حرب إيران 2026 : كيف تنظر الصين إلى الاشتعال الإقليمي؟

الدكتورة ليلى نيقولا من لبنان

تدخل حرب الشرق الأوسط عامها الثالث والأكثر حساسية في 2026، لتتحول من أزمة إقليمية إلى اختبار حقيقي لتوازنات النظام الدولي. وبينما تنخرط الولايات المتحدة في الحرب بكامل قوتها العسكرية والدبلوماسية، يبرز السؤال الأهم: كيف تنظر الصين إلى حرب إيران؟ وهل تمثل هذه الحرب تهديداً لمصالحها أم فرصة استراتيجية تُضاف إلى حسابات الصعود الصيني الهادئ؟

▫️التقسيم الصيني للعالم :

لفهم الموقف الصيني من حرب إيران، لا بد من وضعه ضمن ما يمكن تسميته بـِ “الدوائر الأربع” للأمن والمصلحة في التفكير الاستراتيجي الصيني :

⬅️ الدائرة الأولى: الداخل الصيني

تبقى الأولوية المطلقة للصين الاستقرار الداخلي، النمو الاقتصادي، وحماية شرعية الحزب الشيوعي. أي حرب خارجية تُقرأ أولاً من زاوية أثرها على هذه المعادلة.

⬅️ الدائرة الثانية: الجوار الآسيوي المباشر

تشمل شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي وتايوان. هنا تُركّز الصين مواردها السياسية والعسكرية الأساسية، وتعتبر أي تشتيت أميركي خارج هذه الدائرة مكسباً غير مباشر.

⬅️ الدائرة الثالثة: الامتداد الغربي الأوراسي

تمتد هذه الدائرة عبر آسيا الوسطى، وإيران، وصولاً إلى الشرق الأوسط، وهي الفضاء الطبيعي لمبادرة الحزام والطريق. إيران، من هذا المنظور، ليست حليفاً أيديولوجياً، بل عقدة جغرافية- طاقوية مهمة.

⬅️ الدائرة الرابعة: النظام الدولي الأوسع

حيث تُدار المنافسة مع الولايات المتحدة على شكل قواعد النفوذ، لا عبر المواجهة المباشرة. الشرق الأوسط يقع هنا كمنطقة استنزاف محتملة للخصم الأميركي، لا كجبهة قيادة صينية.

في هذا السياق، لا ترى الصين في حرب إيران تهديداً مباشراً، بل تنظر إليها من زاوية براغماتية صِرف، بعيداً من منطق الاصطفاف أو التدخل المباشر. لا تتعامل الصين مع الحرب بوصفها معركة قيم أو تحالفات أيديولوجية، بل كحدث جيوسياسي يؤثر في ثلاثة ملفات حيوية لها: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوازن القوى مع الولايات المتحدة.

▫️النظرة الصينية إلى حرب الشرق الأوسط

مع إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجيته “التحوّل نحو آسيا” (2011- 2012) والتي ورثتها الإدارات اللاحقة وصعّدتها، ردّت الصين بإطلاق استراتيجية موازية يمكن تسميتها بـِ “الزحف غرباً”، مستلهمة عقيدة ماو تسي تونغ العسكرية الشهيرة: “حيث يتقدم العدو، نتراجع. وحيث ينسحب، نتقدم”.

بناءً على ذلك، تلعب الصين لعبة مزدوجة في الشرق الأوسط، وفق سيناريوهين :

❗أولاً : سيناريو الانسحاب الأميركي

إذا قررت الولايات المتحدة تقليص وجودها في المنطقة، وتحويل انخراطها إلى مناطق أخرى، تكون الصين مستعدة لملء الفراغ الاقتصادي والدبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع دول الشرق الأوسط، ومن صورتها كشريك “غير تدخلي”. هذا ما حاولت فعله حين رعت مبادرات دبلوماسية للحوار في المنطقة، والتي أدّت إلى “اتفاق بكين” بين المملكة العربية السعودية وإيران، بعد سنوات من القطيعة والاشتباك غير المباشر في الإقليم.

❗ثانياً: سيناريو الانخراط الأميركي

كلما انخرطت واشنطن بعمق أكبر في الشرق الأوسط، فإن الصين ستجد في ذلك فرصة ثمينة للتركيز على شرق آسيا وعلى أمنها الاقليمي. إن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط واستنزاف مواردها فيه، كما حصل خلال الفترة الممتدة من 2023 ولغاية 2026، يخدم النفوذ الصيني في الدوائر الأولى والثانية، ويمنح الصين وقتاً إضافياً لترسيخ مشروع الحزام والطريق، وتقليص قدرة الولايات المتحدة على احتوائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتأخير استراتيجية الاحتواء الأميركية، والتصعيد في بحر الصين الجنوبي.

وعليه، من منظور استراتيجي بحت، فإن السيناريو الأكثر فائدة للصين حالياً هو بقاء الولايات المتحدة منخرطة في الشرق الأوسط، وهو السيناريو المتحقق حالياً في الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران. تخدم حرب إيران الصين أيضاً، كونها تقدم نموذجاً حياً لحلفاء الولايات المتحدة من جيران الصين عما يمكن أن تكون عليه نتائج التصعيد الأميركي في شرق آسيا، وكيف سيصبحون ضحيته كما حصل مع الدول العربية الخليجية.

واقعياً، تمتلك الصين القدرة على زيادة نفوذها في الشرق الأوسط، لكنها تفتقر -حتى الآن- إلى الإرادة السياسية لتحمل أعباء الزعامة الأمنية أو منافسة الولايات المتحدة على هيمنة عسكرية مكلفة ومعقدة. وهكذا، وفي حرب إيران 2026 بالتحديد، لا تقف الصين على خط النار، بل على خط الحسابات الدقيقة، والكسب الطويل الأمد. الصين تراقب، تقيّم، وتستثمر الوقت، مدركةً أن الصراع الحقيقي لا يُحسم في طهران أو الخليج، بل في موازين القوة العالمية التي تُعاد صياغتها بهدوء، وبصبر صيني طويل .

اترك تعليقاً

Scroll to Top