حوار متخيل بين كارل ماركس ومايكل هاينريش حول العامل والمنصة والذكاء الاصطناعي والقيمة والثورة .

سليمان أحمد

الجزء الثاني والأخير

جلس ماركس أمام شاشة واسعة تعرض صوراً متتابعة لعالم العمل، مصنع من القرن التاسع عشر ثم مستودع آلي ثم عامل توصيل يحمل هاتفاً ذكياً ثم مركز بيانات تضيء فيه آلاف الخوادم .

وكان مايكل هاينريش يقف إلى جانبه .

ماركس : قل لي يا هاينريش .. هل صاحب المنصة رأسمالي ..؟

هاينريش : في حالات كثيرة نعم .. لكن علينا أن نكون دقيقين، لا يكفي أن يمتلك شخص منصة رقمية كي نصف دخله كله بأنه فائض قيمة .

ينبغي أن نسأل : ما الذي يملكه ..؟ وما العلاقة التي تربطه بالعمل ..؟ وكيف تتحقق أرباحه ..؟ وهل يأتي دخله من الإنتاج الرأسمالي أم من موقع احتكاري أم من ملكية فكرية أم من أشكال الريع ..؟

ابتسم ماركس وقال : إذاً .. عدنا إلى السؤال القديم بثوب جديد .

ليس المهم أن يكون الرأسمالي واقفاً داخل المصنع، ولا أن تكون وسيلة الإنتاج آلة ضخمة من الحديد .

يمكن أن تكون وسيلة الإنتاج خادماً أو شبكة أو برنامجاً أو بنية تحتية رقمية أو منصة تتحكم في الوصول إلى السوق .

المهم هو علاقة الملكية والسيطرة على شروط الإنتاج .

هاينريش : وهنا تكمن أهمية التمييز بين الربح والريع، فالاقتصاد الرقمي يسمح بتراكم ثروات هائلة حول ملكية منصات أو براءات اختراع أو حقوق فكرية أو بنى تحتية يصعب على الآخرين الوصول إليها .

لكن الريع لا ينبغي أن يفهم بوصفه بديلاً عن فائض القيمة، فالريع يستطيع أن يكون طريقة لاقتطاع جزء من القيمة المتحققة اجتماعياً، خصوصاً عندما تمنح الملكية أو الاحتكار صاحبه قدرة استثنائية على الاستحواذ على الدخل .

هز ماركس رأسه وقال : هذا مهم

فإذا تغير شكل الملكية، لا يعني ذلك أن علينا التخلي عن تحليل رأس المال .

السؤال يبقى : من يملك وسائل الإنتاج ..؟ ومن يضطر إلى بيع قوة عمله ..؟

ومن يسيطر على عملية الإنتاج ..؟ وكيف يتحول العمل الاجتماعي إلى ثروة خاصة ..؟

هل أصبح العامل أكثر حرية .. ؟

ظهرت على الشاشة صورة لعامل مصنع من القرن التاسع عشر، ثم صورة لعامل توصيل معاصر .

ماركس : انظر إلى هذا العامل !

في المصنع كان رأس المال يفرض عليه إيقاع الآلة وساعات العمل والمكان والانضباط .

أما اليوم فقد يعمل من منزله أو من سيارته أو على دراجته أو من هاتفه .

فهل أصبح أكثر حرية ..؟

هاينريش : ليس بالضرورة، فتغير شكل السيطرة لا يعني اختفاءها، قد تتحول الإدارة المباشرة إلى خوارزمية، والتعليمات المكتوبة إلى نظام تقييم آلي، ورئيس العمال إلى تطبيق يحدد المهمة والأجر والأولوية .

ماركس :

إذاً .. لم تختف علاقة التبعية، لقد أصبحت أكثر مرونة وأحياناً أكثر غموضاً .

في المصنع كان العامل يعرف أين يبدأ العمل وأين ينتهي، أما اليوم فقد يحمل مكان العمل معه طوال اليوم، الهاتف يمكن أن يكون مكتباً .

هل التكنولوجيا تقود للثورة ..؟

سأل هاينريش : لكن البعض يقول إن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيغيران العالم جذرياً، هل يمكن للتكنولوجيا نفسها أن تقود إلى الثورة ..؟

ضحك ماركس : الثورة ليست تطبيقاً جديداً يحمّل على الهاتف ..!

التكنولوجيا تغير شروط الصراع، لكنها لا تحسم الصراع

إن امتلاك آلة أكثر تطوراً لا يحدد وحده طبيعة المجتمع، السؤال المهم هو :

من يملك هذه الآلة ..؟

إذا امتلكها عدد محدود من الشركات، فقد تتحول زيادة الإنتاجية إلى بطالة وتركيز للثروة وزيادة في السيطرة .

أما إذا أصبحت القوى الإنتاجية ملكاً اجتماعياً، فقد تتحول الزيادة نفسها في الإنتاجية إلى تقليل لوقت العمل وتوسيع لوقت الإنسان الحر .

هنا يصبح التطور التقني ذا معنى إنساني مختلف .

هاينريش : إذاً .. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته .

ماركس : طبعاً لا، المشكلة في العلاقات الاجتماعية التي تستخدم التكنولوجيا وتحدد من يستفيد منها .

فالآلة ليست رأسمالية بطبيعتها، إنها تصبح جزءاً من رأس المال عندما تدخل في علاقة اجتماعية يكون فيها الإنتاج موجهاً إلى تراكم رأس المال وتحقيق فائض القيمة .

هاينريش : لكن العالم الذي نحلله اليوم أكثر تعقيداً بكثير من العالم الذي عاصرته .

لدينا الشركات متعددة الجنسيات ورأس المال المالي وسلاسل الإنتاج العالمية والمنصات والبيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي .

فلماذا تريد منا أن نعود إلى رأس المال الذي كتبته قبل قرن ونصف ..؟

نظر ماركس إليه طويلاً وقال : لأنني لم أكتب وصفاً لمصنع إنجليزي بعينه، كنت أحاول الكشف عن البنية الاجتماعية للرأسمالية .

المصنع يمكن أن يتغير والآلة يمكن أن تتغير والمدير يمكن أن يصبح خوارزمية والسوق يمكن أن ينتقل إلى منصة، لكن علينا أن نعود دائماً إلى الأسئلة الأساسية :

من يملك وسائل الإنتاج ..؟ وكيف تنظم قوة العمل ..؟ وكيف ينتج فائض العمل ..؟ وكيف تتحول القيمة إلى أشكال مختلفة من الدخل ..؟ وكيف يتحقق رأس المال .. ؟ وكيف تتحول القوى الاجتماعية التي ينتجها البشر إلى قوى مستقلة تواجههم وكأنها قوة خارجية ..؟

إذا بقيت هذه الأسئلة، فإن نقد الرأسمالية لم يصبح قديماً لو مر عليها آلاف السنين .

هل نقترب من الشيوعية ..؟

هاينريش : إذا استطاعت الآلات والذكاء الاصطناعي أن تخفض الحاجة إلى العمل البشري، فهل نقترب من الشيوعية ..؟

صمت ماركس لحظة وقال : يمكن أن تقترب بعض شروطها المادية، لكن لا توجد آلة تستطيع أن تنجز المهمة السياسية بدل البشر .

فالشيوعية ليست نتيجة أوتوماتيكية لتطور التكنولوجيا، إنها تتطلب تغييراً في علاقات الملكية والسيطرة .

إذا أنتج المجتمع وفرة هائلة بينما بقيت وسائل الإنتاج مملوكة لأقلية، فإن الوفرة يمكن أن تقترن بالبؤس .

أما إذا أصبحت القوى الإنتاجية اجتماعية الملكية، فإن انخفاض وقت العمل الضروري يمكن أن يعني شيئاً مختلفاً تماماً .. وقتا أكثر للإنسان وتعليماً أكثر وثقافة أكثر وإبداعاً أكثر .

وهنا يظهر المعنى الحقيقي للتقدم .

النظرية والتحرر

نظر ماركس إلى هاينريش وقال : هذه المرة أنا لدي سؤال لك !

هاينريش : تفضل

ماركس : بعد أن نفهم الرأسمالية، ماذا نفعل بهذا الفهم ..؟

هاينريش : نحاول إعادة بناء النظرية بصورة دقيقة، ونمنع اختزالها في شعارات أو قراءات سطحية .

ماركس : هذا ضروري، لكن لا تنس أن النظرية ليست قبراً نسكن فيه .

نحن لا ندرس الرأسمالية لكي نعرف فقط كيف تعمل، ندرسها لأن ملايين البشر يعيشون داخل علاقاتها، ولأن هذه العلاقات ليست قدراً أبدياً .

هاينريش : أنت تعود دائما إلى السياسة ( وهو يضحك )

ماركس : لأن الاقتصاد السياسي نفسه يتعلق بعلاقات القوة والملكية والصراع الاجتماعي، حتى عندما يحاول تقديم نفسه بوصفه علماً محايداً .

هاينريش : وربما تكون مهمتي كباحث أن أذكر الثوريين بأن الرغبة في التغيير لا تكفي .

ماركس : وأنا أذكر الباحثين بأن التحليل الذي يكتفي بفهم العالم، من دون التفكير في إمكان تغييره، يمكن أن يتحول إلى معرفة متخصصة منفصلة عن الصراع الاجتماعي .

هاينريش : إذاً .. نحتاج إلى الاثنين .

ماركس : نعم

قام ماركس من مكانه، سأله هاينريش : إلى أين ..؟

ابتسم ماركس : إلى العالم ..

فلا يزال أمامنا الكثير مما ينبغي فهمه والأهم .. الكثير مما ينبغي تغييره .

اترك تعليقاً

Scroll to Top