أجرى الحوار سليمان أحمد
ضيف أورورا اليوم فيلسوف لم يكن يثق كثيراً بالفلاسفة ولا بالملوك ولا بالأثرياء ولا حتى بما يسميه الناس الحياة الطبيعية .. إنه الفيلسوف ديوجين الكلبي .
سأله الاسكندر مرة عن سبب وقوفه أمام المقبرة الملكية، فأجابه بأنه كان يتأمل عظام الملوك، فما وجد فرقاً بينها وبين عظام العبيد أو حتى عظام كلب ميت، وأن موت كلب لا يختلف عن موت طاغية .
سيد ديوجين .. بعدما كتب الكثير عنك وهناك عشرات الروايات والقصص، كيف تقدم نفسك لقارئ اليوم …؟
ديوجين :
أنا ديوجين .. عشت في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد، وقررت أن أختبر الفلسفة بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنها، تركت المال والجاه والترف، لأنني رأيت أن الإنسان كلما زادت حاجاته أصبح أقل حرية .
سليمان : ما جوهر مشروعك الفلسفي …؟
ديوجين :
أن يعيش الإنسان وفق الطبيعة والعقل، لا وفق رغبات المجتمع المصطنعة ..
أن يكتفي بالضروري ويقاوم الخضوع للمال والمكانة والخوف من الآخرين .
كنت أريد إنساناً يستطيع أن يقول : لا أحتاج إليكم كي أكون حراً .
سليمان :
ارتبط اسمك بالإسكندر المقدوني، ماذا جرى بينكما …؟!
ديوجين :
جاءني الإسكندر يوماً وقال لي : اطلب ما تشاء .
كنت مستلقياً تحت الشمس، فقلت له : تحرك قليلاً، فأنت تحجب عني الشمس .
كان يستطيع أن يمنحني مدينة أو ذهباً أو منصباً، لكنه لم يستطع أن يمنحني شيئاً أحتاجه .
وهنا تكمن المفارقة .. كان الإسكندر يملك العالم تقريباً، لكنه كان يحجب عني الشمس في تلك اللحظة
سليمان : وماذا تعني لك تلك الحكاية اليوم ..؟!
ديوجين :
إن السلطة ليست دليلاً على السعادة، وأن كثرة الملكية لا تعني كثرة الحرية .
قد يملك الإنسان الملايين، لكنه يصبح خائفاً على الملايين، وقد يملك القليل ولا يخاف من فقدانه .
سليمان : وماذا عن فانوسك الشهير الذي كنت تحمله في وضح النهار ..؟
ديوجين :
كنت أقول إنني أبحث عن إنسان .
كان الناس يضحكون، لأن الشوارع مليئة بالبشر .
لكنني كنت أبحث عن إنسان لا يعيش بالكذب والنفاق والعبودية للمظاهر .
لو خرجت اليوم بالمصباح نفسه، لقلت : أبحث عن إنسان لا يقيس قيمته بعدد شركاته أو بحسابه المصرفي أو بمتابعيه على التيك توك ( ممازحاً ) .
سليمان : وقيل إنك عشت في وعاء كبير، أو ما يعرف شعبياً بالبرميل، لماذا ….؟
ديوجين :
لأنني أردت أن أجعل حياتي برهاناً على فلسفتي، إذا كان الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل، فلماذا يقضي حياته كلها في جمع المزيد …؟
المشكلة ليست في البيت الكبير، بل حين يصبح البيت الكبير هو الذي يملك صاحبه .
سليمان : إذاً .. كنت تبتعد عن الأشياء غير الضرورية حتى تحافظ على حريتك، ويروى عنك أنك حين رأيت ولداً يشرب الماء بكفيه، فرميت طاسة الماء إحدى مقتنياتك القليلة أصلاً وقلت أنك قد تحررت منها .
ضحك ديوجين وقال : نعم تماماً .. وفي مرة حاولت فرك بطني لعلي أشبع دون أن أحتاج طعاماً، كما يشبع الانسان رغبته حين يمارس العادة السرية، ولكن الجوع لم يبارحني طبعاً .
سقراط وأفلاطون وأرسطو
سليمان : كيف تنظر إلى سقراط ..؟
ديوجين :
كان معلماً حقيقياً .. لأنه علّم الناس أن يسألوا وأن يعترفوا بجهلهم، وهذا أصعب مما يبدو .
له مآثر عظيمة في تنمية عقل الانسان .
سليمان : وأفلاطون …؟
ديوجين :
عقل عظيم … لكنه أحب العالم المثالي والمثل أكثر مما أحب الشارع .
أفلاطون كان يبني جمهوريته في الفكر، وأنا كنت أختبر الإنسان في وحل الحياة .
سليمان : وأرسطو …؟
ديوجين :
كان يريد أن يصنف العالم ويفهم قوانينه، وأنا كنت أريد أن أحرر الإنسان من القفص الذي صنعته له قوانين وعادات المجتمع .
ومع ذلك .. لا يحتاج المرء إلى الاتفاق مع الفيلسوف كي يعترف بعظمته .
ديوجين في القرن الحادي والعشرين
سليمان : لو استيقظت اليوم، أي بعد أكثر من ألفي وثلاثمئة عام .. ما أول شيء سيثير دهشتك ..؟
ديوجين :
إن الإنسان وصل إلى القمر، لكنه ما زال يقتل أخاه بسبب قطعة أرض .
وأنكم اخترعتم وسائل اتصال تجعل الإنسان يتحدث مع العالم كله، ثم أصبح كثيرون عاجزين عن الحديث مع أقرب الناس إليهم .
سليمان : أنه النظام السائد حالياً، الرأسمالية ..؟ هل سمعت بها ..؟
ديوجين :
بالطبع .. وغير راض عنها تماماً
سأسأل سؤالاً بسيطاً :
إذا كان النظام ينتج ثروة هائلة، فلماذا يستطيع بعض الناس شراء كل شيء بينما يعجز آخرون عن شراء الضروري ..؟
ولماذا يعمل الإنسان طوال حياته كي يشتري أشياء لا يحتاجها، ويحتاج إلى العمل أكثر كي يدفع ثمنها ..؟
أنتم لم تكتفوا بصناعة السلع، بل صنعتم الحاجة إلى السلع من أجل الربح والجشع .
سليمان : بعد أكثر من ألفي عام .. هل تغير الإنسان ..؟
ديوجين : أدواته تغيرت أكثر منه، كان يطمع بالذهب واليوم يطمع بالأسهم، كان يبحث عن شهرة في ساحة أثينا، واليوم يبحث عنها على الشاشة .
كان يخشى غضب الملك، واليوم قد يخشى خسارة وظيفته أو يخشى خوارزمية تحرمه من وسيلة عيشه .
تغيرت الأشياء، أما نقاط ضعف الإنسان، فما زالت تعرف طريقها إليه .
ماذا عن المستقبل ..؟
سليمان : هل أنت متشائم من مستقبل البشرية ..؟
ديوجين :
لا أحب التشاؤم ولا التفاؤل، كلاهما قد يصبح ذريعة للكسل .
المستقبل يتوقف على ما تفعله البشرية الآن، إذا استمرت في تحويل كل شيء إلى سلعة وكل خلاف إلى صراع وكل قوة إلى هيمنة، فستصبح أكثر ثراءً وأكثر خطراً في الوقت نفسه .
أما إذا تعلمت الاكتفاء والعدالة وضبط القوة فقد تصبح التكنولوجيا أداة للتحرر بدلاً من أن تكون أداة جديدة للسيطرة .
سليمان : وفي الختام يا أصدقائي ومتابعي أورورا
كان ذلك ديوجين الكلبي، الفيلسوف الذي عاش فقيراً بإرادته، وهاجم الوهم الاجتماعي بسخرية لا تزال حاضرة بعد أكثر من ألفي عام
