الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية : كيف أعادت الرأسمالية تشكيل الطبقة العاملة..؟

سليمان أحمد

استكمالاً للمقالات السابقة التي تناولت التحولات التي شهدتها الرأسمالية العالمية خلال العقدين الأخيرين، والتغيرات التي طرأت على آليات تراكم رأس المال، وأشكال الاحتكار وتنظيم العمل في ظل الثورة العلمية والتكنولوجية وإعادة هيكلة الإنتاج على المستوى العالمي نرصد اليوم صعود الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية، وانعكاس ذلك على إعادة تنظيم العمل وآليات تراكم الرأسمال .

الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية ..

يشمل الاقتصاد الرقمي التجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية والبرمجيات والإعلانات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومنصات العمل والخدمات والبيانات الضخمة .

هذه القطاعات لا تنتج في معظمها السلع المادية، وإنما تدير تدفق المعلومات وتنظم عمليات البيع والشراء، وتتحكم في الأسواق وتربط بين المنتج والمستهلك عبر بنية رقمية عالمية .

وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الاقتصاد الرقمي يسهم اليوم بما يتراوح بين 15 إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل نحو 16 إلى 22 تريليون دولار سنوياً، مع استمرار نموه بوتيرة تفوق معظم القطاعات الاقتصادية التقليدية .

ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها لا تعني أن الاقتصاد الرقمي أصبح بديلاً عن الاقتصاد الإنتاجي أو أن الرأسمالية انتقلت إلى نمط إنتاج جديد .

فمن منظور الاقتصاد السياسي الماركسي ومنعاً لأي لبس، ما تزال السلع تنتج في المصانع والمناجم والحقول وورش البناء بواسطة ملايين العمال، وما تزال القيمة تخلق في عملية الإنتاج من خلال العمل البشري، أما الاقتصاد الرقمي فقد أعاد تنظيم عمليات الإنتاج والتبادل والتوزيع والتسويق، وفتح مجالات جديدة لتراكم رأس المال، دون أن يغير العلاقات الاجتماعية الأساسية التي تقوم عليها الرأسمالية .

ولهذا .. فإن التجارة الإلكترونية ليست قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد الإنتاجي، بل تمثل شكلاً جديداً لتنظيم تداول السلع والخدمات .

فالمنصات الرقمية لا تنتج معظم السلع التي تعرضها، لكنها تسيطر على الوصول إلى الأسواق وتحتكر البيانات وتدير الإعلانات وتتحكم في التسعير وتحصل على عمولات من كل عملية بيع، وبذلك أصبحت المنصة في كثير من الأحيان تحقق أرباحاً تفوق أرباح المنتج نفسه .

ومن هنا برز مفهوم الريع الرقمي قياساً .

الريع والريع الرقمي اصطلاحاً ..

الريع في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي هو دخل يتحقق نتيجة السيطرة على مورد احتكاري أو نادر، وليس نتيجة إنتاج مباشر .

ويعد ريع الأرض المثال التقليدي على ذلك، إذ يحصل مالك الأرض على دخل بسبب ملكيته لها، وليس لأنه شارك في إنتاج المحصول .

وكان ماركس يرى أن الريع هو جزء من فائض القيمة، ينتقل إلى صاحب الأرض بسبب احتكاره لملكية الأرض

أما الريع الرقمي وهو مصطلح حديث نسبياً ومستوحى من مفهوم الريع عند ماركس، فيشير إلى الأرباح التي تحققها الشركات المالكة للمنصات الرقمية والبيانات والخوارزميات نتيجة احتكارها لهذه الأصول الرقمية، أكثر مما يشير إلى إنتاجها المباشر للسلع .

وقد يثار هنا سؤال جوهري : هل يعني ظهور الريع الرقمي أن فائض القيمة فقد أهميته أو أصبح مفهوماً قديماً .

بالتأكيد الجواب هو : لا .

فوفق التحليل الماركسي، يبقى فائض القيمة الناتج عن العمل البشري هو الأساس الحقيقي لتراكم رأس المال .

إلى هذه اللحظة التاريخية لا تراكم لرأس المال إلا من خلال العمل وما يطلق عليه ماركسياً فائض القيمة أو القيمة الزائدة المقتطعة من جهد العمال .

أما الريع الرقمي فلا يخلق قيمة جديدة، بل يمثل استحواذاً على جزء من فائض القيمة عبر السيطرة الاحتكارية على المنصات والبيانات وقنوات التبادل والتوزيع .

وفي السياق نفسه شاع اصطلاحاً استخدام مصطلح الرأسمال الرقمي، وكأنه نوع جديد من رأس المال يختلف عن الرأسمال الصناعي أو المصرفي، والحقيقة أن ما يطلق عليه الرأسمال الرقمي ليس نمطاً مستقلاً، بل يمثل امتداداً للرأسمال المالي الاحتكاري في عصر الثورة الرقمية، فشركات التكنولوجيا العملاقة تعتمد في توسعها على التمويل القادم من البنوك وصناديق الاستثمار وأسواق المال، بينما يفتح الاقتصاد الرقمي أمام الرأسمال المالي مجالات جديدة للاستثمار وتحقيق الأرباح .

التحول الأعمق كان في قوة العمل وسوق العمل ..

فوفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية، يبلغ عدد العاملين في العالم نحو 3.5 مليار عامل، يعمل ما يقارب 60% منهم أي نحو ملياري عامل في الاقتصاد غير المنظم . وفي المقابل، يضم قطاع الصناعات التحويلية ما بين 500 و550 مليون عامل، أي ما يعادل نحو 14 إلى 16% من إجمالي العمالة العالمية، بينما يعمل في القطاع الزراعي وفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة نحو 920 مليون عامل، أي ما يقارب 27% من قوة العمل العالمية .

أما الاقتصاد الرقمي ومنصات العمل الإلكترونية فيشهدان نمواً متسارعاً ويعمل فيهما اليوم مئات الملايين من العمال بصورة مباشرة أو جزئية، حتى أصبحا يشكلان جزءاً مهماً من سوق العمل العالمية .

ولم يعد العامل الرقمي يقتصر على مهندس البرمجيات أو مطور التطبيقات، بل أصبح يشمل سائق سيارة الأجرة الذي يعمل عبر تطبيق إلكتروني وعامل التوصيل والمترجم والمصمم والمبرمج والعامل الحر الذي ينجز مهامه عبر الإنترنت .

وهكذا تحولت المنصات الرقمية إلى سوق عمل عالمية يتنافس فيها ملايين العمال من مختلف البلدان وغالباً في ظل غياب الحماية الاجتماعية والتنظيم النقابي .

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي شهدتها الرأسمالية المعاصرة .

فقد أعادت تشكيل بنية الطبقة العاملة بصورة أخرى، فتراجعت نسبة العمالة الصناعية التقليدية، في مقابل نمو العمالة في الاقتصاد الرقمي والعمل المؤقت والعمل عن بعد والعمل عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية .

كما تراجعت أماكن العمل الجماعية التي كانت تضم آلاف العمال داخل مصنع واحد، لتحل محلها قوة عاملة موزعة بين المنازل والسيارات والمكاتب الصغيرة والفضاء الرقمي .

ولم تعد أوامر العمل تصدر من مدير المصنع فقط، بل أصبحت الخوارزميات هي التي توزع المهام وتقيم الأداء وتحدد الأجور وساعات العمل .

وفي الوقت نفسه انتقل جزء من تكاليف الإنتاج إلى العامل نفسه الذي بات يتحمل نفقات الحاسوب أو السيارة أو الهاتف أو الإنترنت أو الكهرباء، بينما تخلصت الشركات من جزء مهم من التزاماتها الاجتماعية تجاه العمال .

وأدت هذه التحولات إلى إضعاف الروابط اليومية وتقليص المساحة الاحتماعية بين العمال وتعزيز نوع من العزلة الاجتماعية وصعوبات أمام العمل النقابي .

فلم يعد التحدي الذي تواجهه الحركة النقابية يقتصر على تنظيم العمال داخل المصانع، بل أصبح يتمثل أيضاً في الوصول إلى ملايين العمال المشتتين في الفضاء الرقمي، الذين قد لا يلتقون بزملائهم رغم أنهم يعملون لدى المنصة نفسها .

ولكن .. هل يعني هذا أن الطبقة العاملة بدأت تفقد دورها التاريخي ..؟ كما يحاول بعض المنظرين الرأسماليين ترويجه .

من منظور ماركسي لينيني .. الجواب قطعاً هو لا .

لقد تغيرت أشكال العمل لكن جوهر العلاقة الرأسمالية لم يتغير، فما يزال العامل مهما اختلفت طبيعة عمله لا يملك وسائل الإنتاج وإنما يبيع قوة عمله مقابل أجر، بينما يستحوذ رأس المال على فائض القيمة الناتج عن عمله . المنصات الرقمية لم تلغ قانون القيمة، والذكاء الاصطناعي لم يلغ الاستغلال الطبقي، بل أعادا تنظيمه في أشكال أكثر وتعقيداً .

فطالما هناك استغلال وملكية خاصة لوسائل الإنتاج، وهناك فائض قيمة يقتطع من أجر العامل ويصبح تراكما للرأسمال، فلا تخلي للعمال عن دورهم التاريخي في تحطيم علاقات الإنتاج الرأسمالية وتعليقها في متحف التاريخ .

مجتمع ما بعد العمل هُراء !!

ومن هنا .. فإن الحديث عن مجتمع ما بعد العمل، أو عن نهاية الطبقة العاملة أو عن أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيحلان محل العمل البشري بوصفه مصدرا لفائض القيمة، يفتقر إلى الأساس العلمي، فالطبقة العاملة لم تختف وإنما تغيرت بنيتها واتسعت مكوناتها وأصبحت أكثر انتشاراً عبر الحدود وأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا، لكنها ما تزال القوة الاجتماعية الأساسية التي يقوم عليها الإنتاج والخدمات في العالم المعاصر .

مهام ملحة أمام الأحزاب الشيوعية والحركة النقابية العمالية ..

وانطلاقاً من ذلك .. فإن المهمة المطروحة أمام الأحزاب الشيوعية والحركة النقابية لا تتمثل في الاكتفاء بالدفاع عن الأشكال التقليدية للتنظيم العمالي، بل رصد الجديد في قاعدتها الاجتماعية ومعالجة ذلك نظرياً، وضرورة تطوير أشكال جديدة للعمل والتنظيم والتثقيف تتناسب مع واقع العمال في الاقتصاد الرقمي أيضاً، فكما نجحت الحركة العمالية في القرن التاسع عشر في تنظيم عمال المصانع، فإن عليها اليوم أن تجد الوسائل الكفيلة بتنظيم عمال المنصات والعاملين عن بعد، مستخدمة الوسائل الرقمية نفسها، ولكن في خدمة الوعي الطبقي والتضامن والدفاع عن الحقوق الطبقية للعمال .

إن الثورة الرقمية غيرت أدوات الإنتاج والإدارة وأشكال التبادل، لكنها لم تنه التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل .

ولذلك فإن تجديد الخطاب الماركسي لا يكون بالتخلي عن مفاهيمه الأساسية، بل بإعادة قراءتها في ضوء التحولات الجديدة وفهم الأشكال المستحدثة للاستغلال، وتطوير أدوات النضال والتنظيم بما يمكن الطبقة العاملة من الدفاع عن مصالحها التاريخية في القرن الحادي والعشرين

 

اترك تعليقاً

Scroll to Top