سليمان أحمد
على خطى نيكولا تيسلا وبيل غيتس في استشراف المستقبل، يواصل رجل الأعمال الأمريكي الملياردير إيلون ماسك إطلاق تصوراته، حول أثر التقدم التقني والذكاء الاصطناعي في حياة البشر .
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في حديثه لمجلة الإيكونوميست بتاريخ 25 تموز يوليو 2026، قوله إن المال قد يفقد أهميته بحلول عام 2036 متسائلاً :
( إذا أصبحت الروبوتات والذكاء الاصطناعي توفر من السلع والخدمات أكثر مما يستطيع البشر استهلاكه، فما الحاجة إلى المال عندئذ..؟ ) .
يثير هذا التصريح سؤالاً بالغ الأهمية، لكنه ينطلق من افتراض تقني أكثر مما ينطلق من تحليل لعلاقات الإنتاج التي يقوم عليها النظام الرأسمالي .
فماركس لم ينظر إلى المال بوصفه مجرد وسيلة للتبادل، بل باعتباره تعبيراً عن علاقات إنتاج اجتماعية محددة .
فالمال لا يوجد لأن البشر يحتاجون إلى النقود في ذاتها، وإنما لأن الإنتاج يتم في مجتمع يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللمنتجات، ومن ثم فإن اختفاء الحاجة إلى المال لا يتحقق بمجرد بلوغ مستوى عال من الوفرة الإنتاجية، بل يفترض تجاوز العلاقات الرأسمالية نفسها .
إن الوفرة التقنية مهما بلغت، لا تغير طبيعة الرأسمالية، فقد تتمكن الروبوتات والذكاء الاصطناعي من إنتاج كميات هائلة من السلع والخدمات بتكاليف متدنية، لكن السؤال الجوهري يبقى :
من يملك هذه الروبوتات…؟!
ومن يسيطر على الذكاء الاصطناعي..؟!
فإذا ظلت ملكية هذه الوسائل محتكرة من قبل الشركات الكبرى ورأس المال الاحتكاري، فإن الوفرة لن تقود إلى مجتمع أكثر عدالة، بل ستتحول إلى أداة لتعظيم الاحتكار وتركيز الثروة والسلطة الاقتصادية في أيدي قلة .
ومن ناحية أخرى … فإن المشكلة في الرأسمالية ليست ندرة الإنتاج، بل طبيعة الملكية الخاصة وآليات التوزيع، فالعالم ينتج اليوم من الغذاء والملابس والمساكن ما يكفي لتلبية حاجات البشر، ومع ذلك يعيش مئات الملايين في الفقر والحرمان، والسبب ليس نقص الإنتاج، بل لأن الحصول على السلع مشروط بالقدرة على الدفع، أي إن السوق لا توزع الثروة وفق الحاجات الإنسانية وإنما وفق القدرة الشرائية لكل فرد .
ماركس توقف مطولاً عند قانون القيمة، ورأى أن قيمة السلعة تتحدد بوقت العمل الاجتماعي الضروري لإنتاجها، وإذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى تقليص دور العمل البشري المباشر ورفع التركيب العضوي لرأس المال، فإن ذلك لا يلغي تناقضات الرأسمالية بل قد يعمقها، فمصدر فائض القيمة حسب ماركس، هو العمل البشري الحي، وليس الآلة، لذلك فإن التوسع في الأتمتة قد يؤدي إلى انخفاض معدل الربح واتساع البطالة وتعميق الأزمات الدورية، بدلاً من تجاوزها .
وهنا يبرز السؤال الحقيقي :
هل يمكن أن يختفي المال…؟
الجواب : نعم … ولكن ليس بفعل التكنولوجيا وحدها، بل في مرحلة تاريخية تتجاوز الرأسمالية، عندما تصبح وسائل الإنتاج ملكاً اجتماعياً، ويصبح الإنتاج موجهاً لإشباع الحاجات الإنسانية لا لتحقيق الربح .
عندها فقط يغدو ممكناً تطبيق المبدأ الذي صاغه ماركس :
( من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته )
وفي مثل هذا المجتمع يفقد المال وظيفته تدريجياً، لأن المنتجات لا تعود بضائع تباع وتشترى، بل تتحول إلى وسائل لإشباع الحاجات الاجتماعية للبشر .
لذلك، فإن الرد على أطروحة إيلون ماسك لا يكمن في التشكيك بقدرات الذكاء الاصطناعي، وإنما في وضعها ضمن سياقها الاجتماعي والتاريخي .
فالروبوتات والذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراتهما، لا يلغيان المال ولا الرأسمالية تلقائياً، فالمال هو انعكاس لعلاقات الملكية والإنتاج السائدة، وليس مجرد أداة تقنية للتبادل .
وإذا بقيت وسائل الإنتاج مملوكة لرأس المال، فإن الذكاء الاصطناعي سيصبح وسيلة جديدة لتعظيم الأرباح وتعميق التفاوت الطبقي، أما إذا تغيرت علاقات الإنتاج وأصبحت الملكية اجتماعية، فإن الوفرة التي تحققها التكنولوجيا يمكن أن تمهد تاريخياً لتراجع دور المال، وصولاً إلى مجتمع لا تكون فيه المنتجات موضوعاً للبيع والشراء، بل وسائل لإشباع الحاجات الإنسانية .
إن التكنولوجيا، في نهاية المطاف، لا تغير المجتمع بذاتها، وإنما تتحدد آثارها بطبيعة علاقات الإنتاج والملكية التي تعمل في إطارها، وهذا هو الفارق الجوهري بين الرؤية التقنية التي يقدمها إيلون ماسك، والرؤية التاريخية التي يقدمها الاقتصاد السياسي الماركسي
