من الاقتلاع إلى الإعدام: نازيو العصر!

الدكتور طنوس شلهوب

في تصويت الكنيست الإسرائيلي على مشروع يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، يظهر القانون في أشد لحظاته وحشية: تحدد من يحق له أن يعيش ومن يمكن قتله.

هنا تلتقي السلطة بالحياة والموت، كما رأى ميشيل فوكو، لكنها تتجاوز مجرد الإدارة لتصبح ما وصفه أشيل مبمبي بـ“سياسات الموت”: القدرة على جعل الموت قانونيا، ومسموحا، وممنهجا.

لم يكن المشروع الصهيوني بصيغة تيودور هرتزل مشروعا استيطانيا عاديا، بل خطة لإعادة تشكيل الأرض والسكان. هذا نوع من الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الموارد، بل يسعى لإزاحة السكان الأصليين وإعادة تعريف وجودهم. الاقتلاع، إذا، كان الهدف منذ البداية.

عصابات الهاجاناه والإرغون وليحي ارتكبت المجازر والابادة والتطهير العرقي في عملية اقتلاع ممنهجة. لم يكن الفلسطيني مجرد خصم، بل فائض ديموغرافي يُزال لتفريغ الارض.

مع إنشاء الكيان الغاصب، لم يختف هذا المنطق؛ بل تحول القانون نفسه إلى أداة لإدامة الاقتلاع. وهنا يمكن استدعاء “حالة الاستثناء”، حين تُستثنى فئة كاملة من الحماية وتصبح حياتها عارية، قابلة للمس والموت دون مساءلة.

السجون، الحصار، والعزل ليست مجرد أدوات أمنية، بل وسائل لإدارة حياة الفلسطينيين بالكامل. تصويت الكنيست الإسرائيلي على الإعدام هو تتويج لهذه العملية: تحويل ممارسة العنف الواقعي إلى قانون مكتوب، ومن إدارة الحياة إلى تقنين الموت.

هنا، يلتقي هذا المنطق مع تجارب تاريخية قصوى مثل النازية، ليس من باب التشبيه السطحي، بل على مستوى البنية: نزع الإنسانية، تحويل القانون إلى أداة قتل، وإعادة تعريف الضحية كخطر وجودي يبرر إبادته.

هذا المسار لا يُفهم بمعزل عن النظام العالمي. الدعم غير المشروط، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ليس موقفا سياسيا عابرا، بل جزء من بنية عالمية: مركز يفرض القواعد وأطراف تطبق عليها بانتقائية.

الصمت الدولي والعربي ليس حيادا؛ إنه مشاركة ضمنية، يتيح استمرار الاقتلاع، الحصار، والتصفية.

تصويت الكنيست الإسرائيلي يفضح ثلاثة مستويات مترابطة: مشروع استعمار استيطاني يقوم على الاقتلاع .سلطة تتحكم بالحياة حتى حدود الموت ونظام عالمي يعيد إنتاج التفاوت ويغطي العنف.

أي عالم يسمح بأن يصبح القتل قانونا، ويدعُ الصمت الدولي يغطيه؟ هذ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم.

الرهان يبقى على المقاومة.

اترك تعليقاً

Scroll to Top