في نقد القراءة المنهجية للتجربة الصينية.. (طبيعة النظام_الدولة _السوق العالمية)

سليمان أحمد

أتوجه بداية بالشكر إلى الرفيق والباحث الماركسي الدكتور طنوس شلهوب على هذا الحوار الراقي، الذي أراه من النقاشات الفكرية الهامة حول مسألة تستحوذ على اهتمام الكثير من الماركسيين في العالم .

فالمسألة ليست الدفاع عن الصين أو مهاجمتها، بل أصبحت تتعلق بسؤال نظري وسياسي بالغ الأهمية ألا وهو :

ما هو المعيار الماركسي للحكم على طبيعة أي نظام اجتماعي؟

وهل يمكن أن يستمر نظام يحمل اسم ( اشتراكي ) بينما تتوسع داخله علاقات إنتاج رأسمالية لعقود طويلة ..؟

وهنا أوافق الدكتور طنوس .. أن الخلاف بيننا ليس في الوقائع، بل في المنهج الذي نفسر به هذه الوقائع .

يؤكد الدكتور طنوس أن سياسة الإصلاح والانفتاح كانت ضرورة تاريخية لتطوير القوى المنتجة، وأن الاشتراكية لا يمكن أن تبنى في ظل الفقر والتخلف .

لا خلاف على أن تطوير القوى المنتجة شرط مادي أساسي لأي انتقال اشتراكي، فهذا من صلب المادية التاريخية .. لكن السؤال الذي أطرحه :

هل كان ذلك يقتضي، بعد نحو ثلاثة عقود من انتصار الثورة، إدخال علاقات إنتاج رأسمالية بهذا الاتساع ..؟

وهل لا يوجد طريق لتطوير القوى المنتجة سوى إطلاق السوق، وتشجيع الرأسمال الخاص واستقطاب الرأسمال الأجنبي وتحويل الربح إلى المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي …؟

كتجربة تاريخية.. لقد عرف الاتحاد السوفياتي مراحل من التصنيع السريع من دون أن تتحول الرأسمالية إلى نمط مهيمن لعلاقات الإنتاج ، كما أن لينين نفسه عندما أقر السياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب ) وصفها بأنها تراجع تكتيكي مؤقت فرضته ظروف استثنائية ولم يقدمها نموذجاً مستمراً لبناء الاشتراكية .

أما في الصين، فقد مضى على الإصلاح والانفتاح ما يقارب نصف قرن وأصبح اقتصاد السوق هو الإطار العام للاقتصاد، لا استثناء مرحلياً .

وفي موضع آخر من المقال، يرى الدكتور طنوس أنه لا يمكن النظر إلى علاقات الإنتاج بمعزل عن تطور القوى المنتجة وطبيعة السلطة السياسية، ويخلص إلى أن العلاقات الرأسمالية الموجودة في الصين تعمل داخل إطار استراتيجي يرسمه الحزب والدولة .

لكن هنا يبرز السؤال الجوهري ..

هل علاقات الإنتاج مجرد أدوات محايدة ومستقلة، أم أنها تمتلك منطقها الداخلي الذي يعيد إنتاج مصالح طبقية جديدة ..؟

٠إن الماركسية، منذ ماركس وحتى لينين، لم تنظر إلى علاقات الإنتاج بوصفها ظواهر ثانوية يمكن تطويقها سياسياً إلى ما لا نهاية، بل بوصفها الأساس الذي تتشكل عليه الطبقات وموازين القوى والدولة نفسها .

وعندما يصبح القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، مسؤولاً عن أكثر من ستين في المئة من الناتج المحلي، وعن معظم فرص العمل والاستثمارات والصادرات، فهل يجوز الاستمرار في وصفه بأنه مجرد عناصر رأسمالية داخل اقتصاد اشتراكي..؟

إننا هنا لا نتحدث عن عناصر هامشية، بل عن قطاع أصبح يشكل البنية الرئيسية للاقتصاد .

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً إذا تذكرنا التحول الذي جرى عامي 2001 و2002، حين أقر الحزب الشيوعي الصيني نظرية ( التمثيلات الثلاثة ) وسمح رسمياً بانضمام رجال الأعمال وأصحاب الشركات إلى الحزب .

وبالتالي أصبح للبرجوازية نفوذ سياسي داخل الدولة والحزب .

فالحزب الشيوعي وفق التعريف اللينيني هو الطليعة الواعية للطبقة العاملة، فكيف يضم في صفوفه الأعداء الطبقيين وبصفتهم الطبقية وبقوة الدستور الحزبي .

وهل يستطيع حزب شيوعي أن يمثل في الوقت نفسه، مصالح العمال ومصالح الرأسماليين …؟

وإذا أصبح ممثلو الطبقة البرجوازية جزءاً من الحزب الذي يقود الدولة، فكيف يمكن القول إن الحزب ما يزال يمثل حصرياً الطبقة العاملة ..؟

ويؤكد الدكتور طنوس أن السؤال الطبقي لا يتعلق بمن يملك الشركات، بل بمن يملك السلطة السياسية القادرة على توجيه عملية التراكم الاقتصادي، ويعترف في الوقت نفسه بوجود صراع بين الدولة ورأس المال لم يحسم بعد .

غير أن هذا الطرح يتجنب السؤال الأكثر حسماً : ما هي الطبيعة الطبقية لهذه الدولة نفسها ..؟

فالدولة في الماركسية، ليست كياناً فوق الطبقات، بل هي تعبير عن موازين القوى الطبقية، وإذا كان الحزب الذي يقود الدولة يضم في بنيته رجال أعمال وأصحاب شركات، وإذا كانت البرجوازية الخاصة أصبحت جزءاً من النخبة السياسية والاقتصادية، فإن السؤال لم يعد :

هل الدولة تضبط رأس المال …؟

بل :

إلى أي مدى أصبح رأس المال جزءاً من الدولة ذاتها …؟!

كما أن القول إن وجود المليارديرات، واتساع القطاع الخاص، وتعاظم السوق، لا يكفي لتحديد طبيعة النظام، يطرح إشكالية منهجية أخرى .

إذا لم تكن علاقات الإنتاج ولا شكل الملكية ولا التراكم الرأسمالي ولا التكوين الطبقي، هي المعايير الأساسية لتحديد طبيعة النظام الاجتماعي، فما الذي يبقى من التحليل الماركسي …؟

هل تصبح الدولة وحدها هي المعيار؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نكون قد انتقلنا من المادية التاريخية إلى نوع من الإرادوية السياسية، حيث تستطيع الدولة، بإرادتها، أن تعطل قوانين تطور علاقات الإنتاج مهما بلغت درجة توسعها .

ويطرح الدكتور طنوس سؤالاً محيراً حقيقة :

هل يقود رأس المال الدولة أم تقود الدولة رأس المال …؟

في تقديري، هذا السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة …

فالمسألة ليست علاقة خارجية بين طرفين مستقلين ..

بل هي سؤال عن الطبيعة الطبقية للدولة نفسها…!!

فحين تتشكل طبقة رأسمالية ضخمة وتراكم ثروات هائلة، وتصبح ممثلة داخل الحزب والدولة، فإن الحديث عن دولة تقف خارج الصراع الطبقي لتوجه رأس المال يبدو أقرب إلى التجريد منه إلى التحليل المادي .

أما في ما يتعلق بالاندماج في الاقتصاد العالمي، فيميز الدكتور طنوس بين الاندماج بوصفه تبعية والاندماج بوصفه أداة لتطوير القوى المنتجة .

لكن ثمة وصفاً ثالثاً، وهو أن يكون هذا الاندماج جزءاً من منطق التراكم الرأسمالي العالمي نفسه، فالصين اليوم ليست مجرد دولة تستخدم السوق كعنصر مؤقت، بل أصبحت من أكبر مصدري السلع والرساميل، ومن أكبر المستثمرين في العالم، وتمتلك احتياطيات مالية هائلة، واستثمرت تريليونات الدولارات في أدوات النظام المالي العالمي كصندوق النقد والبنك الدوليين، وكذلك في سندات الخزانة الأمريكية، كما تلعب دوراً مؤثراً داخل مؤسسات الاقتصادية الدولية القائمة على نهب العالم، وتتوسع شركاتها في مختلف القارات بحثاً عن الأسواق والموارد والأرباح .

قد يختلف الماركسيون في توصيف هذه الظواهر، لكن من الصعب إنكار أنها تقترب، في كثير من جوانبها، من السمات التي ربطها لينين بتطور الرأسمالية الاحتكارية في مرحلتها العليا .

إن إنجازات الصين الاقتصادية والعلمية والصناعية حقيقة لا يمكن إنكارها، كما أن نجاحها في انتشال مئات الملايين من الفقر يمثل إنجازاً تاريخياً، لكن الماركسية لا تقيس طبيعة النظام بمعدلات النمو، بل بطبيعة علاقات الإنتاج، والطبقة التي تستولي على فائض العمل، والاتجاه التاريخي الذي يتحرك فيه المجتمع

اترك تعليقاً

Scroll to Top