أجرى الحوار : سليمان أحمد
في الساعة العاشرة صباحاً من يوم الجمعة، الثالث عشر من أيار 2044، كنتُ على موعد، أمام مشفى المواساة مع الشاعر رياض الصالح الحسين رأيته يخرج ببطء من الباب الحديدي، يحمل دفتراً صغيراً، ويرتدي معطفاً رمادياً خفيفاً.
بدا أصغر من عمره، كأنّ الموت أعاد إليه السنوات التي أتلفها المرض
اقتربتُ منه وسلمت عليه
عرّفته باسمي، سليمان أحمد
أومأ برأسه فقط
فهمتُ فوراً أنّه لم يسمع باسمي من قبل
شعرتُ بخيبةٍ عابرة
فالأموات، كما كنتُ أتخيّل، يتابعون الشعر أكثر من الأحياء، وطالما أنّ رياضاً لا يعرفني، فهذا يعني أنّني ما زلتُ شاعراً مغموراً .
قلتُ له مبتسماً :
ـ تبدو أكثر شباباً مني، وأنت في التسعين .
ابتسم بخفةٍ، ثم كتب على دفتره :
” الموتُ يخفّف التجاعيد
لكنّه لا يعالج الحزن “
سرنا باتجاه مترو الدوّار الشمالي
كانت دمشق تشبه رجلاً خرج لتوّه من حرب طويلة ولم يجد وقتاً كي يبكي
أبنية جديدة ترتفع فوق خراب قديم، شاشات إلكترونية بعضها معطّلة، جنود عند التقاطعات، وأطفال يبيعون القهوة والسجائر الإلكترونية .
سألته :
ـ هل تغيّرَ العالم كثيراً منذ آخر مرة رأيتَ فيها نزيه أبو عفش ومهدي محمد علي؟
كتب بعد صمت قصير:
” لا أعرف ..
ما زال الفقراء متعبين “
ثم أضاف :
” تغيّرت أسماء الإمبراطوريات والطغاة
ومازالت صديقتي تفر إليّ سرباً من الذعر “
دخلنا المترو..
جلس قرب النافذة كأنّه يعرف هذا الخط منذ طفولته
كان يراقب وجوه الناس طويلاً، ثم كتب :
” البشر يزدادون وحدة “
قلت :
ـ رغم كل هذا التواصل؟
هزّ رأسه :
ماذا نفعل إذا الكلام كثير
والحياة قليلة “
في المحطة التالية صعدت فتاة تحمل ورداً وياسميناً
نظر إليها طويلاً
كانت عيناه مصابيح من النيون والعتمة الطبقية
ثم كتب :
” الحبّ ينقذ العالم أحياناً “
قلت :
ـ ما زلتَ تؤمن بذلك؟
ابتسم :
” ليس دائماً ..
ولكن كيف نخترق شارع المذبحة مرفوعي الرأس “
صمت قليلاً، ثم كتب :
” الإنسان الذي لا يحب
يتحوّل بسهولة إلى موظف في الحرب “
ضحكتُ أنا
لكنّه لم يضحك
كانت عيناه بعيدتين جداً
قلت له :
ـ وهل ما زلت تؤمن بالشعر؟
فكّر قليلاً، ثم كتب :
” الشعر لا يغيّر العالم “
توقّف لحظة، ثم أضاف :
” لكنّه يمنع العالم
من أن يتحوّل إلى مصحّة ومسلخ “
كنتُ أشعر أنّه يبكي من الداخل
عاد وكتب :
” كنتُ أحبّ القصائد البسيطة
القصائد التي يستطيع العمّال قراءتها في الباصات وورشات الخياطة والفلاحون في الحقول “
وأضاف :
” الكلمات المتعالية
تشبه الوزراء وربطات العنق “
سألته :
ـ هل كنت حزيناً إلى هذا الحد فعلاً؟
ابتسم بحزن خفيف :
” كنتُ خائفاً أكثر ممّا كنتُ حزيناً
كنت أرى العالم يتفكك ولا يبقى سوى الخراب والألم
قلت :
ـ لكنك كنت تجعل الحزن جميلاً !!
توقّف عن الكتابة
نظر إلى الناس حوله :
إلى الباعة، والعشاق، والمتعبين
ثم كتب :
” الجمال ليس عكس الحزن
أحياناً يكون طريقته الوحيدة كي يُحتمل “
خرجنا من المحطة
كان المطر خفيفاً، ونادراً ما تمطر دمشق في أيار
سألته :
ـ ماذا حدث لشخصيات قصائدك؟
الطفل الذي كان يركب دراجة من عظام؟
المرأة الزرقاء؟
الآنسة س؟
هل ماتوا جميعاً ؟
توقّف قليلاً، ثم كتب :
” لا أحد يموت داخل القصائد
يموت الشعراء فقط “
وأشار إلى طفل يبيع العلكة قرب الإشارة :
” ذلك الطفل مثلاً ..
ربما هو نفسه الطفل الذي خرج من المقبرة “
شعرتُ بقشعريرة
سرنا بصمت
ثم سألته :
ـ والمرأة الزرقاء؟
ابتسم بحزن هذه المرة :
“المرأة الزرقاء كانت الحياة أحياناً،
وكانت الحلم المستحيل أحياناً أخرى
كل رجل محطّم يحتاج امرأة زرقاء
كي لا ينتحر “
قلت :
ـ والآنسة س صاحبة الشعر الخرنوبي والقلب الطيب كدراقة ؟
ضحك بصوت خافت،
كأنّه لم يستخدم حنجرته منذ زمن طويل
ثم كتب :
” كانت محاولة صغيرة
لإنقاذ الجمال من البربرية
كانت امرأةً وحلماً ومدينةً صغيرةً في الوقت نفسه “
تأمّل المارة قليلاً، ثم أضاف :
” الحبّ في بلادنا
كان دائماً مشروعاً سرّياً
مثل منشور سياسي ممنوع “
وصلنا إلى جسر مرتفع يطل على المدينة
السيارات تمرّ كالرصاص، والشاشات الإلكترونية تبيع كلّ شيء :
الهواتف، الأحزاب، الذكريات، وحتى الأحلام .
قلت :
ـ ما زلتَ تؤمن بالوضوح؟
بأن تكون القصيدة بسيطة كالماء وواضحة كطلقة مسدس؟
هزّ رأسه بقوة، ثم كتب بسرعة :
” الشعر الغامض ليس عميقاً دائماً
أحياناً يكون ضباباً فقط “
وأضاف :
” كنتُ أريد لغةً تشبه الناس
واضحةً كطلقة مسدس
لأن الرصاصة لا تحتاج إلى شرح “
قلت له :
ـ وهل ما زلت ترى سوريا
عظمة بين أسنان كلب؟
نظر إلى المدينة طويلاً
طويلاً جداً
ثم كتب جملته الأخيرة قبل أن يرحل :
” الآن صارت عظمةً
بين أسنان ضباع العالم كلّه “
وأغلق دفتره .
عندها فقط أدركتُ أن رياض الصالح الحسين، حتى بعد موته بعشرات السنين، ما زال يرى الخراب بوضوح مرعب، وما زال يحاول، بقصيدة صغيرة، أن ينقذ ما تبقى من الإنسان .
الصور معمولة بتقنية الذكاء الاصطناعي

