الباحث عمران حاضري
ليس الفكر المادي الجدلي جهازًا لإنتاج الولاءات و المبايعات العاطفية ، ولا آليةً لتوزيع شهادات الشرعية الثورية أو التقدمية على الدول، بل هو، في جوهره، منهج نقدي لتحليل البنى الاجتماعية والتاريخية، وكشف التناقضات التي تحكمها… ومن ثم فإن أول ما يقتضيه هذا المنهج هو التحرر من كل أشكال التقديس السياسي، سواء تعلق الأمر بالقوى المهيمنة أو بالقوى الصاعدة… فالتناقض مع الإمبريالية الأمريكية مثلاً ، مهما بلغت حدته، لا يحول خصومها أو منافسيها تلقائيًا إلى قوى تحررية، كما أن الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب لا يعني، بالضرورة، انتقال البشرية إلى نظام أكثر عدالة…! فقد يتغير توزيع القوة، بينما تبقى منطق الهيمنة وإعادة إنتاج التبعية قائمًا بأشكال جديدة…!
لقد علّمتنا المادية التاريخية أن الدولة لا تُقاس بخطابها و ما تغدقه من شعارات و بيانات ، بل بوظيفتها الاجتماعية وموقعها داخل حركة التاريخ… فليست الشعارات هي التي تحدد طبيعة الدولة، وإنما علاقات الإنتاج التي تستند إليها، وآليات تراكم رأس المال التي تحكم اقتصادها، والموقع الذي تحتله في التقسيم الدولي للعمل… ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الصين المعاصرة لا ينبغي أن ينطلق من إرث الثورة الصينية ، ولا من صراعها المتنامي مع الولايات المتحدة في سياق المنافسة الاقتصادية ، وإنما من تحليل موقعها الفعلي داخل الرأسمالية العالمية، ومن طبيعة التراكم الاقتصادي والاجتماعي الذي عرفته خلال العقود الأخيرة…!
لقد بيّن لينين أن الإمبريالية ليست مجرد سياسة خارجية ، بل مرحلة تاريخية من تطور الرأسمالية، تتميز بتمركز رأس المال، واندماج الرأسمال الصناعي والمالي، وتصدير الرساميل، والتنافس على مجالات النفوذ، وإعادة اقتسام العالم…! ومن ثم، فإن السؤال المتعلق بالصين لا يجوز أن يُجاب عنه بالشعارات أو بالرغبات السياسية، بل بتحليل ملموس لواقع ملموس…! فالاتجاه الموضوعي لتطور الرأسمالية الصينية يطرح، بإلحاح متزايد، مسألة نزوعها إلى التمفصل مع البنية الإمبريالية للنظام الرأسمالي العالمي، حتى إذا حاولت إنتاج صيغة جديدة من التوسع الرأسمالي العالمي…! وهذه ليست حقيقة مفتعلة ولا تهمة أيديولوجية مسقطة ، وإنما سؤال بحثي علمي مشروع، لا يُحسم إلا بتحليل حركة رأس المال الصيني، وتوسع استثماراته، وعلاقاته بالأسواق العالمية، ودور مؤسساته المالية والصناعية في إعادة تشكيل الاقتصاد الدولي…!
غير أن قطاعًا من اليسار العالمي وقع، خلال العقود الأخيرة، في مفارقة جدلية لافتة… فباسم “مقاومة الإمبريالية الأطلسية عموماً و الأمريكية” خصوصاً ، انتقل من نقد مراكز القوة إلى البحث عن مركز قوة بديل يمنحه الأمل، وكأن التاريخ لا يتحرك إلا بتعاقب الأقطاب…!!! وهكذا جرى اختزال الصراع العالمي في ثنائية مبسطة حيث واشنطن تمثل الإمبريالية، وبكين تمثل البديل التحرري… إلا أن المنهج الجدلي يرفض مثل هذه الثنائيات الجامدة و القراءات المتكلسة ، لأن التناقض بين قوتين عظميين لا يتطابق، بالضرورة، مع التناقض بين رأس المال والعمل، ولا مع التناقض بين الهيمنة والتحرر الوطني…! فالدول تتصارع وفق مصالحها التاريخية، أما الشعوب فتناضل من أجل تحررها…!
وتتجلى حدود هذا الوهم عند النظر إلى الممارسة السياسية الفعلية ، فمنذ نهاية الحرب الباردة، لم تتصرف الصين باعتبارها مركزًا أمميًا لدعم حركات التحرر، بل باعتبارها دولة كبرى تسعى إلى توسيع مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية داخل النظام الدولي. ففي علاقة بالقضية الفل+س+طينية ، ورغم مواقفها الدبلوماسية الداعمة لحق الفل+س+طينيين في إقامة دولتهم وانتقادها المتكرر للاح-تلال والاعتداءات العسكرية، لم يتحول هذا الموقف إلى سياسة دعم مادي أو استراتيجي لحركة التحرر الفل+س+طينية بالمعنى الذي عرفته تجارب تاريخية سابقة… وفي لبنان، كما في غيره من ساحات الصراع و المقاwمة، ظل الحضور الصيني باهتاً، محكومًا بمنطق التوازنات الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية أكثر من كونه تعبيرًا عن مشروع تضامني أممي لتحرير الشعوب…! والأمر نفسه يمكن ملاحظته، بدرجات متفاوتة، في العديد من بلدان إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث يتقدم منطق الاستثمار والتبادل التجاري وتأمين الموارد على منطق الالتزام بقضايا التحرر…!
ولا تستهدف المقارنة مع الاتحاد السوفيتي قبل انهياره، تمجيد تجربة تاريخية أو التغاضي عن تناقضاتها ، فقد كان هو الآخر دولة تتحرك ضمن موازين القوى الدولية، وتجمع بين مقتضيات الأمن القومي والالتزام الأيديولوجي و لو بأشكال متفاوتة…! غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الاتحاد السوفيتي اعتبر، في مراحل طويلة، دعم حركات التحرر جزءًا من استراتيجيته العالمية ومن تصوره للأممية، وهو ما تجسد في أشكال مختلفة من الإسناد السياسي والعسكري والاقتصادي لثورات وحركات تحرر في فيتنام وكوبا وأنغولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا ومنظمة التحرير الفل+س+طينية وغيرها… أما الصين المعاصرة، فقد تراجع لديها هذا البعد الأممي و التضامني في مرحلة ما بعد الماوية و التي دشنها “تيار الاصلاح” بقيادة دينغ هي سياو بينغ بصورة واضحة لصالح براغماتية الدولة ومنطق المنفعة المتبادلة والاستقرار اللازم لاستمرار التراكم الاقتصادي…!
غير أن الوقوف عند حدود المقارنة التاريخية لا يكفي، لأن السؤال الحقيقي لا يبدأ من الصين، بل من الدولة ذاتها. فالمادية التاريخية، لم تنشغل يومًا بإصدار أحكام أخلاقية على الدول، وإنما بتحليل موقعها داخل البنية التاريخية للرأسمالية…! ولذلك فإن السؤال الجدلي الأعمق ليس ، هل الصين إمبريالية أم لا !؟ بل ، هل تستطيع دولة مندمجة في منطق تراكم رأس المال العالمي، مهما كانت هويتها الأيديولوجية المعلنة، أن تكون حاملًا تاريخيًا لمشروع تحرري أممي؟!
إن هذا السؤال يعيدنا إلى جوهر المادية التاريخية… فالدول لا تتحرك بدافع النوايا الحسنة، وإنما بفعل الضرورات التي تفرضها إعادة إنتاج شروط وجودها… وكلما ازداد اندماج اقتصاد ما في السوق العالمية، وتعاظمت مصالحه الاستثمارية والمالية، واتسعت حاجته إلى المواد الأولية والأسواق وممرات التجارة العالمية ، ازداد خضوعه لمنطق المنافسة الدولية. وعند هذه النقطة، يصبح منطق الدولة، مهما كان خطابها، أقرب إلى إدارة شروط تراكم رأس المال وحماية فضائه الحيوي من أن يكون أداة لتحقيق أممية الشعوب و دعم تحررها…!
لقد كانت إحدى أهم مساهمات لينين على سبيل المثال، أنه كشف أن الإمبريالية ليست انحرافًا أخلاقيًا، بل ميلًا موضوعيًا في تطور الرأسمالية الاحتكارية…! و بناءً عليه ، فإن التحليل الجدلي العلمي لا يملك ترف الاكتفاء بالنظر إلى الشعارات، بل عليه أن يسأل دائمًا: ما الذي تفرضه حركة رأس المال؟ وما الذي تمليه إعادة الإنتاج الموسع؟ وما الذي تقتضيه المنافسة بين المراكز الكبرى؟ فهذه الأسئلة وحدها هي التي تسمح بالتمييز بين الخطاب السياسي والبنية الاجتماعية التي ينتج عنها…!
ومن هنا يصبح الرهان على أي قوة عظمى، مهما رفعت من شعارات الاستقلال أو التعددية القطبية، رهانًا يتناقض مع أحد أكثر المبادئ رسوخًا في التراث التحرري ، حيث تحرر الطبقات الكادحة هو فعل الطبقات الكادحة نفسها… فالأممية ليست تحالفًا بين الدول، وإنما تضامنًا بين الشعوب في التحرر من ربقة الهيمنة و الإستعمار و التبعية و الإمبريالية…! والثورة ليست سياسة خارجية لقوة كبرى، بل فعل تاريخي تنتجه الشعوب عندما تمتلك وعيها وتنظيمها واستقلالها…
إن أخطر أشكال الوعي الزائف ليست فقط في الانحياز إلى قوة مهيمنة، بل في الاعتقاد بأن الخلاص سيأتي دائمًا من الخارج…! فالتبعية لا تزول بتغير مركزها، وإنما تزول عندما تصبح الشعوب قادرة على إنتاج مشروعها الوطني التحرري والاجتماعي المستقل.! ولهذا فإن كل رهان على “القطب المنقذ” ليس سوى إعادة إنتاج للتبعية في صورة جديدة، لأنه ينقل مركز الفعل التاريخي من الشعوب إلى الدول الكبرى…!
إن المهمة التاريخية لليسار الوطني الناهض ليست السقوط في المفاضلة و اختيار قطب دولي أقل سوءًا، بل استعادة استقلاله النظري والسياسي، وتحرير وعيه من كل أشكال “اللبرلة” والاستلاب بما في ذلك الاستلاب الجيوسياسي…! فالأممية ليست اصطفافًا خلف دولة قوية، وإنما تضامن بين الشعوب الكادحة ضد جميع أشكال التبعية و الاستغلال والهيمنة، أيًا كان مصدرها…!
وليس كل من ينازع الإمبريالية الأمريكية يحمل، بالضرورة، مشروعًا تحرريًا، كما أن أفول هيمنة قطب لا يعني في ذاته انبثاق عالم أكثر عدالة.
إن التاريخ لا يعرف “أقطابًا منقذة”، بل يعرف شعوبًا تصنع حريتها و استقلالها و تقدمها بوعيها وتنظيمها ونضالها… ولذلك فإن الرهان الحقيقي لحركات التحرر لا ينبغي أن يكون على تبدل موازين القوة بين العواصم الكبرى، بل على بناء القوة الذاتية، وترسيخ الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي، وجعل أي تضامن خارجي عاملًا مساعدًا لا بديلًا عن الفعل التحرري التاريخي للشعوب…
فالتاريخ لا يهب الحرية لأحد، وإنما يفتح ذراعيه لمن يجعل من الحرية معركة تحرر مستمرة و فعل عقلاني قصدي في التاريخ…!
