سليمان أحمد
لم تكن الدولة القومية مجرد إطار سياسي نشأت الرأسمالية داخله، بل كانت أحد شروط تشكل السوق الرأسمالية الحديثة، فقد وحدت السوق وثبتت الملكية ونظمت العمل والعملة والقانون والضرائب والبنية التحتية والحماية .
لذلك ارتبط صعودها تاريخياً بصعود البرجوازية والسوق القومية .
لكن الرأسمالية تحمل منذ البداية تناقضاً جوهرياً .. فهي تحتاج الدولة القومية كي تتشكل، ولكنها مضطرة إلى تجاوز حدودها من أجل عملية التراكم، ماركس وانجلز التقطا هذا الجانب مبكراً عندما تحدثا عن تحول الانتاج والاستهلاك إلى طابع كوسموبوليتي وعن النزعة التوسعية للرأسمالية ونشوء السوق العالمية .
في الرأسمالية الصناعية المبكرة كانت السوق القومية مهمة للغاية، ثم توسعت التجارة الخارجية والاستعمار والبحث باستمرارعن أسواق جديدة وموارد أرخص وقوة عمل أقل كلفة ومجالات أوسع للاستثمار، ومن هنا بدأ الانتقال من السوق القومية إلى التجارة العالمية وثم الشركات متعددة الجنسيات وسلاسل الانتاج العالمية وتدويل المال وصولا إلى الاقتصاد الرقمي والمنصات .
وتسارعت هذه العملية منذ أزمة السبعينيات مع النيوليبرالية وتحرير حركة رأس المال وتدويل الانتاج
لم تختف الدولة القومية.. بل تغيرت وظيفتها
لم تختف الدولة القومية لأنها ما زالت حاجة رأسمالية، فالرأسمال العالمي رغم قدرته على عبور الحدود، لا يستطيع العمل دون دولة توفر القانون وتحمي الملكية الخاصة وتنظم الأسواق وتدير العملة والأزمات وتوفر البنية التحتية وتضبط قوة العمل والحدود وتحمي المصالح الاقتصادية عند الضرورة بالقوة .
والمفارقة أن الشركات تعمل عبر عشرات الدول وسلاسل الانتاج تتوزع عالمياً والأسواق المالية لا تعرف حدوداً، لكن العمال والكادحين مازالوا محكومين بقوانين وأجور واجراءات دول وطنية مختلفة وحركتهم تخضع لتقييدات واعتبارات كثيرة .
فالرأسمال أصبح عالمياً بينما بقيت السلطة السياسية مجزأة قومياً .
ومن هنا تصبح الأممية العمالية ضرورة مادية تفرضها عالمية رأس المال، لا مجرد شعار تضامني .
الامبريالية والدولة القومية ..
الامبريالية الكلاسيكية التي تحدث عنها لينين كانت مرتبطة ارتباطاً قوياً بالدولة القومية، الدولة تحمي رأسمالها والرأسمال يبحث عن مناطق استثمار والدولة تتدخل وتنشأ المنافسة بين القوى الامبريالية وكانت تؤدي إلى الحروب والنزاعات المسلحة .
لكن الامبريالية المعاصرة أوجدت أشكالاً أكثر تعقيداً، اليوم يمكن لرأس المال أن يدخل بلداً دون احتلال عسكري وأن يسيطر على قطاعات اقتصادية دون إدارة سياسية مباشرة وأن يمارس نفوذاً عبر التمويل والتكنولوجيا والملكية الفكرية والديون والشركات والمنصات .
وأمام هذا التحول ذهب بعض المنظرين إلى تبني وجهة نظر، أن تدويل الانتاج والمال وصعود الشركات العابرة للقوميات أضعف مركزية الدولة القومية وأنتج شكلاً جديداً من السلطة الرأسمالية العابرة للحدود، وبالتالي الزعم ان الامبريالية تجاوزت طبيعتها نتيجة اختفاء بعض خصائصها المتعلقة بالدولة .
أما منظرين آخرين كديفيد هارفي وكريستيان فوكس وأليكس كالينيكوس، أكدوا أن تدويل رأس المال لم يلغ الدولة ولا التنافس الجيوسياسي بين القوى الرأسمالية، وإنما أعاد تشكيل العلاقة بين رأس المال والدولة وبالتالي مازال المفهوم اللينيني للامبريالية يحتفظ براهنيته وقوته، والصراع الأمريكي الصيني حول التكنولوجيا والطاقة والموارد الاستراتيجية وسلاسل الانتاج يؤكد أن عولمة الرأس المال لا تلغي التنافس والصراع بين الدول، بل تعيد انتاجه في أشكال جديدة .
لذلك فإن القول بأن عصر الدولة القومية انتهى غير دقيق، الذي يتآكل هو نموذج الدولة القومية بوصفها وحدة اقتصادية مكتفية وقادرة على تنظيم معظم شروط التراكم داخل حدودها، أما الدولة نفسها فلم تختف بل أصبحت أضعف أمام حركة الرأسمال في بعض المجالات وأكثر قوة في مجالات أخرى، أنها تعيد تشكيل نفسها لتصبح وسيطاً بين الاقتصاد الوطني والسوق العالمية .
ومن هنا يمكن صياغة التناقضات التالية :
رأس مال عالمي ودولة قومية، إنتاج عالمي وقوة عمل مجزأة بين دول، شركات عابرة للحدود وقوانين وطنية مختلفة، سوق عالمية وتنافس جيوسياسي .
والسؤال يبقى .. كيف يمكن أن يستمر وإلى متى، تدويل الانتاج والرأس المال وتبقى السلطة السياسية والصراع الطبقي محكومين إلى حد كبير بحدود قومية .
الدولة القومية وحركات التحرر في آسيا وأفريقيا ..
لم تكن الدولة القومية في آسيا وأفريقيا نتاجاً طبيعياً لمسار داخلي كما حصل في أوروبا، بل تشكلت في قلب الصراع مع الاستعمار الكولونيالي وفي ظل إدماج قسري للمجتمعات المستعمرة في النظام الرأسمالي العالمي .
فقد أدى الاستعمار إلى تفكيك الكثير من البنى الاقتصادية والاجتماعية القديمة وربط الانتاج المحلي بحاجات السوق العالمية وتحويل المستعمرات إلى مصادر للمواد الاولية والاسواق والزراعة، لكنه في الوقت نفسه أوجد بعض الشروط الموضوعية لنشوء الدولة الحديثة والوعي القومي، عبر توحيد مجالات إدارية واسعة وتطوير المدن والمواصلات والتعليم ونشوء طبقات وفئات اجتماعية جديدة من المثقبين والتجار والموظفين والعمال .
ومن هذه التناقضات ولدت حركات التحرر الوطني، فقد تحولت القومية في المستعمرات إلى أداة لمقاومة السيطرة الأجنبية واستعادة السيادة السياسية والاقتصادية، ووجدت قطاعات من البرجوازية المحلية فيها وسيلة للتحرر من هيمنة رأس المال الأجنبي وبناء سوق وطنية مستقلة .
ومع انتصار الثورة البلشفية في روسيا الاتحادية وانتشار الأفكار الاشتراكية في مختلف دول العالم ومن بينها المستعمرات ونشوء الأحزاب الشيوعية والعمالية، أخذت حركات التحرر تستقطب العمال والفلاحين الذين سعوا إلى ربط التحرر الوطني بالعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستغلال الطبقي .
ولهذا اكتسبت حركات التحرر بعداً تقدمياً وأصبحت التحرر الوطني وانهيار النظام الكولونيالي في عدد من التجارب التجارب الآسيوية والافريقية مدخلا إلى مشاريع التصنيع والتنمية المستقلة والاشتراكية .
تحررت دول آسيا وأفريقيا من الاستعمار بوصفه سلطة سياسية مباشرة، لكنها لم تتحرر بالضرورة من البنية الاقتصادية التي وضعها الاستعمار داخل النظام العالمي، فقد انتقلت العلاقة من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على شروط الاندماج في السوق العالمية، وأصبحت الدولة الوطنية رغم سيادتها السياسية الشكلية، تعمل داخل فضاء اقتصادي تحدده بدرجات متفاوتة حركة رأس المال العالمي والتجارة الدولية والتكنولوجيا والتمويل وسلاسل القيمة العابرة للحدود .
وهكذا لم تختف علاقة المركز والأطراف بانتهاء الاستعمار، بل أعيد إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً فمن الاستعمار المباشر إلى التبعية الاقتصادية والمالية والتكنولوجية .
لكن الصورة ليست واحدة في كل آسيا وأفريقيا، فقد استطاعت بعض الدول من بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية لها كما في الصين والهند نوعاً ما، وحافظت بعض الدول على استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي رغم المقاطعة والحصار الامبريالي كما في ايران وفي بعض التجارب الحديثة في أفريقية، بوركينا فاسو ومالي والنيجر .
هل مازال انشاء كيانات قومية جديدة ممكناً ..
لا يعني تراجع الوظيفة الاقتصادية التقليدية للدولة القومية، أن كل مشروع لبناء دولة قومية جديدة يمثل تكراراً لظروف نشوء الدولة القومية في بدايات الرأسمالية، فقد ارتبط تشكل الدول القومية الأوروبية تاريخياً بتوحيد السوق وصعود البرجوازية القومية وتطور الانتاج الرأسمالي .
لذلك فان نشوء دولة قومية جديدة في ظل هيمنة الرأسمال على العالم، أو تفكيك دولة متعددة القوميات ينبغي فهمه من خلال تفاعل عاملين :
التناقضات القومية والاجتماعية الداخلية ووجود نوع من الاضطهاد القومي
وموازين القوى والصراعات الجيوسياسية وتدخلات القوى الامبريالية
فوجود قضية قومية حقيقية وحق شعب في تقرير مصيره، لا يعني ان كل مشروع قومي مستقل يخلو من التوظيف الامبريالي، إذ تستطيع القوى الامبريالية الكبرى استثمار التناقضات القومية القائمة واستخدامها للضغط على خصومها، دون أن يعني ذلك أن القومية نفسها صناعة امبريالية
وحسب لينين .. لا يكفي الصيغة التالية من السؤال :
هل نؤيد الدولة القومية أم نرفضها ..؟
بل يجب تحليل طبيعة الحركة القومية وقاعدتها الطبقية ومشروعها الاقتصادي وعلاقاتها مع القوى الامبريالية، وما إذا كان الاستقلال يوسع قدرة الشعب على تقرير مصيره والتحكم بموارده، أم ينقل تبعيته من دولة إلى أخرى داخل النظام الرأسمالي العالمي .
وهنا يبقى حق تقرير المصيرلجميع القوميات والشعوب مبدأً، بينما شكل الدولة ونتائج المشروع القومي مسألة تاريخية وطبقية وسياسية .
