سليمان أحمد
ليس صعود اليمين المتطرف في ألمانيا ظاهرة انتخابية معزولة، ولا يمكن اختزاله في تحول مزاج الناخب الألماني نحو اليمين، فالانتخابات ليست سوى السطح السياسي لصراع أعمق يجري داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية الألمانية والأوروبية .
إن وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى نحو 44 % في انتخابات ولاية ( ساكسونيا -أنهالت ) في انتصار تاريخي لليمين المتطرف، لا يعني ببساطة ان ما يقارب نصف الناخبين أصبحوا فجأة يمينيين متطرفين، إن وراء هذا التصويت غضباً اجتماعياً متراكماً نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الطاقة والقلق على الوظائف وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية والخوف من المستقبل .
الرأسمالية الألمانية التي كانت لعقود نموذجاً للتراكم الصناعي والتصدير والقدرة التنافسية تواجه اليوم تناقضات متزايدة، النموذج الذي استفاد من الطاقة الروسية الرخيصة والأسواق العالمية والصناعة الثقيلة وصناعة السيارات يواجه ضغوطاً متزايدة متمثلة في ارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة الصينية والتحولات التكنولوجية وأزمة صناعة السيارات والاضطراب في التجارة العالمية، كما أن الحرب والعقوبات وإعادة ترتيب مصادر الطاقة رفعت كلفة الانتاج الألماني .
وهنا تبدأ السياسة في التحول ..
عندما تعجز الرأسمالية عن تقديم حلول اقتصادية واجتماعية حقيقية ويبدأ معدل أرباحها بالانخفاض فإنها لا تتوقف عن العمل، بل تبدأ في إعادة توزيع كلفة أزمتها على المجتمع كله .
تقليص الانفاق الاجتماعي والضغط على الأجور ورفع سن التقاعد وإعادة تنظيم سوق العمل وزيادة الانفاق العسكري وتحميل الطبقات الشعبية تكاليف التحول الاقتصادي، وهذه الحزمة من السياسات التقشفية تلجأ إليها كاصلاحات ضرورية .
وفي المقابل .. يأتي اليمين ليقدم تفسيراً بسيطاً لأزمة معقدة : المهاجرون، اللاجئون، النخب السياسية، روسيا أو الغرباء عموماً، وهنا تكمن خطورة اليمين الشعبوي، فهو يأخذ الألم الحقيقي الذي تولده الأزمة الرأسمالية لكنه يقدم له تفسيراً زائفاً ديماغوجياً .
العامل الذي يخسر عمله لا يخسره لأن مهاجراً جاء إلى بلده بل لأن رأس المال يعيد هيكلة الإنتاج بحثاً عن الربح، وارتفاع الأسعار لا ينتج أساساً عن وجود اللاجئين وإنما عن علاقات الإنتاج والطاقة والتجارة والاحتكار والصراع الدولي على الأسواق ومصادر المواد الأولية .
لكن اليمين يحول الصراع من صراع عمودي بين رأس المال والعمل إلى صراع أفقي بين قطاعات من الطبقات الشعبية نفسها، وهذا بالضبط ما يجعل اليمين مفيداً للرأسمالية في لحظات أزمتها .
فبدلاً من أن يسأل العامل .. لماذا تتراكم الثروة في أيدي حفنة من الناس بينما تتزايد الضغوط على أغلبية الشعب ..؟
يصبح السؤال .. لماذا يحصل المهاجر على هذا ..؟ ولماذا يحصل اللاجئ على ذلك ..؟
وبدلاً من أن يكون الصراع حول ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع الثروة، يتحول إلى صراع حول الهوية والقومية والهجرة والحدود .
إنها عملية تحويل الغضب الطبقي إلى غضب قومي ضيق .
ولهذا فإن المسألة ليست أن الرأسماليين يختارون اليمين بالضرورة باعتباره خياراً وحيداً، وإنما أن النظام الرأسمالي عندما يدخل أزمة عميقة، يستخدم مختلف الأدوات السياسية المتاحة أمامه للحفاظ على شروط تراكم رأس المال .
إن الرأسمالية لا تبحث في لحظات الأزمة عن الحل العادل وإنما عن الحل الممكن الذي يعيد إنتاجها بأقل خسائر ممكنة بالنسبة إلى رأس المال .
الرأسمالية تستخدم كل أوراقها .. الإصلاح، التقشف، الدولة، السوق، القومية، الحرب، التكنولوجيا، واليمين المتطرف، لكن استخدام الأوراق لا يعني امتلاك الحل، فالأزمة التي تتعمق داخل علاقات الإنتاج لا يمكن حلها إلى الأبد بتغيير الحكومات أو تبديل الخطاب السياسي .
