دفاعاً عن الماركسية كفلسفة ومنهج ونظرية.. لا عن أخطاء في التطبيق هنا وهناك

سليمان أحمد

أثار مقال الكاتب السوداني الأستاذ زكريا نمر تحت عنوان ( هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس..؟)، جملة من الأسئلة الفكرية التي تستحق التوقف عندها، وتكمن أهمية النقاش، في أنه لا يكتفي بمراجعة التجارب التاريخية للأحزاب الشيوعية وتوجيه النقد لها بالعموم ككتلة واحدة، بل يحاول مساءلة العلاقة بين الماركسية والتطبيق العملي .

غير أن المقال برأيي يقع في عدد من الإشكالات المنهجية التي تؤدي إلى الخلط بين الماركسية كنظرية وبين تجارب تاريخية حملت اسمها، وبين جمود بعض الأحزاب وطبيعة المنهج الماركسي نفسه، كما يخلق حاجزا ميكانيكيا صلبا بين الفلسفة والأيديولوجيا .

بداية .. لا بد من التمييز بين الماركسية بوصفها منظومة فكرية، وبين الأحزاب التي حملت اسمها، فالماركسية ليست مجرد فلسفة، وليست مجرد منهج نقدي، وليست مجرد نظرية اقتصادية، بل هي منظومة فكرية متكاملة تضم هذه المستويات جميعاً .

فهي فلسفة لأنها تقدم تصوراً شاملاً عن الطبيعة والمجتمع والإنسان، يقوم على أولوية المادة على الوعي وعلى الحركة والتناقض والتطور، وتشكل المادية الجدلية والمادية التاريخية ووحدة العالم المادية الأساس الفلسفي لهذا التصور .

وهي منهج علمي لأنها تمتلك أداة لتحليل الواقع هي المنهج المادي الجدلي، الذي يدرس الظواهر في حركتها ويكشف تناقضاتها الداخلية ويربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، وينطلق من الواقع الملموس إلى الاستنتاجات، لا من الأحكام المسبقة إلى الواقع .

وهي أيضاً نظرية علمية، لأنها قدمت إسهامات كبرى في الاقتصاد السياسي، كنظرية القيمة والعمل ونظرية فائض القيمة ونظرية التراكم الرأسمالي ونظرية الأزمات الدورية ونظرية الصراع الطبقي وغيرها من الأدوات التي ما زالت تحتفظ براهنيتها وقوة براهينها لليوم .

من هنا .. فإن اختزال الماركسية في كونها أداة للنقد فقط كما يوحي المقال، ينتقص من بنيتها النظرية والفلسفية، ويفقدها طابعها الثوري، فالنقد في الماركسية ليس غاية في ذاته، بل جزء من مشروع أشمل يهدف إلى فهم العالم وتغييره .

يبدأ المقال بسؤال : كيف استطاعت الصين أن تتحول من دولة مزقتها الحروب والفقر إلى قوة اقتصادية عالمية تحت قيادة حزب شيوعي، بينما انتهت تجارب شيوعية أخرى إلى الانهيار أو التراجع ..؟

ثم يورد تفسيراً مفاده أن الصين نجحت لأنها أحسنت التطبيق، قبل أن يشكك في هذا التفسير بدعوى أنه يفترض عصمة النظرية ويحمل البشر وحدهم مسؤولية الخطأ .

غير أن هذا الطرح يثير سؤالاً آخر : هل يناقش الكاتب هذه الإشكاليات من داخل المنهج المادي الجدلي، أم من خارج المنظومة الماركسية …؟!

لأن الحكم على أي نظرية يفترض أولاً استخدام أدواتها المنهجية أو تقديم بديل فلسفي واضح، لا الاكتفاء بمعايير عامة حول البراغماتية أو التحرر من الأيديولوجيا .

ومن هنا أصل إلى إحدى أهم نقاط الخلاف، وهي العلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا .

يفصل المقال بين الفلسفة والأيديولوجيا فصلاً ميكانيكياً، فيجعل الأولى مصدراً للشك، والثانية مصدراً لليقين، لكن هذا الفصل ليس دقيقاً من منظور الفكر الماركسي .

فالأيديولوجيا ليست مرادفاً للدوغمائية، كما أن الفلسفة ليست نقيضاً لها بالضرورة .

الأيديولوجيا، في معناها العلمي، هي نسق من الأفكار يعبر عن مصالح اجتماعية وطبقية معينة، وكل أيديولوجيا بالضرورة تستند إلى رؤية فلسفية للعالم، بينما ليست كل فلسفة أيديولوجيا.

أما الدوغمائية، فهي شيء آخر تماماً، إنها تحويل النظرية إلى نصوص مقدسة وإلغاء دور النقد وادعاء امتلاك الحقيقة النهائية .

ولهذا فإن المشكلة ليست في وجود الأيديولوجيا، بل في تحولها عند البعض إلى عقيدة مغلقة .

بل إن الدعوة إلى تجاوز الأيديولوجيا بصورة مطلقة ليست موقفاً محايداً، كما يبدو للوهلة الأولى، لأن المجتمع لا يخلو من مصالح طبقية متعارضة، وعندما يقال إن علينا أن نتجاوز الأيديولوجيا جميعاً، فإن النتيجة العملية تكون غالباً تكريس الأيديولوجيا السائدة بوصفها أمراً واقعاً .

ولذلك فإن كل حديث عن نهاية الأيديولوجيا كان، تاريخياً، أيديولوجيا بحد ذاته .

صحيح أن بعض الأحزاب الشيوعية تعرضت للتحريفية ووقعت في الجمود الفكري، ولم تستوعب التحولات العميقة التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي، سواء على مستوى الثورة الرقمية أو إعادة هيكلة التراكم الرأسمالي أو إعادة تشكيل الطبقة العاملة، غير أن هذه الأخطاء والتقصير النظري لا تبرر الحكم على الماركسية نفسها .

وتزداد الإشكالية عندما ينتقل المقال إلى التجربة الصينية، إذ يقدم البراغماتية بوصفها سر النجاح، لكنه لا يجيب عن السؤال الماركسي الجوهري : براغماتية لصالح أي طبقة؟!

فالماركسيون لا يقيسون نجاح السياسات بارتفاع الناتج المحلي وحده، ولا بسرعة النمو الاقتصادي، وإنما يحللون طبيعة علاقات الإنتاج ومن يملك وسائل الإنتاج، وكيف يتشكل فائض القيمة، ولصالح أي طبقة تجري عملية التراكم .

وهذه الأسئلة تكاد تغيب تماماً عن المقال .

فالحديث عن التعليم والتكنولوجيا والنمو والمؤسسات مهم بلا شك، لكنه لا يكفي للحكم على طبيعة النظام الاجتماعي، إذ أن هذه العناصر يمكن أن توجد في الرأسمالية كما يمكن أن توجد في الاشتراكية، ولا تشكل بحد ذاتها معياراً للفصل بين النظامين .

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس : هل نجحت الصين…؟

بل هو : ما طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج هذا النجاح.. ؟ ولصالح من؟

من يتحدثون عن نجاح التجربة الاشتراكية في الصين، كيف لهم أن يفسروا لنا هذا التوسع الهائل في القطاع الخاص وهذا التراكم الهائل لرأس المال، وصعود لطبقة برجوازية جديدة، وفتح أبواب الحزب لرجال الأعمال وأصحاب الشركات الكبيرة، وتوسع غير عادي في علاقات الإنتاج الرأسمالية، أم لديهم معايير أخرى غير طبقية .

ومن جهة أخرى، يكاد يغيب عن المقال مفهوم الصراع الطبقي، رغم أنه يشكل حجر الأساس في المادية التاريخية، إذ تتحول الدولة في المقال إلى جهاز إداري محايد يبحث عن أفضل السياسات، بينما الدولة، مهما تغيرت وظائفها، تبقى مرتبطة بالبنية الطبقية للمجتمع . ولذلك لا يكفي القول أن الصين عدلت سياساتها، بل يجب أن نسأل : لمصلحة أي طبقة جرى هذا التعديل…؟!

إن الدفاع عن الماركسية لا يعني الدفاع عن كل تجربة حملت اسمها، ولا عن كل حزب رفع رايتها، بل يعني التمييز بين المنهج العلمي وبين التطبيقات التاريخية، وبين النظرية وبين من أخطأ في فهمها أو تطبيقها .

لقد كانت الماركسية وما تزال مشروعاً نقدياً مفتوحاً، لكنها أيضاً فلسفة متكاملة ومنهج علمي، ونظرية في الاقتصاد والمجتمع والتاريخ، وايديولوجيا ثورية تعبر عن مصالح الطبقة العاملة، ولا يتعارض أي من هذه الأبعاد مع الآخر، بل يشكل كل منها شرطاً لوجود الآخر .

ومن هنا، فإن السؤال الأدق ليس : هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس……؟!

بل : إلى أي حد استطاعت الأحزاب الشيوعية أن تطور الماركسية في ضوء التحولات التاريخية للرأسمالية العالمية، وأن تبقى وفية لمنهجها الجدلي القائم على النقد والمراجعة، دون أن تتخلى عن جوهرها الطبقي والثوري ؟

رابط المقال ( هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس ) للأستاذ زكريا نمر

https://www.facebook.com/zakari.namar/posts/pfbid02DecBNKHFeaFjx8ceoHJC3LNxxukEu5oc7uXop2kBYLzrtS1D6kpesn2pGXQEjEEal?cft[0]=AZZxBfADwNgHc2fuzjKa9EulyHol79SlnAmHMPyCEuTZCgRnEx2_Zoi9o1ivS2tNZlDucMlSJLw55GoyvbosIUOhPQjstD7g3ycwC1Rxk8K-H4_ZKxIZ9gmYUV9GQ-vf0JEB7L6y61RqnShzhxNuYaZ1&cft[1]=AZYR1gdgRysqjSmSS-NDAM7SQyoyuPsyyU0Kp-t9Hlq51IzVRDGuAaYuLv0Ed72dubd2EmxlW-SeJaNWFFqhT5B1tN6Cc9No5WbS4ajfO2jg-az3xEr-l6gHr9fWZFYcYflMflzPsODS4PEa17qX5A-q0WGb-8HxOIqdYmDrFTAx0A&tn=R]-R

اترك تعليقاً

Scroll to Top