من اتخذ قرار الحرب .. ترامب أم الأزمة ؟

الدكتور عمرو حديفة

لا يمكن التعاطي مع اللحظات الحاسمة في التاريخ بمقاييس الأحداث الآنية الظاهرة، بل بمقدماتها وتبعاتها؛ فالحدث اليومي يصبح تفصيلاً في سياق أوسع.

الحرب الحالية على إيران ليست أمراً مستقلاً عن سياق مخاض عالمي مفاده أنه يجري تحوّل جذري في بنية النظام الرأسمالي العالمي وليس في طبيعته، أو بالحد الأدنى في القوة المهيمنة عليه اليوم، وهي الولايات المتحدة.

فالسؤال الذي يتحاشى معظم المراقبين الإجابة عليه هو: هل الحرب على إيران كانت قراراً متهوراً من ترامب بضغط من نتنياهو؟ أم أن تطوّر النظام الرأسمالي العالمي يدفعه إلى هذه الحرب المجنونة دفعاً؟ فكما يعلم الكثيرون، ترامب وأسلافه ليسوا أصحاب القرار كما يظهر لنا، بل هم ممثلون للطغم المالية والاحتكارية الكبرى، صاحبة القرار الحقيقي في السياسة الدولية.

هذا الموضوع ليس له علاقة بنظرية المؤامرة والحكومة العالمية وما إلى ذلك، بل هو توصيف لواقع الحال في الولايات المتحدة. لذلك فإنني أزعم أن منطق تطوّر النظام الرأسمالي وأزماته العميقة، يجعله يدخل في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، والتي قد تقضي على مكانة الولايات المتحدة عالمياً، سواء “انتصرت” على إيران أو “هُزمت” أمامها.

وقد تعمّدت كتابة النصر والهزيمة بين مزدوجين لتبيان مضمونهما المخادع، والذي في كثير من الأحيان يقع المتابع في لغط كبير عند تفسيره.

فالغالب يقول إن نصر أمريكا ومن خلفها يعني تدمير النظام الإيراني، والمشروع النووي، وتدمير الجيش والقوى التابعة له، وتفتيت الدولة وتقسيمها إلى دويلات متناحرة، وبالسرعة القصوى، والسيطرة على كل قوى الفوضى بعدها كما حدث في سوريا؛ وكل شيء دون ذلك لا يُعتبر نصراً محققاً.

ولكن السؤال: هل هذه الفوضى يمكن أن تضمن انتصار أمريكا في معركتها الأساسية على الصعيد العالمي في منافستها مع الصين؟

لنرَ المشهد من بعيد: الصين ستتضرر بشكل فادح في حال سقوط إيران طبعاً، ولكن هل يتوقع أحد أن تقبل بالخسارة بهذه البساطة؟ أم أنها ستبذل الغالي والنفيس لكي تتحول إيران إلى مستنقع لا يمكن الخروج منه إلا جثة هامدة؟

وهل إيران، التي دخلت الحرب بعد ساعة من بدء العدوان عليها بشكل أكبر مما كان يتخيله ترامب ومن خلفه، ببدء استهداف كل المصالح العسكرية الأمريكية في المنطقة، ومن ضمنها دول الخليج (جنة الأموال الفاسدة العالمية)، ستقبل أن تخسر الحرب هكذا ببساطة؟ سواء بقتل المرشد الذي قُتل في الساعة الأولى للهجوم، أو بقتل أغلب قيادات النظام، وهي التي تستعد لمثل هذه الاحتمالات منذ عقود؟

من الواضح أن إيران تدير المعركة ضمن إمكانياتها وقدراتها ونقاط قوتها بأقصى حد ممكن من الاحترافية، سواء بتوفير السلاح الحاسم، أو بإدارة النيران وانضباطها، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي الهائل للقوى المعتدية حتى الآن. وقد بدأت تظهر في مراكز البحث والإعلام الأمريكي نصوص مرموقة عن أن إيران استوعبت الضربة الأولى التي كان يجب أن تحسم كل شيء، وانتقلت إلى مرحلة الإيلام المتبادل: من يصمد أكثر.

في بعض المقالات الأمريكية، خاصة افتتاحية (أسوشيتد برس)، أن أمريكا لكي تحسم الحرب لصالحها عليها بالتدخل البري، وإلا فهي حرب استنزاف ستستنزف مخزون الذخائر الأمريكية من السلاح الباهظ الثمن دون تغيير جذري على الأرض. لذلك فإن ترامب يحاول زج دول الخليج في هذه المعركة برياً، من خلال حشد ما لا يقل عن 500 ألف جندي منهم، ومثلهم من أمريكا، وإدخالهم لاحتلال عبادان، سلة غذاء إيران، والساحل الشرقي للخليج، مع ضم تركيا من الشمال لاحتلال محافظة أذربيجان الإيرانية. ولكن نفس الجريدة تعود وتقول: ألم يحدث هذا حرفياً قبل 11 عاماً في اليمن؟ ألم يتم تشكيل تحالف دولي عربي–يمني (عبد ربه منصور هادي) لاحتلال صنعاء والحديدة وصعدة؟ وماذا كانت النتيجة؟ تعرفونها طبعاً.

وبالحالة الإيرانية، ستتحول إيران إلى دولة انتحارية بكل معنى الكلمة، تفوق قدرتها قدرة اليمن بألف ضعف. وللعلم، إيران اليوم لم تصبح دولة انتحارية بعد، فهناك الكثير الكثير لتخسره حتى الآن، ولكن ستصبح كذلك في حال حولتها أمريكا إلى دولة فاشلة.

وطبعاً ستبدأ بقصف آبار النفط، وإغلاق المضائق، واستهداف المخارج الأخرى للنفط مثل موانئ ينبع والفجيرة وحيفا بلا توقف، ومليشيات منفلتة ودرونات رخيصة ومصائب لن تستطيع أمريكا السيطرة عليها، وسيغرق الإقليم في وحول لم نتخيلها من قبل.

وطبعاً لن ينجو من مصير إيران كل من يتآمر عليها اليوم ولو بالخفاء، كتركيا والسعودية ومحميات النفط وما إلى ذلك، ناهيكم عن موجات هجرة مرعبة من هذه المنطقة التي ستصبح موبوءة بالحروب، وملايين البشر الذين سيفقدون وظائفهم، وما سيترتب على ذلك من فقر وازدياد أسعار الطاقة وما إلى ذلك.

مشهد يشبه كل ما نتخيله عن الجحيم في حال تحقّق. ولا أعرف إن كان ممكناً لعاقل بعد هذا الشرح أن يعرّف كلمة “نصر أمريكي على إيران” ويشرح أبعادها وتبعاتها.

طبعاً قد يأتي بعض الحالمين ويقولون إن أمريكا ستسقط نظام الملالي وستجلب نظاماً ديمقراطياً إلى إيران، وما إلى ذلك. يكفي أن تنظر إلى سوريا بعد سقوطها بيد الظلاميين الذين جلبهم ترامب باعترافه لتعرف مدى سخف هذه الحجة.

فالنظام الأمريكي، بحكم تركيبته وتركيبة دولته العميقة، أصبح أعجز عن ضبط نظامه الداخلي والنظام الدولي الذي جعله يتحكم بالعالم لثمانين عاماً بعد الحرب العالمية الثانية؛ فكيف ببلد يكنّ أغلب سكانه العداء له ومدجج بالسلاح؟ أمريكا لا تستطيع في مرحلة أفولها هذه أن تجلب سوى الخراب والفوضى، والتاريخ القريب شاهد.

لذلك قد نرى دول العالم، بما فيها الصين، تهرع لوقف الحرب كي لا تغرق أمريكا في هذه الدوامة؛ فالصين لها مصلحة بأمريكا ضعيفة، ولكن ليس لها أدنى مصلحة بأمريكا منهارة. فرأس المال قد يقبل إضعاف طرف على حساب طرف آخر، ولكنه لن يقبل بتدمير أحد الأطراف، لأن في ذلك هلاك الرأسمالية كلها.

أما السؤال حول ماذا تعني كلمة “هزيمة” أمريكا أمام إيران وما سيترتب عليها، وهي ( ايران ) التي لا تزال تدافع بشرف وتذيقهم ما لم يرونه من قبل ؟ فسأترك الإجابة عليه لتفاعل الأحداث، وللتاريخ، ولتحليلاتكم ..

اترك تعليقاً

Scroll to Top