ترامب وبوتين وصفقة الديزل : حين يلتقي رأس المال فوق جثث الشعوب

جاك عزيز

يمكن فهم ما جرى بين بوتين وترامب في مجال الطاقة ليس كتحول استراتيجي ولا كتفاهم تاريخي، بل كصفقة ظرفية فرضتها الأزمة على الطرفين معاً. فالرأسمالية في لحظات الضيق لا تتردد في تجاوز الشعارات التي ترفعها في العلن، لأن ما يحكمها في النهاية هو منطق التراكم وضرورة حماية الأسواق والمصالح المادية للفئات المسيطرة على الدولة. روسيا تحتاج اليوم إلى منفذ لتصريف الديزل المحظور من التصدير، لأن عائداته بالعملة الصعبة تخفف وطأة العجز المالي وتطيل عمر الطبقة الحاكمة أمام تدهور الاقتصاد الداخلي وتصاعد السخط الشعبي. والولايات المتحدة تحتاج إلى خفض سعر الديزل قبل الانتخابات، لأن هذا السعر يمس بشكل مباشر تكاليف النقل والزراعة والغذاء، أي أنه يمس معيشة الملايين من العمال والفلاحين، ويشكل سلاحاً انتخابياً في يد المعارضة. فالتقيا على مصلحة لحظية مشتركة، لا على رؤية مشتركة.

لكن الماركسية لا تكتفي بوصف التكتيك، بل تسأل عن الطبيعة الطبقية لهذا التكتيك وعن التناقضات التي يخفيها. المستفيد الأول من هذه الصفقة هو رأس المال الاحتكاري في البلدين، أي مجموعات الطاقة الروسية التي تحصل على قناة تصدير جديدة، والرأسماليون الأمريكيون المرتبطون بقطاعات النقل والزراعة الذين يحصلون على مدخل إنتاجي أرخص. أما الطبقة العاملة في البلدين فلا تخرج من هذه الصفقة بتحسن بنيوي في ظروفها، لأن التضخم في روسيا لا يُحل ببيع الديزل للخصم، والأجور في أمريكا لا ترتفع لأن سعر الديزل انخفض أسبوعاً أو شهراً. إنها مسكن مؤقت لألم مزمن، وليست علاجاً لجذر المرض.

والأهم أن هذه الصفقة تكشف عجز الرأسمالية عن حل أزماتها بشكل منهجي. فالنظام الذي يرفع شعار العداء للأخر ثم يهرول إلى التفاوض معه حين يشتد الخطر على أسواقه الداخلية، هو نظام تحكمه الضرورة المادية لا القيم المعلنة. والصراع بين روسيا والولايات المتحدة لم يختفِ، بل تحول إلى تنافس على شروط الصفقة، على من يمنح أكثر ومن يحصل أكثر. وهذا ما يؤكده ماركس حين يقول إن رأس المال لا يعرف وطناً حين يتعلق الأمر بالربح، وإن البرجوازيات الوطنية تتصالح وتتصارع تبعاً لمصالحها المادية وليس تبعاً لعقائدها.

لذلك يمكن توصيف هذه اللحظة بأنها تعاون ظرفي بين فئتين حاكمتين تحت ضغط الأزمة، تعاون لا يلغي التناقض الأساسي بينهما ولا يرفع المعاناة عن الجماهير، بل يؤجل الانفجار قليلاً ويمنح الطبقات المسيطرة وقتاً إضافياً لترتيب أوراقها. وهذا بالضبط ما تفعله الرأسمالية في أزماتها: ترقيع، لا حل

اترك تعليقاً

Scroll to Top