ماجدة الظاهري – تونس
تعيش ولاية تطاوين من 16 إلى 19 ماي 2026 على وقع الدورة الثانية من تظاهرة “جمّار” للفنون، وهي تجربة ثقافية تراهن على إعادة تعريف العلاقة بين الفنّ والفضاء العام، وبين الإبداع والحياة اليومية، في حدث يطمح إلى تجاوز الشكل الاحتفالي التقليدي نحو مشروع ثقافي وفكري متكامل.
وتنظم هذه التظاهرة جمعية مدى للمسرح بتطاوين، بمشاركة ثلة من الفنانين والمسرحيين والشعراء والمفكرين، ضمن برنامج متنوع يجمع بين الموسيقى والمسرح والسينما والشعر والورشات التكوينية والندوات الفكرية.
واختارت “جمّار” أن تفتتح فعالياتها بعرض ضوئي بتقنية الـ “Mapping” مساء السبت 16 ماي بالمركب الثقافي بتطاوين، في تجربة بصرية تمزج بين التراث والضوء والموسيقى والفن المعاصر، في محاولة لتحويل الفضاء الثقافي إلى لوحة حيّة تستحضر روح المكان وذاكرته.
وترفع التظاهرة شعار الفن باعتباره تجربة تُعاش لا مجرد عرض يُستهلك، حيث تتحول المدينة طوال أربعة أيام إلى ورشة مفتوحة للحلم والتفاعل الإنساني، وتمتزج الفنون داخل فضاءات المدينة وشوارعها ومقاهيها وحتى قصورها الصحراوية، في سعي لجعل الثقافة ممارسة يومية نابضة بالحياة.
وفي تصريح إعلامي، أكد مدير التظاهرة منير هلال أن الدورة الثانية من “جمّار” تأتي برؤية فنية مغايرة، تهدف إلى خلق فضاء حيوي للتلاقي والحوار الجاد، بعيداً عن المظاهر الاحتفالية السطحية، مشيراً إلى أن المهرجان يراهن على النوعية والالتزام وبناء تجربة ثقافية عميقة تستقطب جمهوراً متنوعاً.
وقد حظيت التظاهرة بمتابعة إعلامية لافتة، حيث واكبت فعالياتها التلفزة التونسية، إلى جانب الإذاعة الثقافية وإذاعة أمل وإذاعة تطاوين، فضلاً عن حضور عدد من المنصات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي التي نقلت تفاصيل العروض والورشات واللقاءات الفكرية، بما ساهم في التعريف بالمهرجان وإبراز الحركية الثقافية التي تعيشها الجهة.
ويتضمن البرنامج سلسلة من الفعاليات الفكرية والفنية، من أبرزها الندوة الفكرية “النقد الفني، أية هوية؟” التي احتضنها فضاء “أثير”، وأدارها الشاعر ناصر الرديسي، بمشاركة أسماء ثقافية وفكرية بارزة من بينها الدكتورة فوزية ضيف الله، والمخرج المسرحي علي اليحياوي، والباحث منصور بوليفة، والدكتور أحمد بن زايد، والشاعرة هدى الدغاري، والصحفية نزهة بن محمد، والمبدع أنيس الغربي، والممثل والمخرج صالح الجدي، والشاعر جليدي العويني، والشاعر والمترجم آدم فتحي وواكبت هذه الجلسة الصحفية المتميزة سماح قصدالله عبر بثها المباشر لهذه الجلسة ولكل فعاليات التظاهرة عبر أمواج الإذاعة الثقافية
وقد شهدت الندوة نقاشات معمقة حول أسئلة النقد الفني وتحولاته وعلاقته بالسياقات الثقافية والاجتماعية، إضافة إلى دور المثقف والفنان في الدفاع عن الجمال والحرية وترسيخ الفكر النقدي.
كما خصصت “جمّار” حيزاً مهماً للتكوين الفني عبر ورشات متنوعة، من بينها ورشة “كتابة الفيلم الوثائقي” بإشراف عبد العزيز بوشمال، وورشة “التعبير الصوتي الجسدي” بتأطير عادل بوعلاق، إلى جانب ورشة الفنون التشكيلية بإشراف الفنان الكبير علي البطروني، وورشة النحت على الحجر التي أطرها الفنان التشكيلي صابر الكويري، في توجه يعكس رغبة المنظمين في جعل التظاهرة فضاءً للإنتاج والتعلم والتفاعل، لا مجرد منصة للعرض.
وفي بعده الاجتماعي والإنساني، شهد المهرجان مشاركة فاعلة لمنظوري مركز الدفاع والإدماج الاجتماعي بتطاوين، في إطار شراكة تهدف إلى توظيف الفن في تهذيب السلوك والوقاية من السلوكات المحفوفة بالمخاطر والوقاية من تعاطي المواد السمية. وقد شارك الأطفال والشباب في ورشتي الصوت والنحت على الحجر على امتداد أربعة أيام، في تجربة فتحت أمامهم فضاءات جديدة للتعبير والإبداع.
وتُوجت هذه المشاركة بعرض ممسرح قدمه المشاركون في ورشة الصوت أمام عدد من الأسماء الثقافية والفنية، من بينهم الممثل القدير صالح الجدي، والمخرجة السينمائية سلمى بكار، والشاعر آدم فتحي، إلى جانب ثلة من الشعراء والفنانين التشكيليين ومؤطري الورشات.
وقد لامس العرض الحضور بصدقه وعفويته، ونال إعجاب الجمهور، لما حمله من طاقة إنسانية ورسائل أمل وقدرة على التجاوز والإبداع، في تجربة ساهمت في تعزيز ثقة المشاركين بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم وتنمية روحهم الإبداعية. كما مثّلت هذه المشاركة فرصة لإبراز دور الثقافة والفنون في الإدماج الاجتماعي وبناء الأمل لدى الأطفال والشباب.
وقد احتضن فضاء “نسامو سامو” هذا العرض الفني والإنساني، حيث تحوّل المكان إلى مساحة دافئة للتلاقي والإبداع والحوار. كما لقي الزائرون والمشاركون حسن استقبال وترحاباً كبيراً من صاحب الفضاء الفنان سعد المهجرس، الذي ساهم بروحه المنفتحة ودعمه للفعل الثقافي في إنجاح هذه المحطة من تظاهرة “جمّار”، مؤكداً أهمية المبادرات الثقافية المستقلة في احتضان الفن وتشجيع الطاقات الشابة والمبدعة.
ويحضر الشعر بدوره بقوة ضمن هذه الدورة، من خلال أمسيتين شعريتين تنوعتا بين شعر العامية وشعر الفصحى، بما يعكس ثراء التجربة الشعرية التونسية وتعدد أصواتها وأساليبها التعبيرية.
فقد خُصصت الأمسية الشعرية الأولى لشعر العامية التونسية، وشارك فيها كل من الجليدي العويني، والناصر الرديسي، وياسين الرواتبي، في لقاء احتفى بالكلمة الشعبية وبتجارب شعرية تستمد لغتها من نبض الحياة اليومية والذاكرة الجماعية.
أما الأمسية الشعرية الثانية، فقد جاءت مخصصة لشعر الفصحى، بمشاركة هدى الدغاري، وماجدة الظاهري، ودنياالزرلي، وياسين الرواتبي حيث تنوعت النصوص بين التأمل الوجداني والأسئلة الإنسانية والرؤى الجمالية الحديثة.
كما شهدت التظاهرة لقاءً مفتوحاً وسهرة شعرية كبرى مع الشاعر والمترجم آدم فتحي، الذي مثّل حضوره أحد أبرز المحطات الأدبية في هذه الدورة.
كما احتفى البرنامج بالسينما عبر مجموعة من العروض التي جمعت بين البعد الفني والتوثيقي، من بينها عرض الشريط الوثائقي للمخرج والممثل صالح الجدي “قيد ع الساسي”، الذي قدّم ، في تجربة سينمائية وثائقيةلاقت تفاعلاً من جمهور التظاهرة. كما شهدت الدورة عرض شريط “النافورة” للمخرجة سلمى بكار
وقد حرصت لجنة المهرجان على تنظيم لقاء تفاعلي اثر عرض كل شريط
فكان اللقاء بالمخرجة سلمى بكار حول تجربتها السينمائية وحول شريط النافورة بفضاء أثير الذي انتظم فيه ايضا لقاء حميميا مع الشاعر آدم فتحي حول تجربته الإبداعية أما نقاش الشريط الوثائقي فكان بفضاء المركب الثقافي، فضلاً عن سهرة موسيقية للفنانة لبنى نعمان، ضمن برنامج راهن على تنوع الأشكال التعبيرية وتقاطعاتها الجمالية.
وتؤكد “جمّار” في دورتها الثانية أن الثقافة ليست ترفاً، بل طاقة قادرة على تحريك الواقع الاجتماعي والاقتصادي، عبر فتح المجال أمام الحرفيين والمبدعين والشباب وأصحاب المبادرات، وبناء جسور جديدة بين الفن والحياة.
ويقف وراء هذه التظاهرة فريق عمل آمن بقدرة الثقافة على صناعة الأمل وإحياء الفضاءات المشتركة، حيث يشرف منير هلال على إدارة التظاهرة، فيما يتولى أنيس الغربي الناطق الرسمي باسم “جمّار”، ادارتها الفنيةويشرف محمد صعنون على الإدارة التنفيذية للبرنامج، بينما يتكفل عبد القادر العبيدي بالتنسيق العام، ويتولى عبد الله الشبلي الإدارة التقنية للتظاهرة.
وقد نجح هذا الفريق، بفضل روح العمل الجماعي والإيمان بالمشروع الثقافي، في تقديم دورة ثانية متميزة أكدت قدرة الجهات الداخلية على إنتاج تظاهرات نوعية ذات بعد فكري وفني وإنساني. كما تستحق هذه الجهود كل التنويه والتقدير لما بُذل من عمل من أجل إنجاح “جمّار” والعمل على استمراريته وتطويره ليصبح موعداً ثقافياً قاراً ومؤثراً في المشهد الثقافي التونسي.
هكذا تبدو تطاوين، خلال هذه الأيام، مدينة تعيد اكتشاف نفسها بالفن، وتحوّل اللقاء الإنساني إلى أثر جمالي وفكري لا يُنسى، في تجربة تراهن على الاختلاف والحوار والمعنى، وتجعل من الثقافة جسراً نحو أفق أكثر انفتاحاً وعمقاً.
