حين يُفكَّك المجتمع من داخله : التحريض الطائفي كأداة إمبريالية .

 

أخطر أشكال السيطرة لا تُمارَس بالقوة العسكرية المباشرة، بل حين يُدفَع المجتمع إلى التهام نفسه.

فالتحريض الطائفي والفئوي ليس انحرافاً اجتماعياً عابراً، بل سياسة واعية تُستخدم لتفكيك المجتمعات من الداخل، وإفراغها من أي قدرة على التماسك أو المقاومة،

فحين تُعاد صياغة الهويات على أساس الخوف والكراهية، يصبح العنف نتيجة متوقعة لا حادثاً طارئاً، خصوصاً حين تُدار هذه العملية من سلطة تستثمر الانقسام لضمان بقائها الوظيفي.

لا يمكن فصل ما يجري عن الدور البنيوي للإمبريالية الأمريكية، التي أثبتت عبر تجارب متعددة أن المجتمعات الموحدة تشكّل عائقاً أمام مشاريعها.

لذلك تُفضّل تفكيك البُنى الاجتماعية من الداخل، عبر دعم الانقسام، وتوفير الغطاء السياسي لكل سلطة أو أداة قادرة على إشعال صراع أهلي طويل الأمد، بأقل كلفة مباشرة، وهو الدور الذي تؤديه سلطة الجولاني الرجعية والعميلة بوصفها صلة الوصل بين سياسة الامبريالية الامريكية وأدوات التفجير الداخلي في سورية إذ لم ينشأ العنف فيها من فراغ، ولا كان تعبيراً عن صراعات “طبيعية”.

بل بدأ بخطاب تحريضي ممنهج، استهدف الفئات الأكثر هشاشة اجتماعياً، واستثمر في الفقر والتهميش وقلّة الوعي السياسي، برعاية سلطة رجعية وجدت في هذا الخطاب وسيلتها لإعادة إنتاج السيطرة عبر الفوضى.

هنا جرى استغلال بعض البدو والعشائر ، لا بوصفهم فاعلين واعين، بل بوصفهم أدوات سهلة التعبئة، دُفعت إلى واجهة الصدام لتقوم بالدور الأقذر، بينما بقي المخططون في الخلف، التي أدارت التحريض ووفّرت له الغطاء السياسي والأمني.

في السويداء، سبق العنف عمل طويل على شحن النفوس، وبناء صورة “العدو”، ثم دفع مجموعات عشائرية وبدوية إلى الاشتباك ، مستندين إلى سرديات مشوّهة عن الدفاع عن الكرامة أو الثأر، وذلك ضمن سياسة ممنهجة اتبعتها السلطة العميلة لتفجير المجتمع من داخله وإشغال الناس ببعضهم.

هكذا ارتُكبت الجرائم بأيدي من جرى تضليلهم، بينما ظل من حرّض وسلّح ووجّه بعيداً عن المحاسبة،

وفي الجزيرة السورية، أُعيد السيناريو ذاته:

تحريض عشائر عربية ضد الأكراد، تسليح، فوضى، ثم صدام مباشر، بإدارة سلطة الجولاني التي لعبت دور المنسّق المحلي لمشروع التفكيك الإمبريالي.

العشائر هنا لم تكن صاحبة مشروع، بل مطية لحرب أكبر منها، استُخدمت فيها قلّة الوعي السياسي لتحويل أبناء المجتمع إلى وقود صراع، ضمن سياسة مقصودة هدفت إلى كسر أي إمكانية للتعايش أو الفعل المشترك، ثم ليُتركوا بعدها لمواجهة التهمة والعزلة.

هذا الاستخدام لم يكن عبثياً بل يخدم منطق الإمبريالية الأمريكية القائمة على إدارة الفوضى لا حلّها، ويجد ترجمته العملية في ممارسات سلطة الجولاني التي لن تعيش إلا على الانقسام.

فحين يقتل الفقراء بعضهم بعضاً ، تسقط القضايا الكبرى من الحساب، ويُعاد رسم المشهد على مقاس القوى الخارجية، بينما تضمن السلطة المحلية استمرار دورها كوسيط أمني وسياسي.

وفي هذا الإطار، تُعاد صناعة العنف بواجهات “شرعية”، ويُعاد تدوير التنظيمات المتطرفة بأسماء مختلفة، لتؤدي وظائف مرحلية قبل أن تُرمى، وذلك تحت إشراف السلطة التي وظفت هذه الأدوات ثم تتبرأ منها عند انتهاء دورها، بالاعتماد على الفئات الهامشية الأكثر تخلفاً والعودة إلى مكونات ما قبل الدولة.

العشائر والبدو لم يكونوا شركاء سلطة ولا صانعي قرار.

كانوا ضحايا استغلال مزدوج:

ضحية التهميش التاريخي من جهة،

وضحية التحريض والتسليح من جهة أخرى، بفعل سلطة حولتهم إلى أدوات مؤقتة في صراع لا يخدمهم.

ليُدفعون اليوم للقتال،

ويُقدَّمون غداً كجناة منفردين،

بينما يخرج المحرّضون بخطابات نظيفة عن “الأمن” و”العدالة”، لتتنصل من نتائج سياساتها التخريبية.

الخطر الحقيقي يكمن في استمرار هذه السلطة الرجعية والعميلة المعاد تدويرها من بقايا منظمات ارهابة سابقاً .

فما لم تُدرك العشائر والمكوّنات الاجتماعية أن الدور المرسوم لها هو دور الأداة، وأن من يرسم هذا الدور هو سلطة عميلة رجعية لا تمثل مصالحها،

وما لم يُكسر خطاب الكراهية قبل أن يتحول إلى سلاح دائم،

ستبقى المجازر قابلة لإعادة الإنتاج، بأسماء وأقنعة مختلفة.

الوعي ليس ترفاً ثقافياً ، بل مسألة حياة أو موت.

واللحمة بين أبناء المجتمع ليست شعاراً عاطفياً، بل خط الدفاع الأخير في وجه مشروع يريد تحويل الفقراء إلى قتلة، ثم محاكمتهم وحدهم، بينما يفلت المخططون والوسطاء من أي مساءلة.

كي لا نبقى وقوداً لحروب تُدار من الخارج،

وتُنفّذ بأيدينا،

وتُشرف عليها سلطة رجعية عميلة،

فإن المهمة الأكثر أهمية المنوطة بالقوى الوطنية تتمثل في بناء أوسع تحالف من أجل إسقاط هذه السلطة الرجعية العميلة، وتشكيل حكومة وطنية تعمل على استقلال سوريا و وحدتها

وتوحيد الصف الوطني في وجه المؤامرات المحاكة إمبريالياً ضدها

اترك تعليقاً

Scroll to Top