الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي .. الرأسمالية هي الخطر الأعظم على البشرية

سليمان أحمد

أعاد تحذير السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز من السباق المحموم نحو تطوير الذكاء الاصطناعي ومسألة خروجه عن السيطرة، طرح سؤال يبدو تقنياً في ظاهره لكنه في جوهره سؤال اقتصادي وطبقي بامتياز ..

هل تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في التكنولوجيا نفسها أم في رأس المال الذي يملكه ويوجهه ..؟

لا توجد تكنولوجيا محايدة خارج علاقات الإنتاج، فالآلة لا تستغل العامل والخوارزمية لا تستولي على فائض القيمة، الذي يفعل ذلك هو النظام الاجتماعي الذي يضع التكنولوجيا في خدمة الملكية الخاصة والتراكم الرأسمالي .

كان يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون واحدة من أعظم أدوات تحرير الإنسان من خلال زيادة الإنتاجية وتقليل ساعات العمل والقضاء على الأعمال المراهقة وتوسيع الوقت المتاح للإنسان للمعرفة والإبداع والحياة .

لكن الرأسمالية تضع هذه القوة الهائلة في اتجاه آخر، مختلف تماماً .. فما يهم رأس المال ليس ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله للإنسان، بل ما تستطيع أن تفعله للربح .

ولهذا تتسابق الشركات على تطوير الذكاء الاصطناعي لا لأن حاجات البشرية تفرض هذا التسارع، وإنما لأن من يتأخر في السباق قد يخسر السوق أمام منافسيه .

هنا تتحول المنافسة إلى قوة عمياء تدفع الجميع إلى المزيد من الاستثمار والمزيد من البيانات والمزيد من الأتمتة، حتى عندما تكون النتائج الاجتماعية والإنسانية غير محسومة .

ومن هنا يأتي التناقض .. التكنولوجيا التي تستطيع أن تقلل العمل الضروري يمكن أن تستخدم لتقليل قوة العمل نفسها، وما كان يمكن أن يصبح وقتاً حراً للعامل قد يتحول إلى بطالة أو خفض للأجور أو تكثيف للعمل أو رقابة خوارزمية أشد .

فالخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاء من الإنسان، بل أن تتركز هذه القوة الهائلة في أيدي حفنة من الشركات التي تملك البيانات والخوارزميات والمنصات والملكية الفكرية، تستخدمها في سبيل السيطرة والربح والمنافسة الضارية على النفوذ والأسواق .

الذكاء الاصطناعي لم يلغ العمل البشري، وإنما أخفى أجزاء واسعة منه خلف التكنولوجيا، فوراء الخوارزمية مبرمجون ومهندسون وعمال مراكز بيانات ووسم بيانات ومنتجو محتوى، وخلف المنصات ملايين المستخدمين الذين ينتجون باستمرار بيانات وتفاعلات ومحتوى تستثمره الشركات .

إن ما يبدو نشاطاً مجانياً قد يتحول إلى مورد اقتصادي، وما يبدو منصة محايدة قد يصبح وسيلة لاستخراج الريع .

وهكذا ينتقل الاستغلال من المصنع إلى المنصة، ومن المدير المباشر إلى الخوارزمية، ومن العمل المأجور إلى أشكال جديدة من الاستغلال المضني .

لكن المشكلة الأعمق تبقى في الملكية ..

فكلما أصبحت التكنولوجيا أكثر تعقيداً وكلفة، أصبحت قدرتها على التركز في أيدي رأس المال أكبر، ومن يملك البيانات والمنصات لا يملك التكنولوجيا فقط، بل يملك موقعاً استراتيجياً في الاقتصاد الجديد، وقدرة على فرض الريع وشروط المنافسة على الآخرين .

لذلك فإن سباق الذكاء الاصطناعي ليس سباقاً علمياً محضاً، إنه سباق طبقي على ملكية وسائل الإنتاج الجديدة .

ومن هنا يمكن فهم تحذير ساندرز، مع ضرورة الذهاب أبعد منه .. المشكلة ليست ببساطة أن الشركات قد تفقد السيطرة على الذكاء الاصطناعي، بل أن المجتمع نفسه فقد السيطرة على قوة تكنولوجية متزايدة الأهمية لأنها أصبحت ملكاً لرأس المال الخاص .

إن التكنولوجيا لا تستعبد الإنسان بذاتها، الرأسمالية هي التي تستطيع أن تحولها إلى أداة للاستعباد .

والسؤال الذي يطرح، لا يجب ان تكون صيغته ..

هل سيصبح الذكاء الاصطناعي خطراً على الإنسان..؟

بل .. من يملك هذا الذكاء ومن يقرر استخدامه ولصالح أي طبقة..؟

فالمعركة ليست بين الإنسان والآلة .

إنها بين تكنولوجيا تخدم تراكم رأس المال وتكنولوجيا تخدم تحرير الإنسان .

وما لم تتغير علاقات الملكية والسيطرة، فإن كل قفزة تكنولوجية جديدة قد تزيد قدرة البشرية على الإنتاج، وفي الوقت نفسه تزيد قدرة رأس المال على استغلالها .

المشكلة ليست في ذكاء الآلة، بل في جشع رأس المال

اترك تعليقاً

Scroll to Top