سليمان أحمد
الرئيس الأمريكي، الذي اعتاد الظهور بخطاب القوة والفوقية، بدا أكثر حذراً وهو يدخل قاعة الاجتماعات الصينية محاطاً بوزرائه وكبار رجال الأعمال الأمريكيين، وعلى رأسهم إيلون ماسك .
حتى التفاصيل الصغيرة كانت كاشفة، أجهزة الاتصال الخاصة أودعت جانباً، واستُبدلت بأجهزة جديدة خالية من أي معلومات حساسة، خشية التنصت الصيني .
قد تبدو هذه الإجراءات شكلية، لكنها تعبّر عن حقيقة سياسية عميقة :
الولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الصين بوصفها ( ورشة العالم ) فقط، بل بوصفها نداً كاملاً، ومركز قوة قادراً على تهديد الهيمنة الأمريكية ذاتها.
فبعد عقود من الحروب الاقتصادية والعقوبات والحصار التكنولوجي ومحاولات الاحتواء العسكري في بحر الصين الجنوبي وتايوان، اكتشفت واشنطن أن المارد الصيني لم يتراجع، بل ازداد صلابة واتساعاً .
لكن السؤال الأهم يبقى :
ما طبيعة هذا المارد؟
هل نحن أمام نموذج اشتراكي يناقض الرأسمالية الغربية، أم أمام قطب جديد خرج من داخل المنظومة الرأسمالية نفسها؟
الحقيقة أن وجود الحزب الشيوعي الصيني في الحكم لا يغيّر من طبيعة علاقات الإنتاج القائمة .
فالاقتصاد الصيني، رغم خصوصيته السياسية، يقوم عملياً على التراكم الرأسمالي، وعلى المنافسة والاحتكار واستغلال قوة العمل، سواء داخل الشركات الخاصة أو في الشركات العملاقة التي تديرها الدولة .
فالعامل الصيني الذي ينتج الهواتف والسيارات والرقائق الإلكترونية لا يعيش خارج قانون الربح الرأسمالي، بل داخل أحد أكثر أشكاله انضباطاً .
ولهذا يبدو وصف الصين بأنها ( اشتراكية قائمة بالفعل ) أقرب إلى التوصيف الأيديولوجي منه إلى التحليل الاقتصادي .
فكارل ماركس حين تحدث عن ( القانون العام للتراكم الرأسمالي ) أشار بوضوح إلى أن تراكم الثروة في قطب يقابله بالضرورة تراكم للبؤس في القطب الآخر.
وهو ما يمكن رؤيته اليوم في اتساع الفجوة الطبقية داخل الصين نفسها، بين المدن الساحلية الثرية وملايين العمال المهاجرين القادمين من الأرياف، أو في ظروف العمل القاسية داخل مصانع التكنولوجيا العملاقة التي دفعت بعض الشركات سابقاً إلى تركيب شبكات حماية حول المباني لمنع انتحار العمال .
إذاً، نحن لا نتحدث عن صراع بين الرأسمالية والاشتراكية، بل عن إعادة اقتسام للنفوذ من داخل المنظومة الرأسمالية العالمية نفسها .
انحسار أمريكي .. وتزايد نفوذ صيني
على طاولة الحوار بين ترامب وشي جين بينغ لم يكن هناك ملف واحد، بل حزمة من الصراعات الكبرى :
التجارة العالمية، الرسوم الجمركية، تايوان، الذكاء الاصطناعي، سلاسل التوريد، الطاقة، النفوذ في الشرق المتوسط وايران، وحتى شكل النظام الدولي القادم .
كانت واشنطن تدرك أن معركتها مع الصين ليست عسكرية فقط، بل معركة اقتصادية بالدرجة الأولى .
وهنا الأرقام تتحدث بوضوح :
الناتج المحلي الأمريكي يبلغ نحو 28.7 تريليون دولار، مقابل 18.7 تريليون للصين، لكن الفارق الحقيقي يكمن في معدل النمو .
فالاقتصاد الصيني حافظ لعقود على معدلات نمو قاربت 9%، بينما دار النمو الأمريكي حول 2 إلى 3% فقط .
وهذا يعني أن الصين لا تزال تتحرك بسرعة تاريخية أعلى بكثير من خصمها الأمريكي .
ولهذا لم تعد التوقعات التي تتحدث عن تجاوز الصين للاقتصاد الأمريكي بين عامي 2030 و2035 مجرد دعاية سياسية، بل احتمالاً واقعياً تتعامل معه المؤسسات المالية العالمية بجدية .
وما يزيد القلق الأمريكي هو أن الصين لم تعد مجرد مصنع للبضائع الرخيصة، بل دخلت بقوة إلى المجالات التي اعتبرتها واشنطن حكراً عليها :
الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، الاتصالات، السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة .
فشركة مثل BYD الصينية بدأت تهدد هيمنة شركات أمريكية وأوروبية عريقة في سوق السيارات الكهربائية، بينما تحولت هواوي، رغم العقوبات الأمريكية، إلى رمز لقدرة الصين على كسر الحصار التكنولوجي .
وفي المقابل، يواجه الاقتصاد الأمريكي أزمات بنيوية متفاقمة .
فالدين العام الأمريكي تجاوز 39 تريليون دولار، أي ما يفوق 136% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يتصاعد العجز التجاري بشكل مزمن، خصوصاً مع الصين نفسها.
وفي عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 658 مليار دولار، استوردت الولايات المتحدة منها ما قيمته 463 مليار دولار، مقابل صادرات أمريكية إلى الصين بقيمة 195 مليار فقط، بعجز هائل يصل إلى 42% ويكشف حجم الاعتماد الأمريكي على الصناعة الصينية.
الأخطر من ذلك بالنسبة للأمريكان أن الصين أصبحت خلال العقد الأخير الشريك التجاري الأول لمعظم دول العالم، من ألمانيا إلى البرازيل وروسيا ودول الخليج، فيما أخذ النفوذ التجاري الأمريكي يتراجع تدريجياً .
لهذا يرى اقتصاديون أمريكيون مثل ريتشارد وولف أن الولايات المتحدة تواجه بداية انحدار إمبراطوري يشبه ما عرفته قوى كبرى سابقة، من الإمبراطورية البريطانية إلى العثمانية .
فالإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء، تبدأ بالأزمات الاقتصادية، ثم بالاستقطاب الداخلي، ثم بفقدان القدرة على فرض الإرادة على العالم .
لكن ذلك لا يعني أن الصين تحمل مشروعاً إنسانياً بديلاً، بقدر ما يعني أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التعددية القطبية، حيث تتصارع المراكز الكبرى على النفوذ والأسواق والطاقة والتكنولوجيا.
إنه انتقال من هيمنة القطب الواحد إلى صراع العمالقة داخل النظام نفسه،
صراع لا يدور من أجل العدالة، بل من أجل من يقود الرأسمالية العالمية في القرن الحادي والعشرين
