سليمان أحمد
بداية من هم المستخدمون في المنصات ..؟
المستخدمون في المنصات الرقمية هم كل الأشخاص أو المؤسسات الذين يتفاعلون مع المنصة ويولدون بدرجات مختلفة بيانات أو محتوى أو طلباً على خدماتها .
ولا يقتصر الأمر على من ينشرون المحتوى، بل يشمل كل من يستخدم المنصة بأي شكل، ومن أبرز الفئات:
المستخدمون العاديون : يتصفحون المحتوى ويضغطون على الروابط ويسجلون الإعجاب والتعليقات ويشاهدون الفيديوهات ويبحثون عن المعلومات .
صناع المحتوى : يكتبون المقالات والمنشورات وينشرون الصور والفيديوهات ويبثون مباشرة ويديرون الصفحات والقنوات .
المعلنون والبائعون ومقدمو الخدمات : الشركات والأفراد الذين يشترون الإعلانات أو يبيعون المنتجات والخدمات عبر المنصة، مثل التجار على أمازون أو السائقين على أوبر أو أصحاب المتاجر على شوبيفاي .
المطورون : يبنون تطبيقات وخدمات تعتمد على المنصة .
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يتركز النقاش بصورة خاصة على المستخدمين العاديين وصناع المحتوى، لأن نشاطهم يولد بيانات ومحتوى وانتباهاً تستثمرها الشركات .
وتشكل هذه العناصر جزءاً من المادة التي تستثمرها شركات مثل الفيسبوك وغوغل وتيك توك وغيرها، في الإعلانات وتحليل السلوك وتطوير الخدمات وتدريب بعض نماذج الذكاء الاصطناعي .
نعود إلى السؤال :
هل نشاط المستخدمين على المنصات يعد عملاً منتجاً للقيمة..؟
هذا بالفعل أحد النقاشات الهامة في الاقتصاد السياسي الماركسي المعاصر، ويمكن تلخيصه في اتجاهين رئيسيين :
الاتجاه الأول : نعم .. نشاط المستخدمين عمل منتج للقيمة
يمثله بصورة بارزة كريستيان فوكس مؤلف كتاب ( إعادة قراءة ماركس في عصر الرأسمالية الرقمية ) وهو نمساوي ويعمل أستاذاً في جامعة وستمنستر البريطانية ومديراً لمعهد أبحاث الاتصال والإعلام فيها ، الذي يرى أن المستخدم لا يستهلك فقط وإنما ينتج محتوى وبيانات وانتباها يمكن أن تستثمره الشركات تجارياً .
فالمستخدم ينتج نصوصاً وصوراً وفيديوهات وتعليقات وينتج بيانات عن سلوكه ويساهم في تشكيل قواعد البيانات ويخلق حركة المرور التي تجعل الإعلانات أكثر قيمة ويساهم في تحسين الخوارزميات والخدمات .
ومن هذا المنظور .. يمكن اعتبار الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة جزءاً من نشاط اقتصادي غير مأجور، وتصبح المنصة قادرة على استخراج قيمة من هذا النشاط .
ويرى فوكس أن الرأسمالية الرقمية وسعت مفهوم العمل المنتج بحيث لم يعد العمل محصوراً في العامل المأجور التقليدي !!، وإنما يمكن أن يشمل بعض أشكال النشاط غير المأجور للمستخدمين .
الاتجاه الثاني : لا .. المستخدم لا ينتج قيمة مباشرة
يذهب باحثون ماركسيون آخرون إلى رفض توسيع مفهوم العمل المنتج بهذا الشكل، ومن بينهم مايكل هاينريش وهو باحث في النظرية الماركسية والاقتصاد السياسي ألماني الجنسية وله كتب عن نظرية القيمة والرأسمال وتطور فكر ماركس، ويشاطره الرأي أيضا الجغرافي والباحث الماركسي الشهير ديفيد هارفي، مع اختلافات مهمة في تفاصيل مواقف الباحثين الذين يندرجون ضمن هذا النقاش .
وينطلق هذا الاتجاه من مفهوم العمل المنتج عند ماركس، حيث لا يكفي أن يكون النشاط مفيداً لرأس المال لكي يصبح منتجاً للقيمة .
فالمستخدم العادي لا يبيع قوة عمله للمنصة، ولا يدخل عادة في علاقة عمل رأسمالية مباشرة معها .
وبالتالي .. فإن إنتاج البيانات أو تصفح المحتوى أو تسجيل الإعجاب لا يعني تلقائياً إنتاج قيمة بالمعنى الماركسي .
ويمكن أن تكون البيانات التي يولدها المستخدم مادة خام أو مورداً استراتيجياً يساعد الشركة على تعزيز احتكارها وتحقيق الأرباح، دون أن يعني ذلك أن المستخدم أنتج مباشرة فائض قيمة بالمعنى نفسه الذي ينتجه العامل المأجور داخل عملية إنتاج رأسمالية .
أين يكمن الخلاف الحقيقي ..؟
الخلاف ليس حول أهمية البيانات، بل حول سؤال نظري دقيق :
هل النشاط المجاني للمستخدم يرقى إلى مستوى العمل المنتج عند ماركس ..؟!
إذا كانت الإجابة نعم .. فإن المستخدم ينتج قيمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن عملية الإنتاج الرقمي .
أما إذا كانت الإجابة لا .. فإن المستخدم ينتج بيانات ومحتوى ونشاطاً اجتماعياً تستثمره المنصة، بينما تتحقق أرباحها من خلال الإعلان والاحتكار والريع والسيطرة على الأسواق، ومن خلال فائض القيمة المنتج في الاقتصاد الأوسع .
فلنناقش هذا الأمر بالعودة إلى العمل ونظرية القيمة وفائض القيمة لكارل ماركس في كتابه رأس المال المجلد الأول، وخاصة الفصل السابع عملية العمل وإنتاج فائض القيمة وفصول أخرى من الكتاب وكذلك مخطوط كتابه الذي نشر بعد وفاته تحت اسم جروندريسة .
فإذا التزمنا بالمعيار الصارم للعمل المنتج عند ماركس، فإن الاتجاه الثاني هو أقرب إلى التعريف الأصلي .
حسب ماركس .. لانتاج القيمة وفائض القيمة يتطلب ثلاثة شروط أساسية :
بيع قوة العمل أو دخولها في علاقة إنتاج رأسمالية .
استخدام قوة العمل من قبل رأس المال .
دخول العمل في عملية إنتاج ينتج عنها فائض قيمة لرأس المال .
وهذه الشروط لا تنطبق عادة على المستخدم العادي الذي يتصفح منصة أو يضع إعجاباً أو ينشر صورة دون أن يدخل في علاقة عمل مع المنصة .
ولهذا يمكن القول إن المستخدمين يساهمون في خلق أصول رقمية وشبكات وبيانات وانتباه تمكن الشركات من زيادة قدرتها على تحقيق الربح والاحتكار والاستيلاء على فائض القيمة، لكن مساهمتهم لا تجعلهم تلقائياً عمالاً منتجين للقيمة وفق التعريف الماركسي الكلاسيكي .
وهذا التمييز ضروري حتى لا نخلط بين النشاط الاقتصادي المفيد لرأس المال وبين العمل المنتج للقيمة .
