إياد علي
حين سقط النظام البائد، اندفع الكثير من السوريين إلى الشوارع، لا احتفالاً بزوال سلطة فحسب، بل ابتهاجاً بدفن مرحلة كاملة من الفساد والقهر والإفقار. وبلغ التفاؤل حد السذاجة أحياناً، حين صدّق كثيرون أن البلاد على أعتاب زمن جديد يكون فيه الإنسان السوري محور أي قرار. وقد غذّى هذا الوهم فيض من خطابات رموز السلطة عن الإصلاح والتنمية وإعادة البناء.
لكن الأشهر التي تلت كشفت الحقيقة جلياً: لا تحسّن، لا تغيير، بل استمرار لواقع سابق بوجوه جديدة.
تبدّل السؤال لدى الجماهير من “متى يتحسن حالنا؟” إلى “هل كنا نُخدع منذ البداية؟”. الوعود لم تكن سوى غطاء لسلطة لا تقل فساداً عن سابقتها، وتزيد عليها عمالةً وارتهاناً.
بعد قرابة عامين على وصول هذه السلطة الظلامية العميلة إلى الحكم، يكفي النظر إلى واقع التعليم والصحة والقضاء لفضح حقيقتها. فهذه ليست قطاعات خدمية عابرة، بل معيار حقيقي يميّز السلطة الوطنية عن السلطة الأداة، المنفذة لأجندات لا علاقة لها بمصلحة السوري.
لم يكن استهداف المدارس والمشافي خلال الحرب عشوائياً، ولا كان اغتيال الأطباء وتهجير الأساتذة والقضاة صدفة. من يعرف قيمة هذه القطاعات يدرك أن اغتيال العقول أخطر من هدم الحجر، فبناء الإنسان يستغرق أجيالاً بينما يُدمَّر في لحظة. وقد ورثت السلطة الحالية منظومة منهارة أصلاً، فماذا فعلت؟ لا شيء يُذكر سوى إدارة الانهيار بذات عقلية الفساد القديمة.
تشير الإحصاءات إلى أن نحو 2.45 مليون طفل سوري خارج مقاعد الدراسة، وآلاف المدارس متوقفة أو مدمّرة. هذه الأرقام لا تصف أزمة تعليمية عابرة، بل توثّق جريمة بحق مستقبل بلد بأكمله، وهذا بالضبط ما يريده أعداء سورية: جيل بلا معرفة، بلا وعي، سهل الانقياد.
أما الصحة، فحدّث ولا حرج: مشافٍ عامة فارغة من الكوادر والدواء، وقطاع خاص يفترس جيوب الناس. لم يعد السؤال “أين أتعالج؟” بل “هل أملك ثمن أن أعيش؟”. وكل تراجع في القطاع العام هو مساحة جديدة يستثمر فيها تجار الحاجة والحروب، لا بمنطق المنافسة، بل بمنطق الاتجار بحياة الفقراء.
وفي القضاء، تكفي صورة واحدة لفضح الحقيقة: القصر العدلي في الحسكة ما يزال مغلقاً منذ سقوط النظام. غياب العدالة ليس عطلاً إدارياً، بل قرار ضمني بترك الناس فريسة للفوضى والثأر والانتقام والجريمة المنظمة. فحين يغيب القانون، يحكم الأقوى، وتُدار المناطق بمنطق الغاب لا بمنطق الدولة.
وما نشهده من انفلات أمني، ونزاعات على أساس طائفي وقومي ومذهبي، ليس نتيجة عفوية، بل أداة ممنهجة لتفكيك المجتمع، تخدم أولاً وأخيراً من يريد سورية ممزقة، ضعيفة، سهلة الابتلاع.
جوهر الأزمة في سورية اليوم ليس نقص الموارد أو سوء الإدارة كما يدعي البعض . بل وجود سلطة رجعية عميلة، منشغلة بنهب ما تبقى من مقدّرات الوطن، وبإشغال الناس بصراعات جانبية بدل مواجهتها بمطالبها الحقيقية.
هذا المشهد ليس جديداً، بل سيناريو مكرر رأيناه في أكثر من بلد. في العراق وفي أفغانستان
كان النمط نفسه : تفكيك المؤسسات، وتغذية الانقسامات، وفرض سلطات هشة تابعة، ثم ترك المجتمع يدفع الثمن. والتجارب واضحة لمن أراد أن يعتبر.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً، وكانوا يحلمون ببداية حقيقية، لا بإعادة تدوير للاستبداد بوجه مختلف. فالدولة لا تُقاس بالتصريحات، بل بعدد الأطفال في المدارس، والمرضى الذين يُعالَجون بكرامة، والمواطنين الذين ينالون حقهم دون خوف أو واسطة.
أي سلطة تُبنى سياساتها بعيداً عن إرادة شعبها، وتُصاغ وفق أجندات أعدائه، ليست سوى أداة عمالة، مهما أكثرت من الشعارات والخطابات المنمّقة. والشعوب لا تُهزم حين تختلف، بل حين تنشغل بالانقسامات وتنسى أن وحدتها حول حقوقها هي وحدها القوة القادرة على فرض التغيير الحقيقي بما يخدم مصالحها وآمالها.
