آنَ لقاسيونَ أنْ يحزنَ ، فخبرُ الرحيلِ مفجعٌ ، يتسلّلُ إلى عظامنا ليحدثَ نخراً فيها .
ولأنّ الراحلَ هو ابن قاسيونَ في الشموخِ فإنَّ النخرَ يتعاظمُ لتسريَ فينا قناعةٌ : أنَّ الأرضَ قد أصبحت من حولنا أقلَّ ورداً ، وأنَّ مساحات النورِ قد ضاقتْ على ضيقها من حولنا .
الموتُ شقيقُ الحياةِ الأكبر ، والأكثر منها طولاً وعرضاً وعمقاً ، كلّما استهدفَ مفكّراً أو مبدعاً أو سياسيّاً استثنائيّاً ظلَّ يحملُ أبداً قضيّةَ شعبهِ ووطنهِ ، استحضرنا قولُ الجواهريّ الأكبر الذي قالهُ في الستيناتِ ، في تأبينِ الشاعرِ معروف الرصافي :
لغزُ الحياةِ وحيرةُ الألبابِ ……..
أنْ يستحيلَ الفكرُ محضَ ترابِ
كم هي موجعةٌ هذهِ الكلمات ، ومرّةٌ مثل الموت .
وإذا كانَ للموتِ أنْ يُغيّبَ الجسدَ ، فإنَّ مآثرَ الراحل الكبير الدكتور عمار بكداش: الأمين العام للحزب الشيوعي السوري عصيّةٌ على الموتِ .
فمنْ يصدّقُ أنَّ المناضلينَ المخلصينَ لقضايا شعوبهم وأوطانهم يموتون ! كمن يصدّقُ أنّ الشمسَ لن تشرقَ غداً ، فهم شموسٌ لا تعرفُ الأفولَ .
وراحلنا الكبير من هذه الأرومةِ التي ستبقى عصيّةً على النسيانِ ولأمداءٍ مديدةٍ ، حيثُ نذرَ نفسهُ لقضيةِ الوطنِ وحملَ في قلبهِ الكبيرِ جراحاتهُ وآلامَ كادحيهِ .
وحينَ بدأتِ الضباعُ تتراقصُ على جثّةِ الوطنِ وتسلّمُ آخرَ ذرّةٍ من ترابهِ لأعدائهِ ، جاءنا صوتهُ مُجلجلاً من قلبِ دمشقَ ، ووسطَ جموعِ الضواري ، فاضحاً طبيعةَ الارهابيينَ الظلاميينَ : أدواتَ الامبرياليّةِ والصهيونيّةِ وتركيا الأطلسيّةِ والذينَ عاثوا فساداً وقتلاً وارهاباً في وطننا الحبيب .
لكنّهُ بقيَ مؤمناً بقوّةِ الشعبِ السوريّ وتقاليدهِ الوطنيّةِ والذي يستولدُ من المآسي ضوءاً .
إذا كانَ رسول حمزاتوف قد وصفَ نزولَ شهيدٍ في قبرٍ بالقول :
” دفنّا اليومَ جبلاً ” فإنّ السوريينَ ومعهم البشريّةُ التقدميّةُ سيدفنونَ جبلاً اسمهُ : عمار بكداش .
لكن ما يعزّ علينا أنّ اللونَ الأسودَ يمسحُ ساحاتِ دمشقَ اليومَ بدلَ بياضِ ياسمينها ، وأنّ الجبلَ الراحلَ يشمخُ بعيداً عن قاسيونَ .
هي الطبيعةُ البشريّةُ في مآلها الأخيرِ ، أن يفترسنا الموتُ ، هذا الموتُ الذي داهمنا في أصعبِ الظروفِ التي تمرُّ بها بلادنا ، وفي أخطرِ منعطفٍ من تاريخِ سوريا .
ولأنّ الوطنَ كانَ ينتظرهُ بعينينِ مفتوحتينِ فكانَ الرحيلُ ضرباً منَ القتلِ ، ذلكَ الموتُ الذي قالَ فيهِ المتنبّي العظيم :
إذا ما تأمّلتُ الزمانَ وصَرْفَهُ …..
تيقّنتُ أنّ الموتَ ضربٌ منَ القتلِ .
وها هو راحلنا الكبير … الكبير : عمّار بكداش يرحلُ عنّا جسداً ، ليسكنَ فينا سيرةً حميدةً ، وقيماً نضاليّةً ، ونبراساً وطنيّاً ، وإرثاً أمميّاً لا ينضب .
فكم كنّا نستمدّ من وجوده الكثيرَ الكثيرَ من العزيمةِ ، والقدرةَ على المثابرةِ والاستمرارِ في النضالِ .
ولأنّهُ كانَ عاشقاً للحياةِ وللوطنِ فدعونا في حضرةِ الغائبِ – الحاضرِ نحتفي بالحياةِ كما يليقُ بهِ وبنا .
ونَعُدَّ من أطواقِ الياسمينِ الدمشقيّ ما يكفي لنمسحَ بها الحزنَ عن جبهةِ قاسيونَ .
وردٌ كثيرٌ لروحِ قائدِ الشيوعيينَ السوريينَ … وطيبُ الذكرِ لهُ أبداً … المجدُ لفكرهِ ، والخلودُ لذكراه .
وبهذهِ المناسبةِ الأليمةِ تتقدّمُ أسرةُ مشروع أورورا الإعلامي بخالصِ العزاءِ لقيادةِ الحزبِ الشيوعيّ السوريّ ، وكوادرهِ وأعضائهِ ومناصريهِ وللشعبِ السوريّ ووطنييهِ عموماً برحيلِ أبرزِ رجالاتِ سوريا الوطنيين .
