الأفكار الاشتراكية الديمقراطية الانتهازية في صفوفها .
إن مستقبل فرنسا وأوروبا لن تحددهما الأزمات وحدها، بل الصراع بين من يريد إنقاذ الرأسمالية على حساب الشعوب ومن يسعى إلى فتح الطريق أمام بديل اشتراكي يضع الإنتاج والثروة والقرار في خدمة الأغلبية .
