الدكتور عمرو حديفة
لماذا نحتفل بهذا الشخص، ولماذا نخلّد أفعاله، ونبقي صوره في أغلب بيوتنا في السويداء، وفي كثير من بيوت أحرار العالم؟
ليس بسبب انتصاره على الاستعمار الفرنسي، وقبله العثماني؛ فهو الذي أعدم العثمانيون أباه، وساقوه إلى التجنيد وجعلوه يحارب في البوسنة والبلقان. ثم بعد ذلك خطف الفرنسيون ضيفه، وهدموا داره، ولاحقوه وشرّدوه في البوادي والوديان لما يزيد على 13 عاماً. ولم تخرج فرنسا بسبب معركة الكفر أو معركة المزرعة أو معركة المسيفرة وقلعة السويداء، بل خرجت بعد هذه الأحداث بعشرين عاماً، وبقرار دولي وبفيتو سوفيتي ضد استمرار الانتداب الفرنسي لسوريا.
وبعد هذا السجل من عدم نجاح تلك الحركات على المستوى الشخصي والسياسي، لماذا نحتفل به وبذكراه؟
هل هو نقص أبطال؟
كلا.
ما ميّز سلطان الأطرش وجعل صيته وفعله خالدين هو عدة أمور أساسية؛ من لا يلتزم بها سيكون كالفطر تكبّره الظروف في لحظة معينة، ثم سرعان ما ينتهي بعد تغيّر هذه الظروف؛ أي سيكون رمزاً ظرفياً لا رمزاً تاريخياً.
أولاً: سلطان الأطرش ثار على مستعمر لبلاده، ولم يستعن بمستعمر أقوى على مستعمر أضعف. فالحرية والكرامة لا تتجزأ: إما كلها أو لا شيء، ولم تكن النتيجة هي النصر الذي حققه، بل فعل المقاومة بحد ذاته هو النصر.
ثانياً: أخذ سلطان من جبل العرب منطلقاً له لا مستقراً، ليس حباً بسوريا التي لم تكن موجودة “كدولة” كما هي متخيّلة اليوم، بل لإيمانه بأن الكرامة والحرية تحتاجان إلى دعم أناس أحرار وذوي كرامة من كل الفئات والمكونات. وإلا فكيف ستواجه مستعمراً يتفوّق عليك بكل شيء ألف مرة على الأقل، وخاصة أن في كل فئة من هو مستعد للعمالة ومن هو مستعد للمقاومة.
ثالثاً: عرف سلطان أن التقسيم هو تسليم رقبة أهله لكل سافل دولي قد يأتي إلى هذه الأرض، رغم سيل الإغراءات التي وافق عليها كثير من إقطاع السويداء وباقي مدن سوريا، لكنه رفض، وخاطب الناس بأن الانقسام ضعف، وأن كلفته ستكون أعلى بألف مرة من الوحدة على أساس الاستقلال والمواطنة والمساواة، وهذا شعار الثورة الفرنسية الذي تبناه الإعلان العام للثورة السورية الكبرى نصاً عام 1925.
رابعاً: لم يكن لسلطان ثمن؛ لم يستطع أحد شراءه، ولم يستطع هو أن يبيع نفسه لأحد أو أن يرتهن له. ولم يكن طالب مناصب إدارية أو سياسية أو مالية، فالحر لا يمكن أن تكبّله مناصب في دول شبه مستقلة.
لهذا كله وأكثر، جعله قومه سيداً عليهم، وأشرف ما أنجبوا، وأفخر ما قدّموا للتاريخ.
فمن يعتقد اليوم أنه من أحفاد سلطان، لا يقوم بالمهادنة مع سلطة الإرها.ب العميلة الجشعة في دمشق، ولا يشدّ ظهره بمجر.مين دوليين، لأنهم سيبيعونه في أقرب سوق نخاسة، وقد سبق أن باعوا من هم أكثر قيمة منه.
سلطان ليس ملكاً لمن وُلد صدفة من نسبه أو من أبناء طائفته؛ سلطان ملك لمن يتبنى نهجه بالفعل لا بالقول. ومن يخدع نفسه ويفعل عكس ذلك قد ينال من الأيام الجميلة الخادعة بعضها، ثم ينطفئ بعدها هو وذكراه، التي لن يتذكرها التاريخ إلا باللعنات، وكالكوميديا السوداء، أي المضحك المبكي.
وستأتي الأيام التي يُرمى بهم إلى حيث يستحق كل عميل، وسيبقى اسم السلطان شامخاً عبر العصور، هو وكل أبطال هذا العالم الذين لم ينتصروا على مستعمريهم مباشرة، ولكنهم قاوموهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
ستبقى فينا، وننتصر، ولن نجزع من طريق الحق لقلة سالكيه.
ملاحظة اضافية:
لم تكن الثورة السورية الكبرى كافية للاستقلال بل تبعتها اضرابات، نضالات اجتماعية وطنية لا يمكن اغفالها وصولا الى القرار الدولي…..
تستحق هذه النضالات مقالات كاملة لاحقة.
