إعداد : سليمان أحمد
توسيعاً لدائرة النقاش، حول التحولات الجديدة في الرأسمالية المعاصرة، وبناء على اقتراح من الدكتور هشام غصيب، سنحاول عرض وجهة نظر المفكر الماركسي والجغرافي الإنكليزي ديفيد هارفي الذي يعد من أبرز المفكرين الماركسيين المعاصرين الذين يواكبون كل ما هو جديد في التطور الرأسمالي .
ومن خلال كتبه السابقة وأبرزها ( الامبريالية الجديدة ) و( فضاءات الرأسمالية ) ومقالاته ومقابلاته الصحفية والتلفزيونية توقف بالتحليل الماركسي عند مسائل هامة ( هيمنة رأس المال المالي، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، المنصات الرقمية، الأزمة البيئية ) .
ولكن ما يؤخذ عليه، أنه يمنح اهتماماً كبيراً للجغرافيا والمالية والتراكم عبر نزع الملكية، مقارنة بالتركيز التقليدي على إنتاج فائض القيمة داخل عملية الإنتاج بوصفه الأساس الذي تقوم عليه الرأسمالية عند ماركس .
وكذلك لا يذهب عميقا في مسألة الصراع الطبقي، ومع ذلك تبقى تحليلاته ورصده لما يجري داخل الرأسمالية من أهم الدراسات الماركسية في هذا الشأن .
ولعلنا في هذه الإحاطة سنتوقف عند آخر كتاب صدر له، بعنوان قصة الرأسمال ( The Story of Capital )، الذي صدر في شهر شباط من عام ٢٠٢٦ ولم أعثر لتاريخه عن ترجمة عربية له .
ومن خلال القراءة في بعض الترجمات الإلكترونية عن الإنكليزية لمحتويات الكتاب، سأركز على تحليل هارفي للثورة التقنية، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي .
التكنولوجيا لا تلغي الرأسمالية بل تعيد إنتاجها ..
يرفض ديفيد هارفي الفكرة الشائعة التي تقول إن الثورة الرقمية أو الذكاء الاصطناعي يمثلان قطيعة تاريخية مع الرأسمالية، أو أن التقدم التقني سيؤدي تلقائياً إلى تجاوزها، ففي رأيه التكنولوجيا ليست قوة مستقلة تعمل خارج المجتمع، بل تتطور داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية وتخضع لمنطقها .
فالرأسمالية لا تتبنى التكنولوجيا لأنها تريد تخفيف العمل عن الإنسان أو تحقيق الرفاه الاجتماعي، وإنما لأنها تبحث عن رفع إنتاجية العمل وتخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة معدل الربح وتعزيز القدرة التنافسية وإحكام السيطرة على عملية الإنتاج والعمال .
وبذلك تصبح التكنولوجيا وسيلة لتوسيع عملية التراكم، لا لإلغائها .
التناقض الذي تخلقه التكنولوجيا ..
يرى هارفي أن كل طفرة تقنية تحمل تناقضاً داخلياً، فمن جهة تسمح بإنتاج كمية أكبر من السلع بعمال أقل، ومن جهة أخرى تقلل عدد العمال المنتجين لفائض القيمة، وهو ما يضعف المصدر الأساسي للأرباح وفق نظرية ماركس .
فإذا استبدل ملايين العمال بالروبوتات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، فإن الشركات قد تخفض تكاليفها الفردية، لكنها في الوقت نفسه تقلل دخول العمال وتضعف القدرة الشرائية للمجتمع وتجعل تصريف السلع أكثر صعوبة وتزيد احتمالات أزمات فائض الإنتاج وفائض التراكم .
إذن .. التكنولوجيا لا تلغي تناقضات الرأسمالية، بل قد تعمقها .
التكنولوجيا أداة في الصراع التنافسي ..
يشير هارفي إلى أن الرأسمالي لا يستطيع تجاهل التكنولوجيا، لأن المنافسين الذين يعتمدون تقنيات أحدث يحققون إنتاجية أعلى وتكاليف أقل، لذلك تصبح الشركات مجبرة على الاستثمار المستمر في الابتكار، ليس لأن ذلك يحقق مصلحة المجتمع، بل لأن المنافسة الرأسمالية تفرضه .
وهكذا تتحول التكنولوجيا إلى سلاح في المنافسة بين رؤوس الأموال، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى احتكار الأسواق وتركز رأس المال وخروج الشركات الصغيرة وزيادة قوة الشركات العملاقة .
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ..
يرى هارفي أن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي لا يغيران القانون الأساسي للرأسمالية، فحتى الشركات الرقمية العملاقة مثل شركات المنصات ومحركات البحث والحوسبة السحابية تعمل وفق المنطق نفسه ( تعظيم الأرباح، احتكار الأسواق، جمع البيانات وتحويلها إلى مصدر للربح، توسيع السيطرة على العمل والاستهلاك )
أي أن التكنولوجيا تغير شكل الرأسمالية، لكنها لا تغير جوهرها .
نقد الحتمية التكنولوجية ..
ينتقد هارفي الاتجاه الذي يعتقد أن التطور التقني سيقود تلقائياً إلى مجتمع ما بعد الرأسمالية، فالتكنولوجيا في نظره، لا تحدد وحدها شكل المجتمع، بل إن علاقات الملكية والسلطة هي التي تحدد كيف تستخدم التكنولوجيا ولصالح من، ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح وسيلة لتقليل ساعات العمل وتحسين حياة البشر إذا خضع لملكية اجتماعية وتخطيط ديمقراطي، أو وسيلة لزيادة البطالة وتشديد الرقابة وتعظيم الأرباح إذا بقي خاضعاً للرأسمال .
التأكيد على ماركس ..
يؤكد هارفي على ماركس في أن تطور قوى الإنتاج لا يؤدي تلقائياً إلى سقوط الرأسمالية، فالآلات والابتكارات العلمية توسع إمكانات الإنتاج، لكنها تبقى ما دامت مملوكة لرأس المال، أدوات لتعظيم فائض القيمة .
لذلك فإن التناقض ليس بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين قوى الإنتاج المتطورة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية التي تقيد استخدامها لخدمة المجتمع، بينما تبقى علاقات الإنتاج الرأسمالية هي الإطار الحاكم .
