الباحث والكاتب التونسي عمران مختار حاضري
خروج واسع من مضيق ضيق…!
ليست الهيمنة دائماً علامة قوة، بل كثيراً ما تكون القناع الأكثر فجاجة للعمى السياسي خاصةً في نسختها “الترامبية”… فحين تتضخم الذات إلى حدّ الاعتقاد “بامتلاك مفاتيح التاريخ” ، يصبح القرار الاستراتيجي رهينة نزوة، وتغدو الحروب كما العدوان الثنائي الصhيو امريكي الحالي على إيران امتداداً لنرجسية السلطة لا لحسابات العقل…!
إن نزعة الاستعلاء، حين تتلبّس الفعل السياسي، تُقصي أبسط قواعد التقدير في قراءة الخصم و فهم الجغرافيا، واستيعاب حدود القوة…!
وهنا تحديداً يتسرّب الغباء السياسي، لا بوصفه نقصاً في الذكاء فحسب ، بل كفائضٍ في الثقة الفوقية المجردة … فالثقة حين تنفصل عن الواقع تتحوّل إلى مقامرة، والمقامرة في موازين القوى قد تُلبس الهزيمة ثوب “الانتصار المؤجل” كما يسوق له و يوهم به عبثاً ، ترامب و حليفه الشي-طانياهو…!
غير أنّ ما يُعلن في الحروب ليس دائماً ما يُحرّكها فعلاً…! فخلف الشعارات الكبرى المخادعة ، كثيراً ما تختبئ دوافع أكثر براغماتية وأشدّ ارتباطاً بموازين الاقتصاد العالمي…!
وفي هذا الإطار، لا يبدو أن ملفاً واحداً، كالملف النووي، يمكنه وحده تفسير اندفاعٍ بهذا الحجم نحو العدوان العسكري ، بل إلى ما هو أعمق حيث الدافع الأساس هو السعي للهيمنة على مفاصل التجارة الدولية، وفي القلب منها المضائق الحيوية، حيث يتحوّل مضيق هرمز إلى عقدة استراتيجية تختصر صراع الطاقة والنفوذ…!
ومن هذا المنظور، تغدو الحرب العدوانية على إيران ، محاولة لإعادة تشكيل موازين السيطرة على الموارد ، وفتح مسالك لاحتواء الأزمات الهيكلية الاقتصادية الخانقة و أزمة الانكماش التي يتخبط فيها النظام الإمبريالي الذي بلغ مرحلته الاحتكارية بقيادة الإمبريالية الأمريكية و حالة العجز غير المسبوق في الاقتصاد الأمريكي الذي قارب أربعين ترليون دولار ،،، عبر إعادة توزيع الثروات ومناطق النفوذ…!
كما يتقاطع هذا المسعى مع رغبة أوسع في محاولة إعادة تثبيت “التفوق” ضمن نظام دولي متحوّل، حيث تتقدم قوى منافسة ، كالصين و روسيا لتفرض إيقاعاً جديداً لهكذا منافسة تمهد بخطى بطيئة ، خجولة إلى تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب ، حالت الحسابات البراغماتية و “عقلية الصفقات” دون تحوله إلى “حرب باردة” واضحة المعالم أو صراع واضح و محتدم …!
وفي خضم ذلك، يبرز البعد الإقليمي كامتداد لهذا التصور، و هنا يتجلى المسعى الأمريكي ، من خلال الحفاظ على توازنات عسكرية تُبقي حلفاء عربان محددين في المنطقة بموقع التبعية “الدائمة” و الكيان الصهhوني المجرم بموقع القوة و الهيمنة، بما يسمح بتمرير مشاريع صهhو امبريالية ، جيوسياسية أوسع وإعادة رسم خرائط النفوذ وفق تصورات أيديولوجية واستراتيجية متداخلة…!
في هذا السياق، لا تكون بوادر إنهيار هكذا مشاريع عدوانية فجئياً، بل نتيجة صمود و مقاومة وإلى ذلك ، تراكم من القرارات المتعجلة التي تُبنى على وهم “التفوق المطلق”…!
إذ يتعامل العقل الفاشي ،المتغطرس مع الخصم ككائن مسلوب القدرة و الإرادة ، لا كفاعل قادر على الصبر والمناورة و الصمود و المقاومة ،،، فيغفل عن قدرة الخصم و عن أن الظروف نفسها قد تكون حليفاً للخصم حين يُحسن إدارة إمكاناته و موارده ويُطيل أمد المواجهة باقتدار…!
الغطرسة، بهذا المعنى، ليست مجرد سلوك أخلاقي مذموم، بل خلل بنيوي في التفكير الاستراتيجي…! إنها تعمي عن رؤية بناء القدرات الذاتية و عن الفخاخ التي تُنصب بهدوء، و بالتالي تدفع نحو التصعيد حين يكون التراجع أذكى، وتُغري بالاندفاع العدواني حيث يكون التريث أكثر جدوى…!
ومن هنا، تصبح بوادر “الخروج الواسع” من السيطرة على مضيق هرمز لفائدة إيران الصامدة ، كما استجداء” الهدنة” حتى وإن بدت “ملغومة” ، ليس مجرد انسحاب تكتيكي بحد ذاته ، بل كشفاً لحجم الفجوة بين التصور الفوقي التجريدي والواقع الملموس و العياني ، بين ما أُريد فرضه بالقوة وما فرضه و يفرضه ميزان الصمود والمقاومة و تماسك الجبهة الشعبية الداخلية و إعلاء راية السيادة و الكرامة …!
وهكذا، يتجلّى من الصمود الإيراني بأبعاده الوطنية السيادية و العلمية و وحدة شعوبه بوجه العدوان ، الدرس القديم في صورة جديدة ، حيث عربيا و في علاقة بالنظام التبعي الرسمي ، أن من يتمسك بخيارات التبعية و الريعية الكمبرادورية الرثة ،لن يجني غير مراكمة التخلف و الفشل والإذلال و قهر الشعوب و انتهاك الأوطان…!
أما، صhيو أمريكيا ، فإن من يحاول فرض السيطرة المطلقة و الامعان في الهيمنة و الاستعلاء ، قد ينتهي فاقداً حتى السيطرة على مآلات قراراته…! فالعقل السياسي الموتور ،الذي لا يعترف بحدوده و نسبيته ، سرعان ما تصنع له الوقائع الميدانية و التاريخية ، حدوداً قاسية، تكتب مؤشرات نهاياته بلغة لم يتعلم قراءتها من قبل…!
أما في مستوى الشعوب العربية و النخب الوطنية التحررية الناهضة ، فيطرح أمامها أفق القدرة على التقاط اللحظة و تجاوز العفوية ، صوب النهوض بالفعل السياسي الوطني الديموقراطي الشعبي المنظم في مسارات إنعاش مشروع التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي انتصارا للعقل و التاريخ…!
