الماركسية الغربية في كتابين : حول الماركسية الغربية ” للفيلسوف البريطاني Perry Anderson و ” الماركسية الغربية ” للمفكر الايطالي Domenico Losurdo

 

الدكتور هادي عيد

حين تُعرّف الماركسية، أو أية أيديولوجيا، بصفة ما، غربية أو شرقية، سوفياتية أو صينية مثلا، هذا يعني بديهيا أن هناك ماركسيات وايديولوجيات عديدة هي عمليا تفسيرات وشروحات مختلفة للمفاهيم والمصطلحات التي تشكل البنية الفكرية لهذه الأيديولوجيا أو تلك. هذه هي حال كل الإيديولوجيات والأديان التي حازت على قدر كاف من الانتشار. والماركسية كما نعلم انتشرت بشكل كثيف بعد نجاح الثورة البلشفية وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية ونجاح السوفيات في هزيمة النازية واستلام الشيوعيين للسلطة في عدد لا بأس به من الدول التي تشكل منها الاتحاد السوفياتي.

يمكن رد اختلاف التفسيرات والشروحات الى عوامل عديدة. منها تغير الظروف التاريخية منذ ظهور هذه العقيدة أو تلك، ومنها المصالح، المادية والأيديولوجية والسياسية التي تحكم هذه التفسيرات، ومنها الخلفية الثقافية ولاوعي هذا الشارح المفسّر أو ذاك الخ… سوف نعرض هنا نظرتين مختلفتين للماركسية الغربية عبر كتابين يفصل بين صدورهما ما يقارب الأربعين عاما. نشير هنا الى أن هذه الماركسية الغربية ليست مدرسة موحدة خالية من الفروقات التي تصل أحيانا حد التناقضات بين مفكريها. لكن هناك إطار نظري عام مشترك بين هؤلاء المفكرين يتيح لنا الكلام عن ماركسية غربية.

الفروقات بين وجهات نظر أندرسون ولوزوردو سوف نفصلها عبر تجلياتها في عدد من المحاور التي نأمل أن تلقي ضوءا كافيا على هذا التيار الذي لعب دورا كبيرا في تشكيل وعي الكثير من الماركسيين، ليس في أوروبا وحدها، بل على مستوى العالم كله.

بداية كيف يعرّف هذان المفكران ما سمّياه الماركسية الغربية وما هي الظروف التاريخية والسياسية التي أدت بحسب كل منهما إلى نشوئها؟

يقول أندرسون، الذي شغل رئاسة تحرير مجلة نيو ليفت ريفيو البريطانية لسنوات عديدة والذي عرف بميوله التروتسكية دون أن ينتمي رسميا لأي تنظيم سياسي، إن الماركسية الغربية هي تيار فكري نشأ في أوروبا الغربية بعد هزيمة الثورات في الدول الأوروبية المتطورة في حين نجحت الثورة البلشفية في روسيا وهو ما دفع الدول الغربية الاستعمارية الى محاصرتها وفرض العزلة عليها. هذه الهزيمة، معطوفة على ضعف الأحزاب والنقابات في الغرب وبسبب القمع الشديد الذي تعرضت له بعد صعود الفاشية والنازية، دفعت العديد من ماركسيي الدول الغربية الى التفرغ للعمل الأكاديمي وللاهتمام بالشؤون الثقافية بعيدا عن العمل السياسي المباشر. أندرسون لا ينسى الستالينية التي ساهمت بنظره في عزلة المثقفين وعزوفهم عن العمل السياسي المباشر. يجزم أندرسون أن ما يميز هذه الماركسية بشكل أساسي هو الانفصال بين النظرية والممارسة السياسية وهو انفصال تجلى في انتقالها من التركيز على الاقتصاد السياسي والبحث في إشكاليات الصراع الطبقي وعملية التغيير والثورة، كما كانت الحال عند الماركسيين الكلاسيكيين (ماركس، أنغلز، لينين، تروتسكي، ماو، روزا لوكسمبورغ وغيرهم)، الى الأبحاث الفلسفية والثقافية والجماليات. ثم إن التحول الذي طرأ على الرأسمالية والمجتمعات الأوروبية وما نتج عنه من إشكاليات ثقافية وفكرية ساهمت في هذا الانتقال.

من جهته، لوزوردو يتفق مع أندرسون حول العديد من الأسباب التي اعتبرها مسؤولة عن نشوء هذه الماركسية (هزيمة الثورات الأوروبية، صعود الفاشية والانفصال عن العمل السياسي، عزلة الثورة الروسية). لكنه يتهم هذه الماركسية بالمركزية الأوروبية كونها انطلقت في تفكيرها من التاريخ الأوروبي حصرا وبنت كل اشكالياتها النظرية حول ما عاشته مجتمعات أوروبا من صراعات، متجاهلة واقع ودور الامبريالية والاستعمار في نشوء الرأسمالية. هذه الماركسية تجاهلت أيضا قضايا التحرر الوطني والنضال ضد الامبريالية والاستعمار في دول الأطراف وهو ما أدى الى عدم فهمها لطبيعة الرأسمالية ذاتها وللصراع الطبقي في القرن العشرين. كما يتهمها بمعاداة التجربة الاشتراكية في روسيا ودول الاتحاد السوفياتي بسبب عدم فهمها لطبيعة النظام العالمي وتناقضاته. هذه المواقف ساهمت، بنظر لوزوردو، في خدمة الأنظمة الرأسمالية والطبقات الحاكمة. لوزوردو يوافق أندرسون حول انفصال النظرية والممارسة في هذه الماركسية وحول تحولها الى ثقافوية وإن كان يعزوهذا الانفصال لأسباب تختلف عن تلك التي أشار اليها أندرسون.

في ما يلي سوف نفصل هذه الفروقات عبر تجلياتها في عدد من المحاور.

الطلاق بين النظرية والتطبيق ..

يقول أندرسون ” إن أولى خصائص هذه الماركسية وأكثرها جوهرية هو هذا الطلاق البنيوي للنظرية مع الممارسة السياسية” ص .45 وهذا ما يميزها كليا عن ماركسيي ما قبل الحرب العالمية الأولى الذين كانوا منخرطين عضويا في الممارسة السياسية وفي أحزابهم.. هذا الطلاق ليس نتيجة خيارات ذاتية أو بسبب كسل بعض المثقفين الماركسيين بقدر ما هو نتيجة ضغوطات تاريخية كثيفة وهو طلاق بدأ بشكل تدريجي منذ 1918 الى ان انتهى الى قطيعة تامة في ثلاثينات القرن. يشير أندرسون الى أن لوكاش وكورش وغرامشي الذين برأيه شكلوا النواة الأولى لبنية الماركسية الغربية كانوا في البداية يشغلون مراكز قيادية في أحزابهم الى ان انتهى أمرهم باستبعاد الأول والثاني وعزلتهما بينما كان مصير غرامشي السجن وهو ما جعلهم يحصرون نشاطهم في العمل النظري بعيدا عن الممارسة.

أندرسون يذكر بالمنبت الطبقي البرجوازي لجميع مفكري الماركسية الغربية باستثناء غرامشي الذي عانى من الفقر ليس بسبب أصوله، بل بسبب عمليات فساد قام بها والده. هذه إشارة الى دور هذا المنبت في ابتعاد هؤلاء المفكرين عن الممارسة السياسية المباشرة وان لم يكن السبب الرئيس في هذا الابتعاد.

شكل معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت في بداياته نقطة التقاء بين ماركسيي ” الشرق ” وماركسيي ” الغرب” الى ان تسلم رئاسته هوركهايمر، الذي لم ينتم يوما الى حزب عمالي، فحوّل اهتماماته الى ” فلسفة اجتماعية ” بعيدا عن ” المادية التاريخية “. هوركهايمر هذا تحول في تقاعده الى مبخر مخز للرأسمالية كما يقول اندرسون. ماركوز وأدورنو ايضا لم ينتسبا الى اي حزب عمالي. وعندما انتقل هذا المعهد الى اميركا هربا من النازية تأقلم في توجهاته مع النظام البرجوازي المحلي وتخلى عن توجهاته السابقة. عودته بعد نهاية الحرب الى فرانكفورت عام 1949 – 1950 لم تغير شيئا في منحاه الذي اتخذه في الولايات المتحدة. في ستينات القرن تكرست القطيعة بين النظرية والممارسة نهائيا وتم تبنيها علنا مع نشر كتاب ماركوز ” الأنسان ذو البعد الواحد”. ليست هذه حال زعماء مدرسة فرانكفورت وحدهم، بل جميع مفكري الماركسية الغربية. لوكاش، كورش، ديللا فولبي، لوفيفر، بنجامين، غولدمان، سارتر، ألتوسير وغيرهم. غرامشي حالة خاصة كونه كان سجينا.

لوزوردو لا ينكر الانفصال بين النظرية والممارسة إلا أنه يمنحه بعدا تاريخيا وسياسيا أوسع مما فعله أندرسون. صحيح أن الثورة هزمت في أوروبا الغربية لكن الخلل البنيوي في هذه النظرة سببه هذه المركزية الغربية التي تنظر الى القرن العشرين وصراعاته انطلاقا من أوروبا وحدها. انها نظرة جهوية محدودة، provincialist جعلها تنفصل أيضا عن الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام وفي كوبا وغيرها. كذلك فعلت ازاء حركات التحرر الوطني ضد الامبريالية التي استطاعت طرد المستعمرين من كثير من الدول. لقد عجز مفكرو الماركسية الغربية عن النظر الى العالم وتناقضاته بعين هذه الشعوب المستعمَرة. من هنا عدم فهم هذه الماركسية لما يجري في العالم وعدم تعلمها من التجارب النضالية الفعلية. ثم إن الستالينية ليست هي المسؤولة عن انفصال النظرية عن الممارسة في الماركسية الغربية فهذا الانفصال بدأ قبل صعود ستالين واستلامه السلطة وأندرسون نفسه يقول كما ذكرنا للتو إنه بدأ منذ 1918 واستمر تدريجيا الى أن أصبح انقطاعا تاما في ثلاثينات القرن الماضي.

من الاقتصاد السياسي واشكالياته الى الثقافة والثقافوية

يرى أندرسون أن الماركسية الغربية صمتت تماما عن الحقول النظرية الأكثر أهمية بالنسبة للماركسية الكلاسيكية أي عن ” دراسة القوانين الاقتصادية وأنماط الإنتاج التي ولدتها، عن تحليل الآلة السياسية للدولة البرجوازية وعن الاستراتيجية الضرورية للصراع الطبقي من أجل إزالة هذه الآلة والتخلص منها” (ص. 66). بقيت النقاشات حول هذه المواضيع، يضيف أندرسون، محصورة بين أيدي قيادات الأحزاب الشيوعية الغربية الخاضعة تماما للمواقف السوفياتية. ما الذي حل محل هذه المواضيع إذن؟ يخصص أندرسون فصلا كاملا لتحول مفكري الماركسية الغربية نحو الفلسفة الذين هم أصلا في معظمهم فلاسفة وأكاديميون. المثير في ما يقوله أندرسون هو أن هؤلاء استقوا جل آرائهم من فلسفات سابقة على ماركس الذي بنظره لم يترك أثرا فلسفيا واحدا. هيغل، باشلار، فرويد، سبينوزا، شيلنغ، وحتى نيتشه عند بعضهم كانوا من بين المراجع الفلسفية لمفكري هذه الماركسية الغربية. عزز هذا التوجه نحو الفلسفة اكتشاف مخطوطات 1844 لماركس الشاب ونشرها للمرة الأولى في موسكو عام 1832.

على أن الحقول الثقافية ودراساتها هي التي استهلكت القسم الأكبر من طاقات فلاسفة الماركسية الغربية. فمثلا القسم الأكبر من كتابات لوكاش هو عن الأدب، أدورنو ألف 12 كتابا عن الموسيقى وثلاثة عن الأدب، غولدمان عمل على دراسات عن راسين وكذلك الأمر بالنسبة ل ديللا فولبي وماركوز وباقي السلسلة حتى سارتر. اما غرامشي فإنه وإن اختلف قليلا عن الآخرين إلا أنه لم يكتب سطرا واحدا عن الاقتصاد كما يقول أندرسون وبقيت ابحاثه منكبة على بنية الثقافة ودورها في خدمة النظم السياسية، أي على البنى الفوقية. أما التوسير فشكلت الايديولوجيا والتربية محور اهتماماته النظرية.

هذه الأبحاث الثقافية عن الابيستمولوجيا، عن الاغتراب والتشيؤ، عن الهيمنة، عن الفن والجماليات، عن اللغة وبنية الأيديولوجيا، عن الذات والحرية هيمنت عليها نظرة تشاؤمية وتم التعبير عنها بخطابات باطنية معقدة تشير الى انفصال هؤلاء المفكرين عن الجماهير وعن الممارسة السياسية كما أسلفنا. على أن أندرسون يرى، برغم ما تقدم، أن هؤلاء المفكرين قدموا تجارب فكرية من أهم التجارب تقدما في العالم وعالجوا مواضيع لم تعالجها الماركسية الكلاسيكية. يقول إنه يجب الاعتراف بقيمة هذه الماركسية والقطع معها في نفس الوقت. ” الماركسية الغربية كانت حكما أقل من الماركسية لكونها غريبة عن المادية التاريخية وهي لا يمكنها أن تمارس سلطتها الا إذا تحررت من طابعها المحلي وفكرها المغلق كائنا ما كان” ص. 131.

لوزوردو من جانبه قارب مسألة الانتقال هذه بطريقة مختلفة عن مقاربة أندرسون. هو لا يرى المسألة كمجرد انتقال من حقل لآخر ضمن البنية الماركسية الفكرية. لوزوردو يعتقد ان هذا التخلي عن إشكاليات الاقتصاد السياسي وحصر الممارسة النظرية في البحث في شؤون الفلسفة والثقافة والفن أدى الى تحول في بنية هذه الماركسية نفسها. لنكن واضحين: لوزوردو لا يقلل من أهمية الثقافة والفنون لكنه يرفض اعتبارها منفصلة عن الشروط المادية التي أنتجتها كما يرفض تهميشها التام لموضوعات الاقتصاد والدولة وبناء التنظيم السياسي والصراع الطبقي ومقارعة الامبريالية. حتى انه يلاحظ أن هناك نفورا صريحا ومتزايدا من الاقتصاد السياسي يميز هذه الماركسية. يستدل على ذلك بكلام لأرنست بلوخ ص. 53 حيث يقول هذا الأخير إن تجاوز الرأسمالية يجب ان يتضمن ” التحرر من مادية المصالح الطبقية ومن مقولة محو الفقر… ومن كل المسائل الاقتصادية”. إن هذه المقاربة هي التي جعلته يوجه نقدا حادا لمفكري الماركسية الغربية أمثال أدورنو وهوركهايمر وماركوز ونيغري وبورديو وألتوسير وغيرهم الكثير. في المحصلة الأخيرة يمكن اختصار موقف لوزوردو من هذه المسألة بالقول انه يعتبر أن الثقافة في الماركسية الغربية لم تعد حقلا من حقول تحليل الرأسمالية، بل أصبحت البديل عن تحليل بناها المادية والسياسية والاقتصادية. إن اهمالها لدراسة هذه البنى ولدورها في انتاج الثقافة ساهم حتى في عدم فهمها لموضوعاتها ذاتها فضلا عن ابتعادها عن كل نشاط وممارسة سياسية. لوزوردو يرى أن هذا التحول، إضافة الى تقرب اطروحات الكثيرين من فلاسفة ومنظري الماركسية الغربية من اطروحات الليبرالية، قدّم خدمة لا يستهان بها للأنظمة الرأسمالية الغربية.

الماركسية الغربية ومواقفها إزاء الإمبريالية والاستعمار وحركات التحرر الوطني ..

يمكن القول إن الانفصال عن الممارسة السياسية والتخلي عن دراسات الاقتصاد السياسي واشكالياته وحصر النشاط النظري لهذه الماركسية في الحقول الثقافية والفنية والانطلاق من المعطيات الأوروبية حصرا في هذه الدراسات، كان لا بد ان يؤدي الى تجاهل علاقة الرأسمالية الغربية بالاستعمار والامبريالية وكذلك عدم الاهتمام بالدور الذي لعبته حركات التحرر الوطني. وفي هذا المجال يتبدى الفرق الأكبر بين مقاربة أندرسون ولوزوردو للماركسية الغربية.

فبينما خصص أندرسون جل جهده في هذا الكتاب لرصد التحولات الفكرية داخل الماركسية الغربية وانفصالها عن الممارسة السياسية الا أنه لم يتعرض لإشكالية الامبريالية وحركات التحرر الوطني الا عرضا، خلافا للوزوردو الذي شكلت أهم محاور كتابه. يقول لوزوردو (ص. 87) ساخرا من طوباوية التفكير الماركسي الغربي: ” حين كان الجيش الألماني على أبواب موسكو كان هوركهايمر يهاجم الحكومة السوفياتية لأنها لا تعير انتباها كافيا لمسألة إلغاء الدولة”. ثم يتساءل: كيف لأندرسون ان يتجاهل أحداثا بأهمية انتصار الثورة الصينية وانتصار فيتنام على أعتى قوة امبريالة وكذلك الأمر بالنسبة لكوبا، انتصارات تمت بقيادة أحزاب ماركسية وشيوعية؟ كيف يتجاهل ثورات العديد من الشعوب التي أزاحت عن كاهلها سيطرة استعمارية امتدت أكثر من قرن في الجزائر مثلا وفي مصر مستوحية في نضالاتها ليس تراثها الثقافي فقط، بل أفكار الثورة البلشفية؟

إنها المركزية الأوروبية على ما يرى لوزوردو التي تشكل أساس النظرة الماركسية الغربية للعالم. هذه النظرة، التي اقتصرت على نقد التناقضات الداخلية في المجتمعات الغربية، أدت الى تهميش دور الاستعمار والإمبريالية وبذلك برهنت عن قصورها في فهم هذا العالم وتناقضاته. وإذا كانت الرأسمالية الغربية وقوتها مرتبطة تاريخيا بما نهبته من المستعمرات والأطراف فإن تحليل هذه الرأسمالية ذاته يصبح ناقصا وخاطئا كونه لم يأخذ بعين الاعتبار هذا الدور الذي لعبه الاستعمار في نشوئها وسيطرتها. بكلام آخر، كيف يمكن فهم الرأسمالية الغربية ذاتها وثقافاتها، وكيف يمكن التخلص منها كنظام إذا أهملنا العلاقة بينها وبين الاستعمار والامبريالية؟ ثم كيف يمكن ان نتجاهل الدور الذي لعبته حركات التحرر الوطني وانعكاساته على طبيعة الرأسمالية ليس في الغرب وحده، بل على المستوى العالمي؟

وهنا لا بد من بعض الملاحظات. اولاها، وحتى لا نظلم اندرسون كثيرا، لم تكن هذه الإشكالية موضوعه الأساس لكن ذلك لا يعفيه من الخطأ بتجاهلها. ثانيا، أن المركزية الغربية ليست بالضرورة نتيجة موقف واع ومؤيد للاستعمار الغربي وإن كانت هناك بعض الاستثناءات التي اعتبرت أن الاستعمار ساهم في تقدم الشعوب ” المتخلفة”. ثالثا يجب الانتباه الى أن هناك فروقات كبيرة بين الماركسيين الغربيين ليس حول هذه المسألة وحدها، وإن كانت هناك بنية فكرية عامة تشكل أساس نظرتهم للعالم وتناقضاته كما أشرنا أعلاه.

الماركسية الغربية والموقف من الاتحاد السوفياتي والتجارب الاشتراكية ..

يمكن القول إن الموقف من الاتحاد السوفياتي ومن التجارب الاشتراكية في القرن العشرين شكل أحد الأسس التي قام عليها التمييز بين “ماركسية غربية ” تتصدى لدراسة الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا في المجتمعات الصناعية المتقدمة وأخرى ” شرقية”. الماركسية السوفياتية وهي بهذا المعنى شرقية، ارتبطت نضالاتها بمسألة التحرر الوطني وبناء الدولة ومقارعة الامبريالية. كانت أكثرية منظّري الماركسية الغربية معادية للنظام السوفياتي ولطبيعة الدولة التي أنشأها وكذلك للأنظمة الاشتراكية الأخرى. كيف يمكن تفسير هذا العداء؟

رأينا مع أندرسون أن ما ميز الماركسية الغربية هو القطيعة بين النظرية والممارسة وهذه القطيعة انتجت تفكيرا مسيانيا طوباويا يرى في الدولة ” الهدية المسممة للنضال الوطني” كما يقول نيغري وهاردت في كتابهما ” الأمبراطورية” (ص. 202) مثلا، أوكما يقول هوركهايمر في النص الذي ورد أعلاه. هذه الطوباوية والعزلة عن الممارسة السياسية الفعلية منعت مفكري الماركسية الغربية من رؤية الظروف التاريخية والواقعية وكذلك الصعوبات التي مرت بها الثورة السوفياتية وخاصة العداء الذي قوبلت به من الدول الاستعمارية والحرب التي شنها هؤلاء ضدها. مقاربة هؤلاء لمسألة الدولة حكمتها نظرتهم الحقوقية، الليبرالية أساسا، لممارسة العمل السياسي والدفاع عن حقوق المواطنين.

هي المركزية الغربية مرة أخرى إذ تحكم نظرة أكثرية مثقفي الماركسية الغربية والتي لا يمكنها فهم الصعوبات التي تعترض بناء الدولة في بلاد متخلفة اقتصاديا أو لنقل ما قبل رأسمالية. وهذه كما نعلم كانت حال روسيا السوفياتية في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. هم لم يأخذوا بعين الاعتبار الظرف التاريخي ولا الحصار التي فرضه الغرب الرأسمالي على الثورة السوفياتية ولا كون هذا الحصار وضرورة الدفاع عن الثورة في مواجهة أعدائها في الداخل والخارج هو الذي فرض على النظام اتخاذ إجراءات لم ير الغربيون فيها الا مجرد ديكتاتورية وشمولية. لم يكن نادرا ان نقرأ تحليلات ومواقف توازي بين الشيوعية وبين النازية وفي هذا الإطار صدرت عشرات الكتب لمحاولة البرهنة على التماثل بين النظامين، خاصة أيام الحرب الباردة. حتى آرندت التي ساوت في الفصلين الأول والثاني من كتابها عن ” التوتاليتارية” بين النازية وبين العنصرية، عادت في الفصل الثالث وساوت بين الشيوعية وبين النازية ( لوزوردو 149- 150) ومثلها فعل نيغري وهاردت في ” الإمبراطورية” (لوزوردو ص. 259). هكذا لم ير الكثيرون من مفكري الماركسية الغربية في التجربة السوفياتية الا ديكتاتورية ستالين والستالينية وأصبح العداء له ولها يعتبر واجبا أخلاقيا ليس بالنسبة لهؤلاء المفكرين وحدهم، بل لغالبية مفكري الغرب عموما.

خلاصة: تعكس الفروقات بين نظرة أندرسون ونظرة لوزوردو للماركسية الغربية توجهاتهما الفكرية المختلفة َضمن الفكر الماركسي. أندرسون ذو ميول تروتسكية ولوزوردو ذو ميول ماوية. رأينا ان هناك بعض النقاط المشتركة بين نظرة الكاتبين للفلسفة الغربية وهناك الكثير من الفروقات.

كانت هزيمة الثورات في دول الغرب المتطورة هي التي أدت الى عزلة مثقفي الماركسية الغربيين وانقطاعهم عن الممارسة السياسية المباشرة. عززت هذا الانقطاع الأصولُ الطبقية البرجوازية لهؤلاء المثقفين وطبيعة عملهم في المجال الأكاديمي، الفلسفي عموما كما يرى أندرسون. أضحت الثقافة مجال عملهم ومحور اهتماماتهم الفكرية بدلا من إشكاليات الاقتصاد السياسي والصراع الطبقي وقضايا الثورة كما كانت الحال بالنسبة لزعماء ومفكري الماركسية الكلاسيكية وماركسيي العالم الثالث وحركات التحرر الوطني في صراعهم مع الامبريالية. لوزوردو من جانبه يعزو مواقف الماركسيين الغربيين الى المركزية الأوروبية التي طبعت تحليلاتهم مما أفقدها الكثير من قيمتها النظرية فضلا عن كونها تماهت في الكثير من مواقفها مع الأنظمة الغربية الرأسمالية. كل هذه العوامل ساهمت بحسب لوزوردو منطقيا في اتخاذ مواقف معادية للدولة السوفياتية واتهامها بالتوتاليتارية وكذلك الأمر بالنسبة للأنظمة التي بناها زعماء حركات التحرر الوطني في العالم.

1- Pery Anderson, Sur le Marxisme Occidental, petite collection Maspero, paris, 1977.

2-Domenico Losurdo, Western Marxism, Edited by Gabriel Rochill, Monthly Review Press, New York, 2024

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top