تسرب القيمة وإعادة إنتاج التبعية: الشروط البنيوية للتنمية المستقلة في ظل الإمبريالية المعاصرة

جاك عزيز

يطرح الأستاذ سليمان أحمد سؤالًا مركزياً : هل ما زالت التنمية المستقلة ممكنة في ظل النظام الإمبريالي المعاصر؟ ويبدو هذا السؤال ، في لحظة يتراجع فيها خطاب التنمية المستقلة أو يختزل في صدى لتجارب الخمسينيات والستينيات ، وكأنه سؤال عن الماضي . غير أنه يلامس تناقضاً بنيوياً في الرأسمالية المعاصرة : فالتخلف ليس مجرد تأخر في النمو، ولا نتيجة لسياسات خاطئة قابلة للتصحيح داخل النظام ، بل هو نتيجة لموقع المحيط في التقسيم الدولي للعمل ولآليات تعيد إنتاج هذا الموقع . ومن ثم ، لا يكفي السؤال عن إمكان التنمية المستقلة أو استحالتها ؛ بل ينبغي السؤال عن الآليات التي يعيد بها النظام الإمبريالي إنتاج التبعية ، وعن الشروط التي تسمح بكسرها أو تحد منها ، وعن الدرجة التي يمكن عندها الحديث عن استقلال نسبي فعلي لا شكلي .

التنمية المستقلة ، كما يطرحها سليمان أحمد ، ليست نموذجاً جاهزاً ولا تعريفاً مانعاً جامعاً ، بل أفق سياسي ونظري وسؤال مفتوح عن استقلال اقتصادي وتكنولوجي فعلي لا شكلي . وهي تعني قدرة الدولة والمجتمع على بناء قاعدة إنتاجية مستقلة نسبياً ، وامتلاك حدود معقولة من السيادة الغذائية والطاقوية والتكنولوجية ، وفك علاقات التبعية مع الاحتكارات العالمية دون استبدال تبعية بأخرى . وهي استقلال نسبي لا مطلق ، لا يعني الاكتفاء الذاتي أو الانغلاق ، ولا تكرار تجارب الخمسينيات والستينيات بشروطها وأدواتها ، بل مشروع تاريخي جديد يقر بتغير بنية النظام العالمي وتعقد سلاسل الإنتاج والهيمنة المالية والاحتكارات التكنولوجية والعقوبات الاقتصادية . ويشترط هذا المشروع وعياً بحدود المناورة داخل النظام ، واستفادة من التناقضات بين المراكز الرأسمالية والتكتلات الاقتصادية لصالح بناء القدرات الوطنية ، لا الانخراط في منطق التبعية لمركز بعينه . ويضيف سليمان أحمد شرطاً حاسماً : ألا يتحول المشروع إلى مشروع برجوازي محلي يعيد إنتاج الاستغلال والتبعية بأدوات وطنية ، بل أن تلعب الطبقة العاملة والقوى الشعبية دوراً قائداً في توجيه التحولات . فالتنمية المستقلة ليست مجرد نمو اقتصادي أو تصنيع أو رفع نسبة الاستثمار، بل مشروع تحرر اقتصادي واجتماعي يغير موقع البلد في التقسيم الدولي للعمل ، ويوسع سيطرته على شروط إعادة إنتاجه الاجتماعي ، ويقوم على تحالف اجتماعي وسياسي يمنع اختطاف المشروع الوطني لصالح طبقة محلية وسيطة . أما الأولويات القطاعية ونسب السيادة والآليات المؤسسية ودرجة التكامل الإقليمي ، فتبقى أسئلة نقاشية مفتوحة لا استنتاجات نهائية .

ولا ينبغي أن يبنى تحليل التبعية على نظرية التبادل غير المتكافئ . فقد أظهر الاقتصاد السياسي أن هذه النظرية تختزل القيمة في تعبيرها النقدي في الأثمان والأجور، بينما القيمة في التحليل الماركسي ليست ما يدفع ، بل ما يبذل ، أي الطاقة الاجتماعية الضرورية المستنفدة في الإنتاج . والتبادل في ذاته ، وفق قانون القيمة ، تبادل مكافئ ؛ وما يبدو تفاوتاً في الأثمان أو الأجور ليس خرقاً لقانون القيمة في لحظة البيع ، بل تعبير عن شروط تاريخية واجتماعية غير متكافئة في إعادة إنتاج قوة العمل. والاستغلال لا يولد في لحظة التبادل ، بل في صميم عملية الإنتاج . من هنا ، فإن الآلية الأعمق للتبعية ليست تبادلًا غير متكافئ في السوق ، بل ما يمكن تسميته ، على نحو مقترح ، تسرب القيمة عند تجديد الإنتاج الاجتماعي ، كما طرحه د. محمد عادل زكي . والمقصود بذلك أن القيمة الزائدة المنتجة محلياً لا تستخدم لتجديد الإنتاج الاجتماعي الوطني وتطويره ، بل تستخدم لشراء وسائل الإنتاج والسلع والخدمات من الخارج ، أو تهدر في استيراد ما يمكن إنتاجه محلياً ، أو توجه إلى أنشطة غير منتجة . وبهذا المعنى ، فإن التبعية ليست سرقة قيمة في لحظة البيع ، بل نتيجة بنيوية لفقدان السيطرة على شروط إعادة إنتاج قوة العمل والمجتمع ككل .

وهنا يلزم فصل التعريف عن التفسير فالتبعية يمكن تعريفها ، بشكل مستقل ، بأنها موقع بنيوي في التقسيم الدولي للعمل يتميز بتحكم خارجي فعلي في شروط الوصول إلى وسائل الإنتاج والتكنولوجيا والتمويل والأمن ، وبعجز داخلي عن إعادة إنتاج قوة العمل والمجتمع دون إذن أو وساطة من مراكز النظام . أما تسرب القيمة فهو تدفق قابل للملاحظة لفائض القيمة المنتج محلياً نحو الخارج أو نحو طبقات وسيطة ، عبر قنوات غير منتجة أو غير ضرورية لتجديد الإنتاج الوطني . وبهذين التعريفين المستقلين ، تصبح الأطروحة السببية قابلة للفحص : كلما اتسع تسرب القيمة عند تجديد الإنتاج الاجتماعي ، ازدادت إعادة إنتاج التبعية ؛ وليس التبعية هي تسرب القيمة كما قد يقع في دوران تعريفي . ولتشغيل هذه الأطروحة ، يحتاج التحليل إلى مؤشرات مستقلة ، منها نسبة الفائض الموجه لاستيراد وسائل إنتاج يمكن إنتاجها محلياً ، ودرجة الاعتماد على التكنولوجيا والطاقة والغذاء المستورد ، وطبيعة تكوين رأس المال المحلي ، وملكية البنية التحتية والمنصات الرقمية ، وحجم الإنفاق العسكري الخارجي ، ودرجة تحويل المعادن والمواد الأولية محلياً إلى وسائل إنتاج . وبهذه المؤشرات ، لا تصبح التنمية المستقلة مجرد تعريف مقابل للتبعية ، بل مشروعاً لتحويل وجهة الفائض الاجتماعي .

وفي ظل الإمبريالية المعاصرة ، تتخذ آليات تسرب القيمة أشكالاً أكثر إحكاماً من الصورة الكلاسيكية للتوسع الاستعماري المباشر. ومن أهم هذه الأشكال حلقة الصناعات الحربية . فاستيراد الأسلحة ليس استيراداً لوسائل إنتاج تدخل في دورة تجديد رأس المال الإنتاجي وتعود بقيمة جديدة ، بل هو استيراد لسلعة تستهلك استهلاكاً غير منتج بالمعنى الماركسي ، إذ تختفي كقيمة استخدام بعد استنفاد عمرها التشغيلي دون أن تشارك في تجديد قوة العمل أو في بناء القاعدة الإنتاجية ، وكل ثمن ينفق على استيراد السلاح هو اقتطاع من فائض القيمة المنتج محلياً وتحويله إلى رأسماليي المركز دون أثر إنتاجي يعوض هذا التسرب . وتؤكد بيانات معهد ستوكهولم للسلم الدولي أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ، بينما بلغت واردات الأسلحة التقليدية العالمية 119.5 مليار دولار في العام نفسه ، وهو أعلى مستوى لها منذ نهاية الحرب الباردة . وهذه الأرقام ليست مجرد أرقام عن التبادل ، بل تعبير نقدي عن كتلة هائلة من فائض القيمة المنتج في المحيط وتحويله إلى المركز عبر قناة غير منتجة . والدولة التي تستورد أسلحة بقيمة مليارات الدولارات إنما تصدر فائض قيمة منتجاً بعملها الاجتماعي لتستورد سلعة لا تشارك في تجديد قوة العمل ولا في بناء القاعدة الإنتاجية ، بل تستهلك في وظيفة الأمن التي يفرضها النظام الإمبريالي نفسه كشرط للبقاء داخل مداره . وهنا يظهر تناقض بنيوي أعمق : الأمن الذي يفترض أن الاستيراد العسكري يؤمنه لتجديد الإنتاج الاجتماعي هو أمن مشروط ومشتق ، لأن الدولة المستوردة لا تمتلك وسائل الإنتاج العسكرية ولا التكنولوجيا التي تتيح لها استقلالية القرار في استخدامها . فتتحول تبعيتها العسكرية إلى آلية إضافية لإعادة إنتاج تبعيتها الاقتصادية . وهذا هو جوهر ما يمكن تسميته تسرب القيمة الأمني : الدولة تضطر إلى تخصيص جزء متزايد من فائضها لشراء الأمن من القوة نفسها التي تهدد أمنها البنيوي ، فتجد نفسها في حلقة يمول فيها التابع آلة الردع التي تبقيه تابعاً . ولا يقتصر هذا التناقض على المحيط ، فالنظرية الماركسية للاقتصاد التسليحي الدائم ، كما صاغها كيدرون وباران وسويزي ، تفسر استخدام الإنفاق العسكري في المركز كآلية لامتصاص الفائض ومنع أزمة الفائض المتراكم في الرأسمالية الاحتكارية ؛ لكن هذا الامتصاص يحدث في المركز، بينما تدفع أطراف المحيط ثمنه عبر تسرب قيمة مزدوج : تسرب مباشر عبر شراء السلاح ، وتسرب غير مباشر عبر حرمان اقتصادها الوطني من الفائض الذي كان يمكن استثماره في تجديد الإنتاج الاجتماعي .

وإلى جانب الحلقة العسكرية ، تبرز حلقة ثانية لا تقل أهمية : التنافس بين المراكز والتكتلات الاقتصادية العالمية على الطاقة والطاقة البديلة وطرق العبور البحرية والمضائق . وهذا التنافس لا يجري على الموارد بمعناها الطبيعي ، بل على شروط السيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي العالمي . فالسيطرة على الممرات البحرية ليست مجرد سيطرة على طرق نقل النفط ، بل هي سيطرة على لحظة حاسمة من لحظات تجديد الإنتاج الاجتماعي في الاقتصادات التابعة . فحوالي 70% من الطلب العالمي على النفط ينقل عبر ممرات بحرية استراتيجية مثل مضيق ملقا ومضيق هرمز، وقد بلغت كمية النفط المنقولة عبر مضيق ملقا وحده 23.2 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، أي ما يعادل 22% من الطلب العالمي و29% من التجارة البحرية للنفط . وهذا يعني أن أي اضطراب في هذه الممرات لا يرفع فقط كلفة الاستيراد على الدول التابعة ، بل يهدد استمرارية تجديد إنتاجها الاجتماعي ذاته ، لأن الغذاء والطاقة ووسائل الإنتاج كلها تمر عبر نقاط محدودة تخضع لسيطرة القوى البحرية للمراكز أو للفواعل المتحالفة معها أو المتصارعة عليها . والتنافس على الطاقة البديلة لم يلغ هذه الآلية ، بل أعاد إنتاجها بصورة جديدة . فالمعادن الحرجة اللازمة لتكنولوجيا الطاقة المتجددة أصبحت هي نفسها ساحة للتنافس الإمبريالي . وتسيطر الصين على نحو 92% من القدرة العالمية على معالجة المعادن الأرضية النادرة ، وقد استخدمت قيود التصدير كسلاح استراتيجي في مواجهة الولايات المتحدة ، التي ردت بتشكيل تحالفات لتأمين سلاسل الإمداد . وهذا التنافس يفتح أمام الدول التابعة إمكانية المناورة ، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه خطر التحول إلى مجرد حلقة في سلسلة إمداد هذا المركز أو ذاك . فالدولة التي تتحول إلى مورد معادن حرجة لواشنطن أو بكين لا تكسر تبعيتها ، بل تستبدل تابعاً بتابع ، لأنها تظل محرومة من القدرة على تحويل هذه المعادن محلياً إلى وسائل إنتاج وتكنولوجيا تجدد إنتاجها الاجتماعي . وهنا تبرز إمكانية استغلال التناقضات بين المراكز بوصفها لحظة تكتيكية ضرورية ، لكنها ليست استراتيجية تحرر . فالاستفادة من التنافس الصيني-الأميركي على المعادن الحرجة ، أو من حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة ، يمكن أن تمنح دولة نامية هامشاً أوسع للتفاوض أو للحصول على شروط أفضل في اتفاقيات الاستثمار والتكنولوجيا ؛ لكن هذا الهامش يبقى محكوماً ببنية التبعية ما لم يُستثمر في بناء القدرة على السيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي .

ويظل هذا التحليل ناقصاً إذا لم يستوعب التحول البنيوي الأعمق في الرأسمالية المعاصرة ، ألا وهو الرأسمالية الرقمية . فهذه الرأسمالية لا تلغي قانون القيمة ، بل تعيد تشكيله في مشهد تتقاطع فيه البيانات مع المنصات الاحتكارية والمالية . والبيانات في ذاتها ليست قيمة ، بل مادة خام لا تكتسب قيمة إلا عندما يستدعى العمل الحي في الآلات الذكية والخوارزميات . لكن المنصات الاحتكارية تحتكر هذه المادة الخام وتستخرج ريعاً هائلاً من خلال التحكم في الوصول إليها ، لا من خلال إنتاجها بالمعنى الماركسي الدقيق . وهنا يتشكل ما يمكن تسميته تسرب القيمة الرقمي : الدول التابعة توفر البيانات والعمالة الرقمية والأسواق ، بينما تتمركز البنية التحتية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي في المراكز، وتعاد القيمة المستخرجة إلى المركز عبر الريع والخدمات السحابية والمنصات دون أن تشارك في تجديد الإنتاج الاجتماعي الوطني . وهذا ليس تبادلاً غير متكافئ كما تصورته نظريات القرن العشرين ، بل تحول في موقع الدولة التابعة من مصدر مواد خام إلى مصدر بيانات ومستهلك للبنية التحتية الرقمية المصنوعة في المركز . والرأسمالية الرقمية لا تعمل فقط عبر الريع ، بل عبر الاستيلاء على البيانات والتسليع الخفي للعمل الرقمي غير المدفوع ، مما يعيد إنتاج التبعية في صميم عملية الإنتاج الاجتماعي لا في لحظة التبادل . ومن هنا يتغير أفق التنمية المستقلة جوهرياً . فلم تعد السيادة تختزل في الغذاء والطاقة والصناعة ، بل أصبحت السيادة الرقمية شرطاً مادياً لتجديد الإنتاج الاجتماعي ، أي القدرة على التحكم في البنية التحتية للبيانات والخوارزميات والمعالجة الحاسوبية وفق احتياجات المجتمع لا وفق منطق المنصات الاحتكارية . والدولة التي تنجح في بناء قاعدة صناعية وزراعية مستقلة ، لكنها تظل تابعة في البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي والمنصات ، هي دولة لم تكسر حلقة التبعية ، بل نقلتها إلى مستوى أعلى من التجريد والخفاء .

وفي ضوء هذه الآليات ، لا يبدو التكامل الإقليمي مجرد خيار سياسي تكتيكي ، بل ضرورة موضوعية تفرضها بنية النظام . فدولة منفردة ، وخاصة إذا كانت صغيرة ، تواجه في محاولتها السيطرة على إعادة إنتاجها الاجتماعي عائقاً هائلاً يتمثل في الاحتكارات التكنولوجية والمالية العالمية التي تفرض باستمرار نقل القيمة من الأجزاء المتخلفة إلى الأجزاء المتقدمة . ولذلك فإن بناء فضاء إقليمي يتيح تجميع الموارد وتنسيق السياسات الإنتاجية والتكنولوجية وتوسيع السوق الداخلية لاستيعاب الإنتاج الوطني يصبح شرطاً مادياً لتمكين أي دولة من كسر حلقة تسرب القيمة . لكن هذا التكامل لكي يكون فاعلًا يجب أن يقوم على أساس تجاوز منطق التبادل غير المتكافئ نفسه ، أي على تنسيق يتجاوز حسابات الأثمان والأجور التنافسية ، ويستند إلى التخطيط المشترك للسيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي على المستوى الإقليمي. وفي ضوء الرأسمالية الرقمية ، يكتسب هذا البعد أهمية إضافية : فبدون تكامل رقمي إقليمي يسمح بتطوير بنية تحتية مشتركة وبيانات سيادية وخوارزميات محلية ، ستبقى الدول الصغيرة في الأطراف عاجزة عن مواجهة الاحتكارات الرقمية العالمية حتى لو حققت اكتفاء غذائياً أو طاقوياً .

وإذا كانت التبعية تعاد إنتاجها من خلال آليات تسرب القيمة التي تعمل على مستوى إعادة الإنتاج الاجتماعي ، فإن أي مشروع تنموي تقوده البرجوازية المحلية سيظل أسيراً لهذه الآليات . فالبرجوازية المحلية بحكم موقعها في بنية الاقتصاد العالمي غالباً ما تجد مصلحتها في الوساطة والاستيراد وتوظيف الفائض في أنشطة غير منتجة ، بدلاً من الاستثمار في تحويل البنية الإنتاجية بشكل جذري . وهذا لا يعني أن كل رأسمالي محلي بالضرورة خائن أو وسيط ، بل يعني أن المصلحة البنيوية للطبقة ، في موقعها التابع ، تميل إلى إعادة إنتاج التبعية بدل كسرها . ومن ثم ، فإن مشروع التنمية المستقلة بمعناه الكامل لا يمكن أن يكون مشروعاً وطنياً بالمعنى الضيق ، بل هو مشروع طبقي في جوهره . ويستلزم دوراً قائداً للطبقة العاملة والقوى الشعبية ، ولقوى اليسار والتنظيمات الاشتراكية والشيوعية ، القادرة وحدها على فرض أولويات تضع السيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي وتلبية الحاجات الجماعية فوق حسابات الربحية والمنافسة في الأسواق العالمية . وبدون هذه القيادة ، فإن التنمية المستقلة تخاطر بأن تتحول إلى مجرد إعادة هيكلة للتبعية ، بحيث يتم استبدال تسرب القيمة نحو المركز بتسربها نحو طبقة محلية تتحول إلى وسيط جديد .

لكن الحديث عن أولوية القوى الاشتراكية والشيوعية يحتاج إلى تفكيك دقيق ، لأن كلمة أولوية قد تفهم كحق مسبق أو وصاية تاريخية ، بينما التحليل الماركسي لا يمنح أي تنظيم أو حزب صكاً مفتوحاً على القيادة بمجرد تسميته . الأولوية ، إن وجدت ، هي أولوية وظيفية وبنائية لا أولوية أخلاقية أو هوياتية : أي أنها تنبع من موقع هذه القوى في الصراع الطبقي ومن برنامجها وقدرتها على التعبئة والتنظيم ، لا من اسمها . السبب البنيوي للأولوية واضح : إذا كانت التبعية تعاد إنتاجها عبر تسرب القيمة عند تجديد الإنتاج الاجتماعي ، وإذا كانت البرجوازية المحلية بحكم موقعها الوسيط تميل إلى الاستيراد والوساطة ، فإن الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الشعبية هي وحدها التي تملك مصلحة بنيوية في تحويل الفائض نحو التجديد الوطني وتلبية الحاجات الجماعية . لكن المصلحة البنيوية لا تتحول تلقائياً إلى قيادة سياسية . فالقوى الاشتراكية والشيوعية لا تصبح قائدة لأنها تمثل الطبقة العاملة نظرياً ، بل لأنها تنجح في بناء روابط عضوية بها ، وفي صياغة برنامج ملموس للسيطرة على الفائض ، وفي إدارة تحالفات واسعة لا تستبدل هيمنة بأخرى . وهنا يلزم التمييز بين القيادة والاحتكار . القيادة بمعنى الهيمنة الثقافية والسياسية داخل جبهة شعبية واسعة ، تقوم على الإقناع والنتائج المادية والمشاركة الديمقراطية ، لا على إقصاء الحلفاء أو احتكار القرار . فالتنمية المستقلة مشروع تحالف اجتماعي وسياسي ، والطبقة العاملة فيها قائدة لكنها ليست منعزلة . وإذا تحولت القيادة إلى وصاية حزبية أو دولية ضيقة ، فإن المشروع يفقد قاعدته الاجتماعية ويتحول إلى إدارة بيروقراطية للتبعية بأدوات وطنية ، وهو الخطر الذي حذر منه الأستاذ سليمان أحمد نفسه . كما أن التاريخ لا يقدم شهادة تلقائية لصالح القوى الشيوعية. فقد قادت هذه القوى حركات تحرر وطني كبرى ، لكن بعض التجارب انتهت إلى بيروقراطية دولة ، أو إلى برجوازية دولة تسيطر على الفائض وتعيد إنتاج التبعية بصيغ جديدة ، أو إلى استبدال تبعية المركز بتبعية مركز آخر . وفي حالات أخرى ، عزلت نفسها عن الطبقة العاملة وعن النقابات والحركات الاجتماعية ، فتحولت إلى أجهزة سلطة بلا قاعدة . ومن ثم ، فإن الأولوية ليست صفة ذاتية ، بل رهينة بممارسة : هل الحزب أو القوة اليسارية قادرة على تنظيم العمال والفلاحين والشباب والنساء ؟ هل لديها برنامج للسيطرة على الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والرقمنة ؟ هل تقبل الرقابة الديمقراطية والتداول ؟ هل تربي كوادرها على النقد الذاتي لا على عبادة القائد ؟ هل تتعامل مع التناقضات بين المراكز بوعي تكتيكي لا بانخراط في منطقها ؟ وفي المنطقة العربية ، حيث تعاني القوى اليسارية من التفتت والضعف التنظيمي وفقدان الثقة الشعبية بعد تجارب سابقة ، فإن الأولوية لا تستعاد بالشعارات ، بل بإعادة بناء حضور مادي في النقابات والجامعات والأحياء والحركات الفلاحية والنسوية والبيئية ، وبربط النضال اليومي بالأجور والغذاء والطاقة والسكن والخدمات الرقمية بمشروع السيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي . أي أن الأولوية تبنى من الأسفل ، لا تمنح من الأعلى .

وهنا يعود السؤال الذي انطلق منه المقال : هل التنمية المستقلة ممكنة في ظل الإمبريالية المعاصرة ؟ والجواب لا يمكن أن يكون ثنائياً ، لأن الثنائية تختزل المشكلة . فالماركسية لا تتعامل مع الإمكان كخاصية مطلقة ، بل كإمكان تاريخي مشروط : ممكن في ظل شروط معينة ، مستحيل في ظل شروط أخرى ، وممكن بدرجات متفاوتة . والتنمية المستقلة ليست حدثاً يقع مرة واحدة ، بل عملية صراع مستمرة تبنى وتهدد وتستعاد . ومن ثم ، فالسؤال الأدق ليس هل هي ممكنة ؟ بل : ممكنة لمن ؟ وبأي درجة ؟ وتحت أي شروط ؟ وبأي ثمن ؟ وما حدودها القصوى في ظل الإمبريالية المعاصرة ؟ هناك أسباب موضوعية تمنع القول بالاستحالة المطلقة . فالنظام الإمبريالي ليس كتلة واحدة ، والتنافس الأميركي-الصيني ، وحاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة ، والصراع على المعادن الحرجة والكابلات البحرية ومعايير الذكاء الاصطناعي ، كلها تخلق فجوات مناورة يمكن لدولة تابعة أن تستغلها . كما أن هناك سوابق تاريخية لا يمكن إنكارها : الصين كسرت حلقة التبعية التكنولوجية في قطاعات واسعة ، وبنت قدرة تصنيعية وسيادة رقمية نسبية ، مع أنها لم تتخلص من تبعية في المعادن الحرجة وأشباه الموصلات المتقدمة ؛ وفيتنام حققت تحولاً إنتاجياً كبيراً مع بقاء تبعية في سلاسل القيمة ؛ وكوبا بنت سيادة في الصحة والتعليم والغذاء جزئياً مع حدود في الطاقة والتكنولوجيا. هذه التجارب تثبت أن الإمكان المشروط حقيقي ، لكنها تثبت أيضاً أن الحدود القصوى للاستقلال النسبي تبقى محكومة ببنية النظام . ويضاف إلى ذلك أن التكامل الإقليمي ، إذا تجاوز منطق التبادل غير المتكافئ ، يمكن أن يجمع الموارد ويوسع السوق ويسمح بتخطيط مشترك ، كما تظهر تجارب مثل ألبا وميركوسور والآسيان بدرجات وحدود متفاوتة . وأخيراً ، فإن الأزمة الإيكولوجية تفرض إعادة هيكلة إنتاجية على كل الدول ، وتفتح نافذة تاريخية : التحول الطاقوي يمكن أن يكون فرصة لبناء قدرات محلية في الطاقة المتجددة والمعادن الحرجة والتصنيع ، أو يمكن أن يعيد إنتاج التبعية بصورة جديدة .

في المقابل ، هناك أسباب موضوعية تفرض الاعتراف بحدود الإمكان . فالاحتكارات في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والتمويل ليست مجرد أسواق تحتكر، بل بنية تحتية للنظام نفسه. فالقدرة على منع الوصول إلى التكنولوجيا ، كما حدث مع الصين في أشباه الموصلات المتقدمة ، أو إلى التمويل عبر العقوبات ونظام الدولار، تعيد إنتاج التبعية بوسائل جديدة . والدولة التي تحاول بناء سيادة تكنولوجية تواجه حصاراً قد يصل إلى حد العقوبات الشاملة ، وهذا لا يجعل الاستقلال مستحيلاً ، لكنه يجعل ثمنه مرتفعاً ومدته طويلة ونتيجته نسبية . كما أن التبعية العسكرية ليست اختياراً حراً ، بل مفروضة ببنية أمنية عالمية من قواعد عسكرية وتحالفات وتجارة سلاح وتهديدات ؛ والدولة التي تحاول فك ارتباطها العسكري تواجه ضغوطًاً قد تصل إلى حد العدوان أو الحصار . وهذا يعني أن تسرب القيمة الأمني ليس مجرد سياسة خاطئة ، بل نتيجة بنية تفرض نفسها على الدول التابعة . ويضاف إلى ذلك أن البرجوازية المحلية ، إذا كانت تجد مصلحتها البنيوية في الوساطة والاستيراد ، فإن أي مشروع تنمية مستقلة تقوده سيختطف أو يعاد تشكيله ؛ وهذا يعني أن الإمكان مشروط بتحول في موازين القوى الاجتماعية ، لا بمجرد إرادة سياسية . وأخيراً ، فإن السيادة الرقمية تتطلب بنية تحتية ضخمة من مراكز بيانات وكابلات وقدرة حاسوبية وخوارزميات وبيانات سيادية وتشريعات وقدرات بشرية ، والدول الصغيرة قد لا تستطيع تحقيق ذلك منفردة . والمنصات الاحتكارية تخلق تبعية بنيوية لا يمكن كسرها بإرادة سياسية وحدها ، بل بتحول في بنية الإنتاج الرقمي العالمي نفسه .

بناء على ما سبق ، يمكن صياغة الجواب على النحو التالي : التنمية المستقلة ممكنة ، لكنها ممكنة بدرجات ، وبشروط ، وبحدود . هي ممكنة بمعنى أن النظام ليس كتلة مغلقة ، وأن التناقضات تفتح فجوات ، وأن سوابق تاريخية تثبت أن كسر التبعية ليس مستحيلًا . وهي ممكنة بدرجات بمعنى أن الاستقلال النسبي يختلف من قطاع إلى آخر: الغذاء قد يكون أكثر إمكاناً من أشباه الموصلات المتقدمة ، والطاقة المتجددة قد تكون أكثر إمكاناً من الذكاء الاصطناعي المتقدم . وهي ممكنة بشروط بمعنى أن الإمكان لا يتحقق تلقائياً ، بل يتطلب قيادة طبقة عاملة وقوى شعبية تفرض أولوياتها ، واستغلال التناقضات بين المراكز وتحويل المكاسب التكتيكية إلى قدرات إنتاجية ، وتكاملاً إقليميًاً يتجاوز منطق التبادل غير المتكافئ ، وبناء سيادة في الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والرقمنة كسلسلة واحدة لا كقطاعات معزولة ، ووعياً بحدود المناورة داخل النظام . وهي ممكنة بحدود بمعنى أن الاستقلال المطلق غير ممكن داخل النظام الإمبريالي ، وأن الحدود القصوى للاستقلال النسبي تحددها بنية النظام نفسه من احتكارات تكنولوجية وبنية أمنية وهيمنة مالية وبنية رقمية . ولذلك فإن التنمية المستقلة ليست نقطة وصول نهائية ، بل عملية صراع دائم لإعادة تعريف حدود الممكن .

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال الإرادة السياسية : إذا كانت الآليات الموضوعية تنتج التبعية ، فما الذي يمكن أن تفعله الإرادة السياسية ؟ الإرادة السياسية ليست وهماً فوقياً ، لكنها ليست سحراً . في إطار نظرية تسرب القيمة ، وظيفتها الأساسية هي التحكم في وجهة فائض القيمة ، أي منع تحويل الفائض المنتج محلياً إلى الخارج عبر قنوات غير منتجة ، وتوجيهه نحو تجديد الإنتاج الاجتماعي الوطني . هذا التحكم لا يتحقق بمجرد القرار، بل يحتاج إلى دولة قادرة على فرض أولوياتها على الفئات الاجتماعية ، وعلى مواجهة ضغوط الاحتكارات والبنية الأمنية العالمية. ومن ثم ، فالإرادة السياسية شرط ضروري : بدونها لا يحدث أي تحول في وجهة الفائض ، لأن الأسواق والتبعية البنيوية تميل تلقائياً إلى تصدير الفائض نحو المركز. لكنها ليست شرطاً كافياً ، لأن حدودها يحددها ميزان القوى الاجتماعي والموقع في النظام العالمي . والإرادة السياسية تكون فعالة تاريخياً عندما تلتقي بثلاثة شروط : أن تكون مرتبطة بفاعل اجتماعي له مصلحة بنيوية في كسر التبعية ، وأن تمتلك هامش مناورة داخل النظام ، وأن تستخدم هذا الهامش في بناء قدرات إنتاجية وليس في استبدال تابع بتابع . وبدون هذه الشروط، تتحول الإرادة السياسية إلى مجرد إدارة للتبعية بأدوات وطنية.

وتقدم كوبا حالة دالة على حدود الإرادة السياسية وإمكاناتها في آن . فقد بنت الثورة نظاماً صحياً وتعليمياً يعد من الأفضل في أمريكا اللاتينية ، وشكلت أكثر من سبعين ألف طبيب، وخفضت وفيات الرضع من أكثر من ستين لكل ألف إلى تسعة. هذه الإنجازات تعني أن الإرادة السياسية الكوبية نجحت في توجيه جزء كبير من الفائض الاجتماعي نحو تجديد قوة العمل، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال السيطرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي . لكن هذا لا يجعل كوبا نموذجاً مكتملاً للتنمية المستقلة ، لأنها لم تكسر التبعية في الحلقات الأكثر حسماً . فالنموذج الاقتصادي الكوبي يتسم بانخفاض الإنتاجية وغياب التنويع ، ولم يعد مستداماً ؛ والبلاد تواجه أزمة اقتصادية واجتماعية وطاقوية تضاهي أزمة انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وقد تفاقمت بانهيار فنزويلا عام 2019، وجائحة كورونا التي دمرت السياحة وصادرات الخدمات الطبية والتحويلات ، والحرب في أوكرانيا التي رفعت كلفة المواد الأولية المستوردة ، والحصار الأمريكي الذي يمثل أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث . المشكلة البنيوية الأعمق هي أن كوبا ، رغم إرادتها السياسية ، ظلت تعتمد على الخارج في لحظات حاسمة من تجديد إنتاجها الاجتماعي : أولاً على الاتحاد السوفيتي ثم على فنزويلا في الطاقة ، وعلى تصدير الخدمات الطبية والتحويلات من المهاجرين في العملة الصعبة ، وعلى استيراد الغذاء والتكنولوجيا . أي أن الإرادة السياسية نجحت في إعادة توزيع الفائض داخلياً لصالح الصحة والتعليم ، لكنها لم تستطع السيطرة على شروط إنتاج هذا الفائض وتجديده دون الاعتماد على الخارج . وهنا يظهر الفرق بين الاستقلال الاجتماعي النسبي الذي تحقق جزئياً والاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي الذي لم يتحقق . ويمكن القول إن كوبا تمثل نموذجاً جزئياً للتنمية المستقلة : نجحت في تجديد قوة العمل وفي مقاومة الإمبريالية لعقود ، لكنها ظلت تابعة بنيوياً في الطاقة والتكنولوجيا والتمويل .

أما كوريا الديمقراطية ، فحالتها مختلفة جذرياً ، ويصعب اعتبارها نموذجاً للتنمية المستقلة بالمعنى الذي طرحه الأستاذ سليمان أحمد . صحيح أن جوتشي كانت ولا تزال الأيديولوجيا الرسمية ، وقد نشأت في سياق تاريخي محدد كرد فعل على التدخل السوفيتي والهيمنة الخارجية ، حيث أرادت بيونغ يانغ بناء اقتصاد وطني مستقل يحرر البلاد من التبعية للقوى الكبرى . لكن في الممارسة ، لم يتحقق هذا الاستقلال . فقد اعتمدت كوريا الديمقراطية بشكل كبير على المساعدات السوفيتية والصينية منذ تأسيسها ، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 دخل اقتصادها في أزمة حادة ، وتحولت الصين لاحقاً إلى شريكها التجاري الأكبر . والأهم من ذلك أن تخصيص الفائض الاجتماعي في كوريا الديمقراطية لم يوجه أساساً نحو تجديد الإنتاج الاجتماعي المدني ، بل نحو الأمن والعسكرة ، وهو ما يمكن اعتباره شكلاً من أشكال تسرب القيمة الأمني ، لكن بدرجة أشد . فقد أدى التركيز على الصناعات الثقيلة والدفاعية إلى اختلالات هيكلية ونقص في السلع الاستهلاكية ، وإلى اقتصاد يعاني من عدم الكفاءة وهدر الموارد . وحتى عندما حقق الاقتصاد نمواً بنسبة 3.7% في 2024، كان ذلك مدفوعاً بالصناعات الثقيلة والبناء والتعاون العسكري مع روسيا ، وليس بتنويع إنتاجي مدني مستدام . وبهذا المعنى ، فإن كوريا الديمقراطية لم تكسر التبعية البنيوية ، بل أعادت إنتاجها عبر الاعتماد على الصين وروسيا ، وعبر توجيه الفائض نحو آلة عسكرية لا تشارك في تجديد قوة العمل والمجتمع بالمعنى الإنتاجي . وهي أقرب إلى نموذج الاستقلال الشكلي أو الاستقلال الأمني المسلح الذي يحافظ على السيطرة السياسية للدولة بينما يعيد إنتاج تبعية اقتصادية وتكنولوجية أعمق .

ومقارنة الحالتين توضح أن الإرادة السياسية ليست عديمة الأثر، لكن أثرها يتحدد بنوع الفائض الذي تسيطر عليه ووجهته . كوبا أظهرت أن الإرادة السياسية يمكنها ، في ظل حصار خانق ، أن تنتزع إنجازات اجتماعية كبرى وتعيد توزيع الفائض لصالح تجديد قوة العمل ، لكنها لم تستطع كسر التبعية في الطاقة والتكنولوجيا والتمويل ، فظل نموذجها هشاً أمام الصدمات الخارجية . وكوريا الديمقراطية أظهرت أن الإرادة السياسية عندما توجه الفائض نحو الأمن والعسكرة بدلاً من التجديد الإنتاجي المدني ، فإنها لا تكسر التبعية بل تعيد إنتاجها بأشكال أكثر قسوة ، وتستبدل تابعاً بتابع . ومن منظور نظرية تسرب القيمة ، فإن الدرس المشترك هو أن الإرادة السياسية تصبح تنمية مستقلة حقيقية فقط عندما تقترن بفاعل اجتماعي قادر على فرض أولويات التجديد الوطني ، وبهامش مناورة يستثمر في بناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية ، وبتكامل إقليمي يتجاوز منطق التبادل غير المتكافئ . وبدون ذلك ، تظل الإرادة السياسية تدير التبعية ، حتى وهي ترفع شعار الاستقلال .

وهكذا ، فإن نظرية تسرب القيمة عند تجديد الإنتاج الاجتماعي لا تقدم فقط تشخيصاً أدق للمرض البنيوي الذي يجعل من مشاريع التنمية الوطنية ، في غياب تحول جذري في موازين القوى الاجتماعية والسياسية ، مجرد محاولات لإعادة ترتيب أوضاع التبعية داخل النظام العالمي بدلاً من كسرها . إنها تفرض أيضاً أن يكون العلاج ثورياً في طبيعته لا إصلاحياً ، لأنه يتعلق بمن يسيطر على الفائض الاجتماعي ووجهته . والتنمية المستقلة ، بهذا المعنى ، لا تقاس بعدد المصانع أو حجم الاحتياطي النقدي ، بل بقدرة الدولة والمجتمع على السيطرة على وجهة فائض القيمة : هل يستخدم لتجديد الإنتاج الاجتماعي الوطني وتطوير قوى الإنتاج المحلية ، أم يسرب عبر استيراد السلاح والطاقة والتكنولوجيا والخدمات الرقمية بشروط المركز ؟ وأي فاعل اجتماعي يملك مصلحة بنيوية في تحويل هذا الفائض نحو التجديد الوطني بدلاً من تسريبه ؟ والإجابة عن سؤال الإمكان لا تكون بالوعود المطلقة ولا بالاستسلام المطلق ، بل بتفكيك الإمكان إلى شروطه ودرجاته وحدوده وفاعله . وعند هذه النقطة ، يظل الفكر الماركسي أداة لفهم الواقع وتغييره ، لا مجرد استعادة لإجابات صاغتها ظروف تاريخية مختلفة .
5/11/2026

اترك تعليقاً

Scroll to Top