جاك عزيز
مقدمة في السياق المعرفي والمنهجي ..
يمثل مقال الرفيق سليمان أحمد الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية : كيف أعادت الرأسمالية تشكيل الطبقة العاملة ؟ محطة نوعية في مسار النقد الماركسي العربي ، غير أنه ليس دعوة في فراغ نظري ، بل يأتي في سياق تراكم معرفي عربي وعالمي تصدى لتحولات الرأسمالية الرقمية .
فقد أسس نك داير- ويذرفورد في كتابه Cyber-Marx (1999) للقراءة الماركسية لعالم الشبكات ، موضحاً كيف انتقلت ديناميات الصراع الطبقي إلى الفضاء الرقمي ، وطور كريستيان فوكس المفهوم في Digital Labour and Karl Marx (2014) معيداً تعريف العمل في السياق الرقمي ، وكاشفاً كيف تتحول تفاعلات المستخدمين على الشبكات الاجتماعية إلى عمل مجاني يولد فائض قيمة تحتكره المنصات .
كما ساهمت تيزيانا تيرانوفا بمقالتها العمل الحر (2000 ) في صياغة مفهوم العمل غير المأجور في الاقتصاد الرقمي .
أما في السياق العربي ، فقد قدم الدكتور تحسين الشيخلي في مقالة الماركسية الرقمية (2023) دعوة لإعادة تشكيل الحياة الرقمية على أسس عادلة ، مستعرضاً جذور هذا الفكر عند داير- ويذرفورد وفوكس .
كما تناولت كتابات عماد حسب الرسول الطيب (2026) الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي ، وربطت بين ما يسمى الربيع العربي وتحولات الوعي الطبقي ، معتبرة الأدوات الرقمية ساحة للصراع الطبقي .
وسبقته مقالات حول الرأسمالية الرقمية في دوريات بعض الأحزاب اليسارية السورية.
لكن ما يميز مقال الرفيق سليمان عن هذه الجهود كونه محاولة متكاملة لربط المفاهيم الماركسية بواقع المنصات الإلكترونية بشكل مباشر وصريح . إنه ليس مجرد تحليل أكاديمي ، بل يهدف إلى وضع هذه الأفكار في خدمة الحركة العمالية والنقابية ، مما يجعله تطويراً وتوطيناً للخطاب الماركسي النقدي بامتياز ، شريطة أن نضبط منهجياً الفصل بين ما ينتجه العمال / المستخدمون ( قيمة وفائض قيمة ) وما تستولي عليه المنصات ( ريع رقمي ) .
في قراءة نقدية منهجية للأفكار الرئيسية للمقال..
يقدم الرفيق سليمان أحمد مدخلاً سياسياً – اقتصادياً عاماً يهدف إلى فتح النقاش حول تحولات الرأسمالية الرقمية ، مركزاً على ثلاثة محاور : استمرار قانون القيمة رغم الرقمنة ، وبروز الريع الرقمي ، وإعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة . غير أن المقال اختصر الجانب المنهجي المعرفي ، أي آلية التحليل الماركسي ( المنهج الجدلي – التاريخي ) التي تقود إلى الربط الصحيح بين هذه المستويات . وهنا يأتي دور التعميق النقدي لتصحيح الخلط بين فائض القيمة ( المصدر ) والريع الرقمي ( أحد أشكال التوزيع ) .
فائض القيمة في العصر الرقمي : الأساس المادي للتراكم ( وليس الريع نفسه ) ..
يؤكد المقال بحق أن فائض القيمة الناتج عن العمل البشري الحي يبقى الأساس الحقيقي لتراكم رأس المال ، وأن الاقتصاد الرقمي لم يلغ هذا القانون . ففي اقتصاد المنصات ، يتحول وقت الاتصال والانتباه والنشاط اليومي للمستخدمين إلى مصدر لتوليد القيمة . غير أن المقال كان بإمكانه التعمق في كيفية تحول تفاعلات المستخدمين أنفسهم – وليس فقط عمال المنصات التقليديين – إلى مصدر لهذا الفائض ، كما أشار فوكس إلى أن الإعجابات والتعليقات والتصفح تتحول إلى عمل مجاني يولد فائض قيمة أولي ، وهذا الفائض هو الكتلة التي ستعاد توزيعها لاحقاً .
من الضروري التمييز هنا بين إنتاج القيمة والاستيلاء عليها . فالمقال يحسن حين يربط فائض القيمة بالعمل الحي ( سواء كان مأجوراً كعمال التوصيل ، أو غير مأجور كتفاعلات المستخدمين ) ، لكنه يحتاج إلى التأكيد أن هذا الفائض يمثل المنبع الأولي ، وليس الريع نفسه . فبدون هذا الفائض الناتج عن استنزاف طاقة البشر، لن يكون هناك أي ريع رقمي يمكن تحصيله .
الريع الرقمي : إعادة بناء الجذر المنهجي وتصحيح الخلط بين الكل والجزء ..
يعد مفهوم الريع الرقمي أكثر المفاهيم تعقيداً في المقال، وهو أكثرها عرضة للالتباس مع فائض القيمة . ولتصحيح هذا الخلط جذرياً ، لا بد من إعادة بناء منهجية تستلهم المجلد الثالث من رأس المال ، حيث يقسم ماركس فائض القيمة الكلي بعد إنتاجه إلى أشكال مختلفة : أرباح ، فوائد ، وريوع .
فالريع الرقمي ليس قيمة تولد من العدم ، وليس بديلاً عن فائض القيمة ، بل هو شكل محدد من أشكال الاستيلاء وإعادة التوزيع لجزء من فائض القيمة الكلي الذي أنتجه العمال والمستخدمون ، وذلك بفضل الموقع الاحتكاري للمنصات . بعبارة أخرى : المنصات العملاقة لا تخلق قيمة جديدة بقدر ما هي جامع ضرائب لفائض القيمة المنتج في كل مكان آخر، وتحوله إلى ريع رقمي بفضل سيطرتها على البنية التحتية وقنوات التوزيع .
ويمكن الاستعانة بالتصنيف الثلاثي الكلاسيكي للريع كمنظار لقراءة الظاهرة الرقمية ، مع الانتباه إلى أنها مجرد قنوات لامتصاص فائض القيمة ، وليست مصادر لتوليده :
– الريع التفاضلي : الناتج عن فروق الجودة أو الموقع . ويمتد رقمياً إلى فروق جودة البيانات ، وقوة الخوارزميات ، ومدى انتشار القاعدة الجماهيرية للمنصة ، مما يمكنها من جذب المزيد من العمل المجاني ، وبالتالي الحصول على حصة أكبر من فائض القيمة العالمي مقارنة بمنافسيها .
– الريع المطلق : الناتج عن مجرد ملكية الأصل ، بغض النظر عن جودته . ويمتد رقمياً إلى ملكية البنية التحتية للخوادم ، وبروتوكولات الشبكة ، والملكية الفكرية للكود البرمجي ، مما يمنح المنصات الحق في الاستيلاء على فائض القيمة حتى لو لم تنتج هي أي سلعة مادية .
– الريع الاحتكاري : الناتج عن احتكار سلعة نادرة أو وسيلة توزيع فريدة . وهذا الأقرب إلى المنصات العملاقة التي تفرض عمولاتها وشروطها ليس لأنها الأفضل إنتاجاً ، بل لأنها تحتكر البوابة ذاتها ، وبالتالي تستطيع أن تفرض شروطها في اقتطاع جزء متزايد من فائض القيمة المنتج في مواقع أخرى وتحويله إلى ريع يذهب إلى جيوب المالكين .
إذاً ، الريع الرقمي الذي تحدث عنه الرفيق سليمان هو توليفة احتكارية جديدة من الأنواع الثلاثة الكلاسيكية ، يعيد توزيع فائض القيمة المنتج في كل مكان لصالح مالكي المنصات . وهذا يفسر لماذا تحقق منصة مثل أمازون أرباحاً تفوق أرباح المنتجين الذين يبيعون عبرها ؛ فهي لا تخلق قيمة جديدة ( وهذا هو الفصل الجوهري بين المفهومين )، بل تستولي على جزء كبير من فائض القيمة المنتج في كل مكان آخر وتحوله إلى ريع رقمي ، بفضل احتكارها لقنوات التوزيع . فاقتصاد المنصات يمثل شكلاً جديداً من الاحتكار الريعي ، حيث تجرد المنصات العاملين من وسائل الإنتاج وتتحكم بشروط التفاعل وأسعار الخدمات .
إعادة تشكيل الطبقة العاملة : تشتت وتبعية جديدة ( وتعميق الاستيلاء على الفائض ) ..
يتناول المقال بمهارة تحول الطبقة العاملة من التجمع في مصانع كبرى إلى التوزع في الفضاء الرقمي ، حيث تحل الخوارزميات محل المدير المباشر . غير أن التعمق المنهجي يقتضي الإشارة إلى أن هذا التشكل الجديد يفرز انقسامات داخلية تستوجب استراتيجيات تنظيمية مختلفة :
– فئة العاملين الرقمية التقليدية : عمال المنصات ( سائقو التوصيل ، العاملون لحسابهم الخاص ) وهم الأكثر هشاشة ، ويمثلون المصدر المباشر لفائض القيمة في قطاع الخدمات .
– الطبقة العاملة التقنية : مهندسو البرمجيات ومطورو التطبيقات في شركات التكنولوجيا الكبرى ، الذين قد تتبنى قطاعات منهم أيديولوجيات برجوازية صغرى ، لكنهم يظلون منتجين لفائض القيمة داخل منظومة الإنتاج الرقمي .
كما أن المقال أشار إلى تراجع الأماكن الجماعية للعمل، مما يضعف الروابط اليومية بين العمال ويعزز العزلة الاجتماعية، وهذا يشكل تحدياً موضوعياً للحركة النقابية، لأنه يسهل على المنصات إخفاء آلية استيلائها الريعي على فائض القيمة تحت ستار “المرونة” و”حرية العمل”.
انطلاقاً من التحليل أعلاه ، يمكن طرح الأسئلة التالية لتطوير النقاش :
1. كيف يمكن قياس فائض القيمة في اقتصاد تقوم فيه المنصات باستخلاص فائض القيمة من العمل المجاني للمستخدمين ، وليس فقط من العمال المأجورين ، وكيف نفصل حسابياً بين هذا الفائض المنتج والريع المستولى عليه ؟
2. إذا كان الريع الرقمي مجرد أداة للاستيلاء على فائض القيمة ( وليس مصدراً له ) ، فهل تظل المطالبة بتأميم البنية التحتية الرقمية كافية لتحقيق العدالة ، أم أن الأمر يتطلب تجاوزاً لنمط الإنتاج الرأسمالي برمته لمنع تحويل الفائض إلى ريع خاص من الأساس؟
3. كيف يمكن للحركة النقابية تجاوز التشرذم الذي تفرضه طبيعة العمل على المنصات ، والانتقال من تنظيم عمال المصنع إلى تنظيم عمال الفضاء الرقمي ، بحيث تكشف العلاقة بين أجورهم المهضومة والريع الهائل الذي تجنيه المنصات ؟
4. إلى أي مدى يمكن اعتبار البيانات الضخمة وسيلة إنتاج جديدة ، وما هي انعكاسات ذلك على نظرية الملكية الخاصة ، خصوصاً أن احتكار هذه الوسيلة هو ما يمنح المنصات قدرتها على تحويل الفائض إلى ريع ؟
يبقى كلام الرفيق سليمان صحيحاً في جوهره : الطبقة العاملة لم تختف ، بل اتسعت بنيتها وتشظت مواقعها ، لكنها تبقى القوة الاجتماعية القادرة على قلب نظام الاستغلال ، بشرط أن تدرك الفرق بين ما تنتجه ( فائض القيمة ) وما يسلب منها ( الريع الرقمي ) . وانطلاقاً من ذلك ، أقترح :
· العمل على تطوير أشكال تنظيمية جديدة ( نقابات عمالية رقمية ، صناديق تضامن عابرة للحدود ) تتماشى مع الطبيعة اللامركزية للعمل على المنصات ، بحيث تركز نضالها على كشف آلية تحويل أجور العمال وفائض عملهم إلى ريع للمنصات .
· المطالبة بتصنيف عمال المنصات كـ “عمال تابعين” في التشريعات الدولية، وليس مقاولين مستقلين، لرد الاعتبار لعلاقة العمل التبعية، وبالتالي إخضاع عملية الاستيلاء على فائض قيمتهم للرقابة والقوانين العادلة .
· النضال من أجل شفافية الخوارزميات ، لأنها أصبحت مديراً آلياً يتحكم بظروف العمل دون رقابة بشرية ، والمطالبة بحق التدقيق البشري في قراراتها ، لكشف كيف تعمل على تعظيم استخلاص فائض القيمة وتحويله إلى ريع رقمي .
· ربط النضال العمالي بالنضال من أجل ملكية اجتماعية للبيانات والبنية التحتية الرقمية ، فالتحرر من الاستغلال لا يكتمل دون انتزاع وسائل الإنتاج الجديدة من قبضة الاحتكارات ، أي نقل ملكية أدوات الاستيلاء على فائض القيمة (الريع الرقمي) إلى القطاع العام أو الاجتماعي ، مع بقاء عملية التخطيط للإنتاج خاضعة للرقابة الجماعية ، لا للسوق والاحتكار .
