حين يبقى الفن نافذة مفتوحة على الحياة!

الدكتور عبد العزيز حسين

بين الحسكة ودمشق وباريس وبوردو، امتدت رحلة الفنان عبد العزيز حسين بين طب الأسنان والفن وبين ضرورات الحياة ونداء الشغف الأول، طبيب أسنان بنى مهنته بالصبر والمثابرة وفنان ظل يحمل في داخله ذلك الطفل الذي لم يكف عن الرسم مهما ابتعدت به الحياة عن الألوان واللوحات .

ولد عبد العزيز حسين في الحسكة عام 1970 في حي العزيزية الفقير والمتنوع، وسط عائلة كبيرة وبيت صغير وفي بيئة كان التعليم فيها حلماً بالخلاص من ضيق الحياة وطريقاً نحو مستقبل أفضل .

اختار طب الأسنان لكنه لم يتخل عن الرسم الذي أتقنه منذ طفولته، فالتحق بدورات مسائية في معهد أدهم إسماعيل للفنون التشكيلية بدمشق، حيث تعمق خصوصاً في الرسم بقلم الرصاص، وهناك سمع من أحد أساتذته عبارة لم تفارقه : ( إن تركت طب الأسنان فليس مشكلة، ولكن إن تركت الفن فهنا المشكلة ) .

بعد التخرج .. افتتح عيادة في إحدى المناطق الريفية، ونجح في عمله رغم الصعوبات، وفي شباط 2001، وصل إلى باريس ومنها انتقل إلى بوردو، وهناك بدأت رحلة جديدة من الكفاح بين محاولة معادلة شهادته الطبية والعودة إلى الفن .

لم تتح له الظروف دخول كلية الفنون الجميلة، لكنه تابع دروساً مسائية وافتتح مرسماً صغيراً واشتغل على البورتريه بتقنيات مختلفة، سواء بناءً على الطلب أو بالرسم المباشر في الأماكن السياحية، وكانت تجربة أعادت وصل ما انقطع بينه وبين شغفه القديم .

لاحقاً عمل في مخبر لصناعة الأسنان وواصل إصراره على معادلة شهادته حتى نجح في ذلك بإيطاليا، بعد أن تعلم اللغة الإيطالية واجتاز امتحانات المعادلة، وعاد إلى فرنسا وعمل طبيب أسنان مساعداً قرب باريس، قبل أن يفتتح عيادته الخاصة في بوردو عام 2011 .

ومع تفاقم الأوضاع في سورية، تحمّل مسؤوليات إضافية تجاه أهله وإخوته، فاستغرق العمل سنوات طويلة من حياته وابتعد عن ممارسة الفن بصورة منتظمة .

غير أن الرسم لم يغادره تماماً، ظل يجد طريقه إلى عيادته، حيث يرسم الوجوه بالقلم الناشف على الورق، كأنما يحاول استعادة شيء من الزمن الذي لم يستطع أن يمنحه للفن .

ولعل ما يستوقفنا في أعماله وخاصة البورتريهات أن الفنان لا يرسم وجوهاً عابرة، بل يستعيد أشخاصاً يشبهون ذاكرتنا الجمعية أشخاصاً ربما التقيناهم في قرانا ومدننا، في البيوت القديمة وفي الأزقة والأسواق، إنه فن يعيد الاعتبار إلى الإنسان العادي .. إلى وجهه وتعبه وكرامته وإلى التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد، لكنها تشكل في النهاية ذاكرة مجتمع بأكمله .

فبعض الوجوه لا تحتاج إلى إطار كي تصبح لوحات، يكفي أن نتأملها قليلاً حتى نرى فيها تاريخاً كاملاً .

في أورورا .. نقترب من تجربة الدكتور عبد العزيز حسين ولوحاته بوصفها تعبيراً عن إنسان لم يتخل عن نافذته الخاصة إلى العالم وظل الفن بالنسبة إليه أكثر من هواية وعلاقة لا تنقطع حتى في أصعب الأحوال

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top