جاك عزيز
أتابع باهتمام مقالات الدكتور طنوس شلهوب حول التجربة الصينية، وأقدّر الجهد الذي يبذله في وضع النقاش في سياقه التاريخي، والتمسك بالمنهج المادي الجدلي . غير أن قراءتي المتأنية لمقاله الأخير تدفعني إلى طرح بعض الملاحظات النقدية أرجو أن تكون بناءة ، آملاً أن تسهم في تطوير النقاش بدلاً من تكراره .
سأحاول في هذا الرد تجاوز القضايا التي باتت مطروقة (وجود السوق، القطاع الخاص، علاقات العمل المأجور) إلى ما أعتبره لب الخلاف : معيار الحكم على طبيعة النظام ، وعلاقة النظرية بالتجربة التاريخية ، وإشكالية الأممية في عصر العولمة .
يقر الدكتور طنوس بأن علاقات الإنتاج الرأسمالية موجودة في الصين ، لكنه يرى أن الحكم على النظام يتوقف على سؤال : من يقود من ؟ هل رأس المال يقود الدولة أم الدولة تقود رأس المال ؟ وهنا يكمن ، في تقديري ، تساؤل منهجي رئيسي في مقاله .
فالمادية التاريخية لا تنظر إلى الدولة ككيان منفصل عن العلاقات الطبقية ، بل كـلجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية بأكملها (ماركس وإنجلز، البيان الشيوعي) . الدولة ليست موضوعاً مستقلاً يمسك بزمام الأمور، بل هي انعكاس لعلاقات القوى الطبقية القائمة . ولذلك ، فإن السؤال ، من يقود من يفترض وجود دولتين مستقلتين (الدولة ورأس المال) ، في حين أن الدولة في التحليل الماركسي هي تعبير عن هيمنة طبقة معينة .
فإذا كانت علاقات الإنتاج في جوهرها رأسمالية (عمل مأجور، تراكم رأسمالي، إنتاج فائض القيمة)، فإن الدولة – مهما كانت نوايا قادتها – تصبح تدريجياً أداة في خدمة هذه العلاقات . هذا ما عبر عنه لينين في الدولة والثورة حين أكد أن الدولة لا يمكن أن تكون محايدة أو فوق طبقية .
ثمة مقاربة بديلة مقترحة: بدلاً من السؤال من يقود من ؟ يمكننا أن نسأل : ما هي القوانين الداخلية التي تحرك عملية التراكم وإعادة الإنتاج الاجتماعي في الصين اليوم ؟ فإذا كانت قوانين تراكم رأس المال – السعي نحو الربح، المنافسة، تركيز الثروة – هي التي تحدد اتجاه الاقتصاد، حتى لو تدخلت الدولة بين الحين والآخر، فإننا أمام نظام رأسمالي ولو احتفظ بغطاء سياسي اشتراكي .
يعود الدكتور طنوس إلى مفهوم المرحلة الانتقالية كما صاغها لينين في سياسة الاقتصاد الجديدة، ليبرر استمرار عناصر السوق والقطاع الخاص في الصين.
لكن ثمة فارقاً نوعياً بين حالة روسيا بعد ثورة 1917 والصين اليوم : جدول توضيحي :
المعيار : روسيا سياسة الاقتصاد الجديدة(1921-1928)
الصين اليوم
المدة مرحلة انتقالية قصيرة (بضع سنوات) في روسيا أكثر من 45 عاماً من الإصلاحات في الصين .
حجم القطاع الخاص محدود ، تحت سيطرة الدولة في روسيا ، هائل، يشكل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي في الصين .
طبيعة التراكم تراكم بدائي محدود في روسيا تراكم رأسمالي واسع، مليارديرات، شركات عالمية…في الصين .
السيطرة السياسية الحزب البلشفي يمسك بزمام الاقتصاد بالكامل في روسيا ، الدولة تنظم ، لكن السوق هو المحرك الأساسي في الصين .
السؤال الجوهري: متى تنتهي المرحلة الانتقالية ؟ وكيف نميز بين مرحلة انتقالية مؤقتة وبين تحول هيكلي دائم نحو الرأسمالية ؟ ألا يصبح الوصف مرحلة انتقالية بعد 45 عاماً مجرد تأويل نظري يستعمل لتبرير الواقع بدلاً من تفسيره ؟
يستشهد الدكتور طنوس بسياسات الرخاء المشترك الأخيرة كدليل على أن الدولة لا تزال تسيطر على رأس المال . وأتفق معه في أن هذه السياسات تمثل محاولة جادة للحد من التفاوت .
لكن الملاحظات التالية تبقى قائمة:
التفاوت لا يزال هائلاً: معامل جيني في الصين لا يزال بين 0.46 و0.48، وهو من أعلى المستويات عالمياً .
السياسات تأتي متأخرة : بعد عقود من التراكم الرأسمالي غير المقيد، أصبح إعادة التوزيع أصعب بكثير.
البرجوازية تحتضن الدولة: العديد من قادة الشركات العملاقة أصبحوا أعضاء في الحزب، مما يطرح سؤالاً حول اندماج المصالح بدلاً من الصراع بينها .
الأهم: إذا كانت البرجوازية قادرة على التأثير في الدولة ، فليس بالضرورة أن يكون ذلك عبر إخضاع الحزب لمصالحها كما يصور الدكتور طنوس، بل عبر الاندماج العضوي حيث يصبح الحزب نفسه معبراً عن مصالح هذه الطبقة الصاعدة وهنا نصل إلى جوهر مفهوم الرأسمالية ذات الخصائص الصينية الذي يرفضه البعض لكنه يعبر بدقة عن هذا الاندماج .
طرح الدكتور طنوس مقارنة مثيرة للاهتمام بين الصين والهند، ويسأل : لماذا نجحت الصين في انتشال مئات الملايين من الفقر بينما الهند لم تفعل ؟
هذه المقارنة مهمة فالهند لم تختر النموذج الرأسمالي بمحض إرادتها ؛ فقد كانت اقتصاداً مختلطاً لعقود، ولها قطاع عام واسع، وتخطيط مركزي حتى التسعينيات ضعفها لم يكن بسبب رأسماليتها بقدر ما كان بسبب ضعف الدولة ، والتركيبة الاجتماعية المعقدة (الطبقية)، والاستعمار البريطاني الذي ترك إرثاً مختلفاً عن الاستعمار شبه الإقطاعي في الصين .
الأهم أن الصين استفادت من موقع تاريخي مختلف : الانفتاح في السبعينيات بالتزامن مع الموجة الثالثة من العولمة، ونقل التكنولوجيا من الغرب في لحظة تاريخية كانت فيها الرأسمالية العالمية بحاجة إلى موقع إنتاجي منخفض التكلفة .
السؤال الملح : لو كانت الصين قد طبقت نموذج السوق ضمن إطار اشتراكي حقاً، فلماذا لم تستطع أي دولة اشتراكية أخرى (كوبا، فيتنام، كوريا) تحقيق النتائج نفسها رغم اتباعها مسارات مماثلة ؟ هذا يشير إلى أن نجاح الصين يعود لعوامل تاريخية وجغرافية وجيوسياسية خاصة ، وليس بالضرورة إلى نموذج قابل للتعميم .
هنا أجد توافقاً مع الدكتور طنوس في أحد أهم محاور النقاش . فملاحظته حول تراجع الدور الأممي للصين مقارنة بالاتحاد السوفياتي هي ملاحظة نقدية وجريئة وجديرة بالاهتمام .
لكنني أعتقد أن الأمر لا يقتصر على خيار استراتيجي مؤقت ؛ بل قد يكون مرتبطاً بطبيعة النظام نفسه. فالصين اليوم، بوصفها لاعباً رئيسياً في النظام الرأسمالي العالمي (أكبر مصدر، ثاني اقتصاد، شريك تجاري لأكثر من 120 دولة)، لا يمكنها أن تتبنى موقفاً أممياً معادياً لهذا النظام دون أن تتعارض مع مصالحها الاقتصادية الأساسية .
السؤال الماركسي هنا: هل يمكن لدولة أن تكون جزءاً أساسياً من النظام الرأسمالي العالمي بينما تحتفظ بدور قيادي في الحركة الأممية المناهضة للرأسمالية؟ أم أن هذا التناقض سيحسم في النهاية لمصلحة مصالح الدولة القومية على حساب الأممية ؟ أظن أن التجربة الصينية حتى الآن تظهر أن مصالح الدولة – التنمية، الاستقرار، الأمن القومي – تتقدم بوضوح على التضامن الأممي . وهذا ليس خياراً أيديولوجياً فحسب، بل انعكاس لطبيعة الدولة القومية في ظل الرأسمالية ، حتى لو حملت غطاء اشتراكياً .
عنوان المقال قراءة التاريخ لا النصوص هو عنوان قوي ومعبر عن منهج الدكتور طنوس . وأتفق معه تماماً في رفض قراءة النصوص الماركسية ككتاب مقدس يقاس عليه الواقع .
لكن السؤال العكسي: إذا كنا نقرأ التاريخ، فلماذا نقرأ التاريخ الصيني وحده ؟ ألا يمكننا قراءة تاريخ كل التجارب التي حاولت بناء الاشتراكية في القرن العشرين واستخلاص الدروس منها ؟ فإذا قرأنا تاريخ الاتحاد السوفياتي السابق ، ويوغوسلافيا السابقة ، وألبانيا، وكوبا، والصين معاً، نجد أنماطاً متكررة :
البيروقراطية تحل تدريجياً محل الديمقراطية الاشتراكية .
التطور الاقتصادي يصبح هدفاً في حد ذاته ، وتتلاشى أهداف التحرر الإنساني .
القومية تحل محل الأممية مع اشتداد الأزمة .
النخبة الجديدة تتشكل من المديرين والمختصين ، وتتحول إلى طبقة جديدة ذات مصالح خاصة .
هذه الأنماط المتكررة تطرح سؤالاً أعمق من خصوصية التجربة الصينية : هل هناك قوانين داخلية لتطور المجتمعات التي توصف بأنها انتقالية تجعلها تنزلق نحو الرأسمالية أو البيروقراطية الاستبدادية ؟
حول إشكالية النموذج المثالي والجدل المادي
يوجه الدكتور طنوس انتقاداً لمن يسميهم المعياريين وهم الذين يقيسون الواقع على نموذج مثالي للاشتراكية , ويصفهم بأنهم غير جدليين . هذا الانتقاد يحمل قدراً من الصحة , لكنه يحمل أيضاً مغالطة علينا التدقيق فيها فالمادية التاريخية لا تعني أننا نتخلى عن كل معايير وأهداف، بل تعني أننا نفهم كيف تتحقق الأهداف عبر التناقضات . لكن من دون معايير، كيف يمكننا التمييز بين :
مرحلة انتقالية نحو الاشتراكية ما تزال تحتفظ بأهداف التحرر الإنساني والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الاقتصادية أم مرحلة انتقالية نحو الرأسمالية حيث تصبح العدالة الاجتماعية غطاءً لاستمرار التراكم الرأسمالي ؟
بدلاً من تكرار النقاش حول هل الصين اشتراكية أم رأسمالية ؟ وهو نقاش يميل إلى التصلب ، أقترح طرح الأسئلة التالية ، التي أعتقد أنها أكثر إنتاجية :
ما هي اتجاهات التغيير في علاقات القوى الطبقية في الصين اليوم ؟
هل تتراجع قوة البرجوازية أم تتزايد ؟
هل العمال الصينيون يطورون وعياً طبقياً مستقلاً أم يندمجون في الرضا الاستهلاكي ؟
هل الحزب قادر على تجديد نفسه وحماية مصالح الطبقات الشعبية ؟
ما هي حدود السوق في النظام الصيني ؟
هل يمكن للدولة أن تتدخل بفعالية للحد من التفاوتات الناتجة عن السوق ؟
أم أن تدخلات الدولة تصبح تدريجياً خدمة لاستقرار السوق وليس لتقييده ؟
ما هي العلاقة بين النموذج الصيني والرأسمالية العالمية ؟
هل الصين تبني مساراً مستقلاً أم تندمج عضوية في النظام الرأسمالي؟
وما هي تكلفة هذا الاندماج على المستوى الاجتماعي والسياسي والبيئي؟
ما هو دور العمال والجماهير في صنع القرار؟
هل هناك ديمقراطية اشتراكية حقيقية في مواقع الإنتاج والمجتمع ؟
أم أن القرار محصور في النخبة الحزبية والبيروقراطية ؟
ما هو مستقبل التجربة الصينية في حال استمرت الاتجاهات الحالية ؟
هل سنشهد تحولاً تدريجياً نحو رأسمالية متطورة كما حدث في كوريا الجنوبية أو اليابان ؟
أم أن الصين قادرة على ابتكار شكل جديد من المجتمع يختلف عن كل النماذج السابقة ؟
أعود إلى النقطة الأساسية التي أثارها الدكتور طنوس : هل يمكن الحكم على التجربة من خارجها باستخدام معايير نظرية مجردة ؟
أعتقد أن الإجابة لا يمكن أن تكون بـنعم أو لا ببساطة . هناك دائماً مخاطر في التجريد النظري الذي يبتعد عن الواقع والنسبوية المفرطة التي تعجز عن تقديم أي حكم نقدي .
المطلوب هو جدلية بين النظرية والواقع والنقد البناء يفحص التناقض بينهما – ما يمكن أن يكون في ضوء ما هو كائن – .
في تقديري ، أن موقف الدكتور طنوس يميل إلى التناغم مع الواقع الصيني بدلاً من نقده جدلياً ، ويستخدم المرحلة الانتقالية كشرح لكل تناقض ، مما يخفف فعلياً أي نقد جوهري للتجربة .
في ختام هذا الرد، أود أن أقترح على الرفيق الدكتور طنوس والرفاق جميعاً مفهوماً قد يكون مفيداً لتطوير النقاش : التضامن الانتقادي.
فالتضامن مع التجربة الصينية لا يعني قبول كل ما فيها، بل يعني:
الاعتراف بأهميتها التاريخية وإنجازاتها .
دعم استقلالها وسيادتها في وجه الضغوط الإمبريالية .
استمرار نقد تناقضاتها من منطلق اشتراكي .
فتح النقاش حول مستقبلها وأزماتها ، بدلاً من إغلاقه بوصفها نموذجاً .
التجربة الصينية – كما يقول الدكتور طنوس – لم تقل كلمتها الأخيرة بعد . لكن هذا يعني أيضاً أن نقاشنا حولها لم ينته ، وأن الماركسيين مدعوون إلى مواكبة هذه التجربة بعين ناقدة ومتضامنة في آن واحد .
ربما تكون أعظم قيمة للمقال أنه أثار هذا النقاش ، ليس لتقديم إجابات نهائية ، بل لطرح أسئلة أعمق . وآمل أن يكون هذا الرد خطوة في تطوير هذا النقاش ، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة ، وأقرب إلى روح المادية الجدلية التي ترفض الوقوف عند المظاهر وتغوص في الجوهر
