الغرب واعادة التدوير السياسية

د. عمرو حديفة.

30/09/2026

ثمة لحظات في التاريخ لا تكشف فقط تناقض السياسة، بل تكشف عجز النظام الذي ينتجها عن الاستمرار في تصديق روايته عن نفسه. وما أراه اليوم في إعادة تدوير بعض القوى والشخصيات التي صُنِّفت بالأمس في خانة الإرهاب أو التطرف أو الجريمة، ثم أعيد تقديمها بوصفها شركاء وحلفاء عندما اقتضت المصلحة الجيوسياسية ذلك، ليس انحرافاً عارضاً في السياسة الغربية. إنه، في تقديري، أحد أعراض أزمة أعمق في النظام الدولي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة، وفي الرأسمالية العالمية التي وفّرت له بنيته المادية وخطابه الأيديولوجي.

ولفهم ذلك، أعود إلى يوغوسلافيا. لم تكن حرب كوسوفو عام 1999 مجرد فصل آخر من حروب البلقان. كان تدخل الناتو من دون تفويض مسبق من مجلس الأمن لحظة مفصلية في العلاقة بين القوة والقانون الدولي. لقد أصبح ممكناً تقديم الحرب بوصفها فعلاً أخلاقياً استثنائياً، في وقت كانت فيه القواعد التقليدية لاستخدام القوة والسيادة تُدفع إلى الخلف. وبعد أسابيع فقط من بدء القصف، كان توني بلير يتحدث في شيكاغو عن «عقيدة المجتمع الدولي»، وعن عالم جديد لا تستطيع فيه الدول الاحتماء بمفهوم السيادة كما في السابق، وعن ضرورة صياغة قواعد جديدة لعصر العولمة.

المفارقة أن هذه «الأخلاق الجديدة» احتاجت منذ البداية إلى حلفاء لا ينسجمون دائماً مع صورتها الأخلاقية.

جيش تحرير كوسوفو مثال بالغ الدلالة. فقد وُجد داخل الولايات المتحدة نفسها من ذكّر، أثناء الحرب، بأن مسؤولين أميركيين سبق أن نظّروا إلى عناصر وقيادات فيه أمثال هاشم ثاتشي، من خلال مفردات الإرهاب والجريمة وتجارة المخدرات. لكن عندما تغيرت الوظيفة الجيوسياسية، تغيرت الصورة السياسية. أصبح الفاعل المحلي المفيد في الصراع جزءاً من المعادلة الجديدة، قبل أن يعود التاريخ، بعد عقود، ليفتح الملفات التي حاولت لحظة الحرب إزاحتها إلى الهامش. وفي سبتمبر/أيلول 2026 صدرت أحكام بحق أربعة من أبرز قادته السابقين في محكمة كوسوفو المتخصصة، بعد إدانتهم بجرائم حرب ارتبطت بالاعتقال التعسفي والمعاملة القاسية والتعذيب والقتل.

بالنسبة إليّ، لا تكمن أهمية هذه الوقائع في كوسوفو وحدها، ولا في استبدال رواية دعائية غربية برواية دعائية مضادة. المسألة أهم من ذلك: من يملك سلطة تعريف العدو؟ ومن يملك سلطة إعادة تعريفه عندما تتغير المصالح؟

هنا يظهر النمط التاريخي الذي يستحق التوقف عنده. ليست العلاقة بين القوى الكبرى وحلفائها المحليين علاقة قائمة دائماً على التطابق القيمي. في لحظات كثيرة يكون المطلوب من الوكيل المحلي أن يؤدي وظيفة محددة: إضعاف دولة، تعديل توازن إقليمي، إسقاط خصم، الضغط على حكومة، أو خلق واقع سياسي جديد. وعندها تصبح السيرة السابقة لهذا الوكيل مسألة قابلة لإعادة التأويل. ما كان دليلاً على التطرف بالأمس يمكن أن يصبح «براغماتية» اليوم، وما كان تمرداً أو جريمة يمكن أن يعاد إدخاله في قاموس المقاومة والتحرير والديمقراطية إذا أصبحت وظيفته السياسية مناسبة.

البوسنة بدورها تكشف وجهاً آخر للمشكلة. فقد أنشأ اتفاق دايتون منصب الممثل السامي لمراقبة وتنسيق التنفيذ المدني للسلام، لكن الصلاحيات التي عُرفت لاحقاً بـ«صلاحيات بون» توسعت إلى فرض قوانين وعزل مسؤولين منتخبين. بل إن هذا التوسع ظل موضع جدل قانوني وديمقراطي طويل. هنا نرى كيف يمكن للاستثناء الذي يُبرر أولاً بضرورة إدارة مرحلة ما بعد الحرب أن يتحول تدريجياً إلى بنية سياسية قائمة بذاتها.

وهذا يقودني إلى المشكلة الأعمق: الانتقائية.

فالسيادة تصبح مقدسة في حالة، وعائقاً أخلاقياً في حالة أخرى. تقرير المصير يتحول إلى حق لا يقبل النقاش هنا، وإلى خطر على وحدة الدولة هناك. المقاتل المسلح يمكن أن يكون إرهابياً في حرب وشريكاً ضرورياً في حرب أخرى. وحتى القانون الدولي نفسه يبدو أحياناً شديد الصلابة عندما ينسجم تطبيقه مع توازن القوة، وشديد المرونة عندما يقف في طريقه.

ليست المشكلة، في رأيي، أن الغرب «لا يمتلك قيماً». هذه إجابة سهلة أكثر مما ينبغي. المشكلة الأخطر أنه بنى خلال العقود الماضية خطاباً يقدّم مصالحه التاريخية الخاصة باعتبارها قيماً كونية، ثم بالغ في استخدام هذا الخطاب حتى بدأ التناقض بين المصلحة والقيمة يظهر للعيان.

وهنا أصل إلى ما أعتقد أنه الأزمة الحقيقية، فالرأسمالية العالمية في مرحلتها الراهنة لا تعاني فقط أزمات اقتصادية دورية أو صراعاً على الأسواق والموارد. إنها تعاني أزمة في قدرتها على إنتاج رموز حضارية جديدة تمنح نظامها السياسي شرعية تاريخية. النظام الذي قدّم نفسه بعد الحرب الباردة باعتباره النهاية المنتصرة للتاريخ يجد نفسه، بعد ثلاثة عقود، مضطراً بصورة متكررة إلى البحث في مستودع الأعداء القدامى نفسه: جماعات كانت متطرفة فتصبح معتدلة، قادة كانوا غير صالحين للمجتمع الدولي فيصبحون شركاء، وشبكات كانت جزءاً من المشكلة تصبح جزءاً من الحل.

هذه ليست علامة ثقة بالنفس، بل علامة استنفاد. فالنظام الصاعد تاريخياً ينتج لغته ورموزه ومؤسساته ووعوده. أما النظام الذي يبدأ باستهلاك شرعيته فيضطر أكثر فأكثر إلى إعادة تدوير الأدوات القديمة وإعادة تسمية الأشياء. وحين يعجز عن إنتاج بطل جديد، يعيد طلاء بطل الأمس المرفوض. وحين يعجز عن إنتاج مشروع سياسي مقنع، تصبح إدارة الصورة بديلاً عن إنتاج المعنى.

لكن لهذه اللعبة حدوداً، حيث يمكن إعادة تعريف العدو مرة، وربما مرتين. ويمكن للإعلام أن يساعد في تغيير الذاكرة السياسية، ويمكن للقوة أن تفرض واقعاً جديداً، ويمكن للمصلحة الآنية أن تجعل التناقض مقبولاً لبعض الوقت. لكن لا يمكن بناء شرعية عالمية مستدامة على ذاكرة يفترض باستمرار أن الشعوب ستفقدها.

ففي عصر الأرشيف المفتوح والمنصات الرقمية، تبقى التصريحات والصور والاتهامات القديمة إلى جانب الخطاب الجديد. وهكذا تصبح المقارنة ممكنة فوراً: من كان إرهابياً بالأمس؟ متى أصبح حليفاً؟ ومن وصفه كذلك؟ ولماذا اختفى الوصف عندما تغير موقعه في الصراع؟

لهذا لا أعتقد أن الخطر الأكبر على الهيمنة الغربية يأتي فقط من صعود روسيا أو الصين أو من الحديث المتكرر عن عالم متعدد الأقطاب. الخطر الأكثر عمقاً يأتي من تآكل القدرة على إقناع العالم بأن المصلحة الخاصة هي ذاتها المبدأ الكوني.

عندما يصبح النفاق مرئياً لا يعود النفاق مجرد مشكلة أخلاقية؛ يتحول إلى مشكلة في إنتاج الهيمنة نفسها.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية: النظام الذي حاول تجاوز السيادة باسم القيم الكونية يجد نفسه اليوم في عالم تعود فيه الدول إلى التشبث بالسيادة؛ والنظام الذي أعلن بعد الحرب الباردة انتصار نموذجه بصورة شبه نهائية يواجه عالماً أكثر انقساماً؛ والنظام الذي امتلك قوة هائلة لصناعة الأعداء والحلفاء يكتشف تدريجياً أن قدرته على إعادة تدويرهم ليست بلا نهاية.

قد تنجح هذه السياسة مرة أخرى. وربما تحقق انتصاراً تكتيكياً جديداً. لكن التاريخ لا يمنح أحداً رصيداً غير محدود من المصداقية. وفي اللحظة التي يصبح فيها الجمهور قادراً على رؤية عملية إعادة تدوير العدو وهي تحدث أمامه، لا تعود المشكلة في الشخصية التي جرى تلميعها، بل في النظام الذي لم يعد قادراً على إخفاء حاجته إلى تلميعها.

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top