سليمان أحمد ..
شهدت الرأسمالية العالمية خلال العقود الأربعة الأخيرة تحولات بنيوية عميقة أعادت تشكيل آليات تراكم رأس المال وأشكال الاحتكار، دون أن تمس جوهر علاقات الإنتاج الرأسمالية .
فمنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي برز اتجاه واضح نحو هيمنة الرأسمال المالي على النشاط الاقتصادي العالمي، ثم جاءت الثورة الرقمية خلال العقدين الأخيرين لتفتح مجالاً جديداً لتراكم رأس المال، قوامه البيانات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي .
لا نظام اقتصادي جديد ..
ولا تعني هذه التحولات الانتقال إلى نظام اقتصادي جديد، بل تمثل مرحلة جديدة في تطور الرأسمالية الاحتكارية، فرضتها الأزمات الاقتصادية الدورية لتراكم رأس المال وتراجع معدلات الربحية في العديد من القطاعات الإنتاجية، الأمر الذي دفع الرساميل إلى البحث عن مجالات أكثر ربحية وأسرع دوراناً وأقل ارتباطاً بالإنتاج المادي المباشر .
هيمنة الرأسمال المالي ..
وقد تجلى الاتجاه الأول في تعاظم دور الرأسمال المالي، فمنذ تحرير الأسواق المالية في ثمانينيات القرن الماضي أخذت الرساميل تتدفق نحو المضاربات في البورصات وأسواق العملات والمشتقات المالية، وإلى صناديق الاستثمار العملاقة والاستثمار في الديون والأصول المالية، على حساب الاستثمار المنتج، وأصبح الربح المالي في كثير من الحالات يفوق الربح الصناعي، بينما أخذت قرارات الشركات الكبرى تخضع بصورة متزايدة لمنطق الأسواق المالية وتعظيم قيمة الأسهم، أكثر من خضوعها لاعتبارات الإنتاج والتشغيل .
وتشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن متوسط التداول اليومي في سوق العملات أصبح يعادل عشرات أضعاف حجم التجارة العالمية اليومية في السلع والخدمات، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الإنتاجي، ويؤكد أن جزءاً متزايداً من حركة رأس المال أصبح يدور داخل الأسواق المالية بعيداً عن إنتاج السلع والخدمات .
وفي الوقت نفسه، وفرت الثورة الرقمية البنية التحتية الملائمة لهذا التحول، فقد أتاحت شبكة الإنترنت والحوسبة المتقدمة والبيانات الضخمة والاتصالات فائقة السرعة انتقال الرساميل وتنفيذ ملايين العمليات المالية خلال أجزاء من الثانية، بينما أصبحت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تدير جانباً كبيراً من عمليات التداول والمضاربة وإدارة المحافظ الاستثمارية، بما عزز قدرة الرأسمال المالي على تحقيق الأرباح بسرعة غير مسبوقة .
رأسمالية المنصات والريع الرقمي اصطلاحاً ..
وبالتوازي مع ذلك، برز اتجاه ثان يتمثل في صعود الرأسمال الرقمي والمنصاتي، فقد أصبحت المنصات الرقمية، مثل منصات التجارة الإلكترونية ومحركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي وخدمات النقل والتوصيل، مراكز جديدة لتراكم رأس المال، ولم تعد هذه الشركات تبيع السلع أو الخدمات فحسب، بل أصبحت تحتكر البيانات، وتتحكم في الوصول إلى الأسواق والمستهلكين، وتفرض شروطها على المنتجين والتجار والمستخدمين .
وهكذا انتقل الاحتكار من امتلاك المصانع وحدها إلى احتكار المنصات الرقمية والبنية التحتية للمعلومات، وأصبحت البيانات مورداً اقتصادياً استراتيجياً، وشكلاً جديداً من وسائل الإنتاج، بينما غدت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي أدوات لتنظيم السوق وتوجيه الاستهلاك والتحكم في تدفق المعلومات، بل والتأثير في المجالين السياسي والثقافي .
كما أعادت التجارة الإلكترونية رسم خريطة التجارة العالمية، فلم تعد المنصات الكبرى مجرد وسيط بين المنتج والمستهلك، بل أصبحت تسيطر على سلاسل التوريد، وأنظمة الدفع، والخدمات اللوجستية، والإعلانات، وتحليل البيانات، وهو ما منحها قدرة احتكارية غير مسبوقة، ورسخ تمركز الثروة في عدد محدود من الشركات العابرة للقوميات التي تجمع بين التكنولوجيا والتمويل .
ويمثل الذكاء الاصطناعي المرحلة الأكثر تقدماً في هذا المسار، فمن ناحية، يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة وخفض تكاليف الإنتاج، لكنه من ناحية أخرى، يعمق التفاوت الاجتماعي من خلال تقليص الحاجة إلى اليد العاملة، وتوسيع العمل المؤقت والعمل عبر المنصات، وتشديد الرقابة على العمال، فضلاً عن توظيفه في المضاربات المالية وتحليل الأسواق وإدارة الاستثمارات .
وقد أدى هذا التشابك بين الرأسمال المالي والرأسمال الرقمي إلى ظهور نمط جديد من التراكم الرأسمالي، يعتمد على احتكار البيانات والمعرفة والمنصات الرقمية والملكية الفكرية، ولم يعد الاستغلال يقتصر على عملية الإنتاج داخل المصنع، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتحول البيانات التي ينتجها المستخدمون يومياً إلى مصدر للأرباح والهيمنة الاقتصادية، فيما بات يعرف لدى عدد من الباحثين بـ ( رأسمالية المراقبة ) أو ( رأسمالية البيانات ) .
نقطة منهجية ..
من الناحية الظاهرية، يبدو أن الرأسمال المالي أو المستثمر في الاقتصاد الرقمي والتجارة الالكترونية يحقق أرباحاً من المضاربات واحتكار البيانات وحدها ، وهذا غير دقيق .
في النهاية .. مصدر القيمة وفائض القيمة ما زال هو العمل المنتج ، فحتى أرباح المضاربة، والفوائد، والأرباح الرأسمالية، تستند في آخر المطاف إلى فائض القيمة الذي ينتجه العمال في الاقتصاد الحقيقي
لذلك فإن الرأسمال المالي لم ينفصل جذرياً عن الرأسمال الصناعي، وإنما أصبح يهيمن عليه ويعيد توجيهه وفق منطقه الخاص، وهو تعظيم العائد المالي السريع، حتى لو جاء ذلك على حساب الاستثمار والإنتاج والتشغيل .
التوصيف اللينيني للامبريالية مازال صحيحا ..
من منظور الاقتصاد السياسي الماركسي، لا يمكن فهم هذه التطورات بوصفها مجرد تقدم تقني محايد، لأن التكنولوجيا لا تعمل خارج علاقات الإنتاج، بل تتحدد وظيفتها الاجتماعية وفق طبيعة النظام الاقتصادي السائد ولذلك تحولت الثورة الرقمية إلى أداة جديدة لتعظيم الأرباح، وتعزيز الاحتكار، وإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية بأشكال أكثر تعقيداً .
وهذا يعني أن الرأسمالية لم تتجاوز تناقضاتها الأساسية، بل أعادت إنتاجها في ظروف جديدة، فما تزال العلاقة بين رأس المال والعمل المأجور تمثل جوهر عملية الإنتاج، وما تزال الأزمات الدورية، وتمركز الثروة، واتساع اللامساواة، سمات ملازمة للنظام، وإن اتخذت أشكالاً جديدة تتناسب مع عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي .
ومن هنا، فإن التحولات الراهنة لا تتناقض مع التحليل اللينيني للإمبريالية، بل تعكس تطوره التاريخي، فإذا كانت الإمبريالية في مطلع القرن العشرين قد قامت على اندماج الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي ونشوء الطغمة المالية، فإن الإمبريالية المعاصرة تشهد اندماج الرأسمال المالي مع الرأسمال الرقمي والمنصات والبيانات والذكاء الاصطناعي، لتنشأ طغمة مالية عالمية تحتكر التمويل والإنتاج والمعلومات في آن واحد .
الرأسمالية المعاصرة لم تغادر مرحلتها الإمبريالية، وإنما دخلت طوراً جديداً منها، حيث أصبحت السيطرة على البيانات والمنصات الرقمية لا تقل أهمية عن السيطرة على المصانع والموارد الطبيعية والأسواق، بينما ظل الهدف الجوهري للنظام كما كان دائماً هو تعظيم تراكم رأس المال وتعزيز هيمنة الاحتكارات على الاقتصاد العالمي
