حول ظاهرة زهران ممداني ..

🔳 كتب الدكتور موسى ابراهيم من ليبيا :

فوز الشاب الهندي/الأوغندي/المسلم/الاشتراكي زهران ممداني بعمدة نيويورك قبل ساعات من الآن، يثير ضجة واسعة، ليس فقط داخل الولايات المتحدة بل أيضاً في الوطن العربي وإفريقيا والجنوب العالمي.

في مواقع التواصل العربية، يرى الليبراليون العرب في هذا الحدث “دليلاً على حيوية الديمقراطية الغربية” و”انفتاحها على التعددية” و”قدرتها على تجديد نفسها”. يقولون إنّ أمريكا التي كانت يوماً تُقصي السود والمسلمين، تنتخب اليوم عمدة مسلماً ذا أصول جنوب آسيوية يقف على يسار الحزب الديمقراطي، وكأنها تبرئ نفسها من تاريخها الطويل في العنصرية والاستعمار الحديث.

هؤلاء يصفقون للحدث بوصفه درساً للعرب في التسامح والحرية، وكأن ما ينقصنا هو فقط أن نكون مثل الغرب في مؤسساته الانتخابية وشكلياته الدستورية، وليس أصلاً أن نتحرر ونتحد ونتحكم في ثرواتنا، وننتج ما يسد الرمق!

هذا التفاؤل الساذج يخفي جهلاً بطبيعة النظام الذي أفرز ممداني نفسه، النظام الأمريكي الرأسمالي الذي لا يتيح لأحد أن يصعد خارجه، بل فقط داخله.

الديمقراطية الغربية في حقيقتها ليست حرية، بل ديكتاتورية مُقنّعة. ديكتاتورية رأس المال، واحتكار الإعلام، وسلطة الشركات الكبرى، والمؤسسة العسكرية، والمصارف.

إنها منظومة تسمح بهامشٍ من التنفيس، تماماً كما تُترك نافذة صغيرة في غرفة خانقة ليُقنع السجين نفسه أنه يتنفس. يسمحون لك أن تصوّت، أن تتظاهر، أن تنتقد، ولكن ضمن الإطار، ضمن اللغة المسموح بها، ضمن منطق السوق.

وبرنامج ممداني نفسه لا يخرج عن هذا المنطق، رغم أنه يبدو صادقاً على المستوى الشخصي وكلامه بعد الفوز أعجبني على المستوى الفكري. ولكنه أشبه بطبيب يحاول معالجة مريض بالسرطان بكمادات تخفف بعض القروح الخارجية، فيرتاح المريض قليلاً ويتنفس، لكن المرض في الداخل يستمر في افتراس الجسد.

هكذا هي برامجه الإيجابية حقيقيةً عن العدالة السكنية والمواصلات المجانية وحقوق العمال، كلها مسكنات للألم لا تعالج الداء، والنظام يعرف ذلك جيداً، بل يعتمد عليه كجزء من آلية التنفيس والبقاء.

زهران ممداني نفسه، رغم خطابه الاشتراكي الجيد، لن يملك أن يغيّر شيئاً في منظومة تموّلها المصالح العقارية وتتحكم فيها وول ستريت. سيبقى محكوماً بسقفٍ حديدي من المصالح الرأسمالية، وبجهاز إداري وأمني يحرس النظام، لا يخدم الناس.

تذكروا أنني لا أقيّم زهران ممداني، بل المنظومة الأمريكية للهيمنة والتحكم. يعني قد يكون ممداني إنساناً جيداً وسياسياً مناهضاً، ولكنه لن يغير شيئاً في المنظومة، بل سيساعدها بانتخابه على الاستمرار، عبر تخفيف الضغط عليها بإصلاحات خفيفة هنا وهناك.

وهذه هي المأساة: منظومة هيمنة تستمر وتتقوّى بالمقاومة ضدها، لأنها مقاومة من داخل آليات المنظومة نفسها!

لذلك فالتصفيق العربي لفوز ممداني لا يعكس وعياً، بل انبهاراً بالمظهر دون الجوهر، واستسلاماً للخدعة الغربية التي جعلت من الديمقراطية صنماً يُعبد، بينما هي في جوهرها هندسة دقيقة للهيمنة وضبط الجماهير.

إنها ليست ديمقراطية حرية، بل ديمقراطية التحكم، حيث يُسمح لك أن تختار من يدير سجنك، لا من يحررك منه

اترك تعليقاً

Scroll to Top