نقد النزعة القومية في فهم التنوع والتعايش

سليمان أحمد

في مقالته ( الكيان الصهيوني ونظرية الأطراف : توظيف حركات الأقليات وتفتيت الدولة المركزية القطرية في المشرق العربي ) يقدم الأستاذ جاك عزيز قراءة للعلاقات التاريخية بين الكيان الصهيوني وعدد من القوى القومية والدينية في المنطقة، وفي مقدمتها الحركة الكردية في العراق بقيادة البارزاني، واضعاً هذه العلاقات في إطار ما يعرف بـ( نظرية الأطراف ) وربطها بمشروع أوسع لتفتيت الدول العربية المركزية وإعادة تشكيل المنطقة .

بالطبع لا خلاف على وجود صلات وعلاقات بين إسرائيل وبعض القوى القومية والطائفية في المنطقة، ولا على أن ما عرف بـ( عقيدة الأطراف ) شكل في مراحل معينة، استراتيجية إسرائيلية لكسر عزلتها الإقليمية، لكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عندما يتحول توصيف هذه العلاقات إلى إطار لتفسير تاريخ المنطقة بأكمله، فيختزل المشهد إلى دولة عربية مركزية في مواجهة قوميات وأقليات جرى توظيفها إسرائيلياً لتفتيتها .

ألا ترى معي أستاذ جاك .. أنك بهذا المنظور مثلاً تختزل الأكراد ولو من حيث لا تقصد، وكأنهم لم يوجدوا ليكونوا شعباً له تاريخه ومصالحه وطبقاته وصراعاته، وإنما بوصفهم مجرد أدوات يمكن لإسرائيل استخدامها لإضعاف الدول العربية ..؟

المسألة الكردية أقدم من إسرائيل، والصراع الكردي مع بغداد لم تصنعه تل أبيب، كما أن المسألة الكردية في تركيا وإيران لا يمكن تفسيرها من خلال نظرية الأطراف الإسرائيلية، وكذلك فإن التناقضات القومية والطائفية في سورية والعراق ولبنان لها جذور تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية تتجاوز بكثير محاولات القوى الخارجية استثمار ها .

وهنا أيضاً .. من الضروري التمييز بوضوح بين الشعوب وبين قياداتها وقواها السياسية، فحين تقيم قيادة كردية أو فصيل درزي أو حزب مسيحي أو أي قوة سياسية أخرى علاقة مع إسرائيل، فإن نقد هذه العلاقة ومساءلة مصالح أصحابها أمر مشروع، لكن لا يجوز تحويل ذلك إلى حكم على الشعب الكردي أو الطائفة الدرزية أو المسيحيين بوصفهم جماعات متجانسة .

فالشعوب ليست قياداتها دائما تعبر عنها، والقوميات ليست أحزابها، والمجتمعات لا تختزل في خيارات نخبها السياسية .

كما أن العلاقة بين إسرائيل وقيادة أو فصيل سياسي لا تعني بالضرورة أن ذلك الشعب بأكمله أصبح جزءاً من المشروع الإسرائيلي، داخل كل مجتمع توجد طبقات وقوى واتجاهات سياسية مختلفة، وقد تتعارض مصالحها ومواقفها جذرياً، وهذا ينطبق على الأكراد كما ينطبق على العرب والدروز والمسيحيين وغيرهم .

يمكن لإسرائيل أن تستثمر تناقضاً قائماً، وأن تدعم قوة محلية عندما تتقاطع مصالحها معها، لكن هذا شيء وتحويل جماعة قومية أو دينية بأكملها إلى مجرد أداة في يد إسرائيل شيء آخر تماماً .

وهنا يبرز سؤال ربما كان يحتاج إلى حضور أكبر في المقال .. لماذا تستطيع إسرائيل والقوى الإمبريالية اختراق مجتمعاتنا أصلاً ..؟ ومن هي القوى الاجتماعية التي تفتح لها الأبواب ..؟ ومن يدفع الثمن ..؟

اللافت أن التحليل الطبقي يكاد يغيب هنا، على خلاف ما اعتدناه في كتابات الأستاذ جاك، بينما تتقدم ثنائية قومية واضحة، عرب في جهة وقوميات وأقليات أخرى يمكن أن تتحول إلى أدوات في الجهة المقابلة .

لكن أين البرجوازيات العربية المرتبطة بالمراكز الإمبريالية ..؟ وأين الأنظمة العربية التي أقامت علاقات رسمية وأمنية واقتصادية مع إسرائيل والولايات المتحدة ..؟ وأين مصالح رأس المال والطاقة والموانئ والأسواق ..؟ وأين الطبقات الشعبية العربية والكردية والدرزية والمسيحية التي تدفع في نهاية المطاف ثمن الحروب والتدخلات والتقسيمات ..؟ .

ثم ماذا بقي أصلاً من مفهوم ( الدولة العربية المركزية ) الذي يقوم عليه جزء أساسي من هذا التحليل ..؟

وكيف يمكن تفسير علاقات معظم الدول العربية بإسرائيل من اتفاقيات السلام إلى التطبيع والتعاون الأمني والاقتصادي ..؟ .

وهنا تبرز مفارقة في قراءة نظرية الأطراف .. فإذا كانت تعني تحالف إسرائيل مع غير العرب في مواجهة العرب، فكيف تفسر علاقاتها الاستراتيجية مع عدد من الدول العربية ..؟ وإذا كان جوهرها هو البحث عن قوى تخدم المصالح الإسرائيلية في مواجهة خصومها، فلماذا نحصرها في القوميات غير العربية ..؟

لقد تغيرت الأدوات وتبدلت الاصطفافات، وأصبحت إسرائيل في مراحل لاحقة تبني علاقات وتحالفات وثيقة مع قوى ودول عربية في مواجهة خصوم تعتبرهم تهديداً لمصالحها كايران، وهذا يستدعي قراءة النظرية في سياق تطورها، لا التعامل معها كصيغة ثابتة تفسر كل تحالفات المنطقة .

والأهم أن التنوع القومي والديني نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر شبهة، الأكراد ليسوا أدوات والدروز ليسوا أدوات والمسيحيون ليسوا أدوات، كما أن العرب ليسوا كتلة سياسية واحدة .

في كل هذه المجتمعات شعوب وطبقات وقوى سياسية ونخب وقيادات، لها مصالح ومواقف متباينة وقد تتعاون بعض قياداتها مع إسرائيل، بينما تقف قوى أخرى ضد ذلك، وقد تدفع القاعدة الشعبية نفسها ثمن خيارات لم تشارك في صنعها .

فلماذا لا يكون هذا التنوع الهائل مصدر قوة للمنطقة ..؟

المشكلة ليست في وجود العرب والكرد والدروز والمسيحيين وغيرهم، وإنما في الطريقة التي جرى بها التعامل مع هذا التنوع في ظل الاستبداد والتفاوت الطبقي والتبعية الاقتصادية والسياسية، والتدخلات الإمبريالية والحروب وفشل الأنظمة في بناء مواطنة متساوية، إلى جانب استمرار قضايا قومية ووطنية غير محلولة .

ومن هنا .. فإن تقديم الخطر الصهيوني والإمبريالي بوصفه تهديداً للعرب وحدهم يضيق إطار الصراع أكثر مما يفسره، فالصهيونية ليست في مواجهة العرب وحدهم والإمبريالية لا تتحالف مع قومية ضد أخرى بصورة ثابتة، إنها تبحث عن القوى والتحالفات التي تخدم مصالحها، وتتغير هذه التحالفات بتغير الظروف وموازين القوى .

لذلك نحن بحاجة إلى تحليل طبقي يرى شعوب المنطقة بمختلف قومياتها وطوائفها، ويميز داخل كل منها بين الشعب والفئات الحاكمة والمتنفذة وبين المصالح الشعبية ومصالح القوى السياسية والاقتصادية التي تدعي تمثيله .

ومن هنا يمكن فهم علاقات بعض القيادات بإسرائيل أو بالقوى الإمبريالية من دون تحويلها إلى اتهام لشعوب بأكملها .

والمناعة الداخلية لا تعني إخضاع القوميات والأقليات للدولة قسراً، من دون الاعتراف بخصوصياتها وحقوقها، كما أن مقاومة المركزية القومية أو الإجراءات التمييزية لا تعني تلقائياً خدمة إسرائيل .

الوحدة التي تستحق الدفاع عنها هي وحدة الشعوب على أساس المواطنة المتساوية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية والإمبريالية .

فالمشكلة ليست أن في بلداننا أكراداً وعرباً ودروزاً ومسيحيين وغيرهم، المشكلة أن هذا التنوع الغني لم يتحول بفعل الاستبداد والتبعية والصراعات الطبقية والتدخلات الإمبريالية، إلى مصدر قوة مشتركة لشعوب المنطقة .

وهنا، تحديداً .. ينبغي أن تبدأ مواجهة المشروع الصهيوني، لا من الخوف من التنوع، ولا من تحميل الشعوب خيارات بعض قياداتها، بل من فهم هذا التنوع والاعتراف بحقوقه وكشف المصالح الطبقية والسياسية التي تقف وراء التحالفات وتحويل تعدد شعوب المنطقة من نقطة اختراق إلى مصدر قوة مشتركة .

رابط النص الكامل لمقال الأستاذ جاك عزيز

https://www.facebook.com/jack.aziz.540382/posts/pfbid02KR3N1zXuxkMDoerhWnYqXtGs4wS3jvzpyd1m2Xrs4eFrMGx81WEZYGKV2GRZpu2gl?__cft__[0]=AZjS0Gka61oW_M2b4zUxZ7fOOSfdxq8LWT2UF0gYGpwp4nsJHBPpkyJapha1x5iXhADsqQQbEJJ8bMPik0cwp6WYO3PfY9TqOvcsLyJ26pVroV80zWuHn0rMNUN3kIMzog4F70VTtJuJ4rEg3hBXsbCSrg&__cft__[1]=AZhOY4ztbWLUauIptcjkM8NFw6NCnEq4nQ8nuToqnO7Ax6s_MKsMSSaqYzzizvhUOCpPT-k_58lFVE9vNUZBdDOTsOQyjB1NC-jAqrST3FN6-u6FCrBKYp57K3YPOhrYiUVhz-gw1G5wX1t7PSHqd-Y36w&__tn__=R]-R

اترك تعليقاً

Scroll to Top