الصحفي الأمريكي فريد زكريا
توطئة من مشروع أورورا ..
فريد زكريا كاتب واعلامي أمريكي، هندي المولد من مومباي، يكتب في فورين بوليسي وول ستريت جورنال وواشنطن بوست ومحرر في مجلة التايم الأمريكية ويعمل مقدما لبرنامج اسبوعي له شعبية كبيرة في السي ان ان تحت اسم ( فريد زكريا جي بي اس ) ويحمل درجة الدكتوراة في العلوم السياسية، وهو ليبرالي ويصف نفسه بأنه “وسطي ” والبعض يراه محافظا تقليديا ولكن مثل هكذا شخصيات هي بمثابة ترمومتر لمراقبة التحولات القادمة، فهو قريب من مواقع القرار ولديه الكثير من المعلومات والأرقام والاحصائيات التي يستخدمها في ابراز وجهة نظره وبالتالي يتمتع بحساسية أكثر من غيره في قراءة التحولات الجارية في العالم وفي السياسات الامبريالية .
وفي هذا المقال ومن موقعه الرأسمالي الليبرالي يحاول فريد زكريا قراءة المشهد والتحول في السياسات وابراز الخلافات ما بين الامبريالية وتحديدا بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الاوروبي وكذلك بين أمريكا وكندا وكوريا الجنوبية واليابان على ضوء التطورات الأخيرة .
وإليكم النص الكامل للمقال :
كنتُ مؤخرًا في مدينة شنتشن، قلب الآلة الصناعية الصينية، أتحدث مع أحد كبار رجال الأعمال هناك. سألته عن حرب إيران، فجاء ردّه مفاجئًا. قال: “بالنسبة لنا، هجوم ترامب على إيران أقل أهمية من تهديده بمهاجمة غرينلاند”. وأضاف: “عندما فعل ذلك مع أقدم حلفاء أميركا، أدركت أن أوروبا لن تتبع النهج الأميركي تجاه الصين”.
في الولايات المتحدة، تميل الإهانات الدورية التي يوجهها الرئيس دونالد ترامب لأوروبا إلى أن تُعامل كأنها نوبات غضب عادية، جزء من واقع “برنامج تلفزيون الواقع” الذي أصبح عليه البيت الأبيض. لكن في أوروبا، وصل تراكم هذه الإهانات إلى نقطة تحوّل. وكتب دانيال ديبيتريس مؤخرًا في النسخة البريطانية من مجلة “سبكتاتور” — وهي مجلة محافظة وعادة ما تكون مؤيدة بشدة لأميركا — أن “الحرب في إيران… أجبرت أوروبا على أن تشتد عودها”. وأضاف: “لم يعد القادة الأوروبيون مهتمين بالانحناء والتذلل للبقاء في صفّ ترامب”.
وتتحرك أوروبا الآن من الأقوال إلى الأفعال. فخطة الاتحاد الأوروبي “إعادة تسليح أوروبا/الجاهزية 2030” تهدف إلى استثمار نحو 800 مليار يورو (حوالي 935 مليار دولار) في الدفاع خلال السنوات المقبلة. وكان النموذج القديم يقوم على أن تتولى الولايات المتحدة أمن أوروبا بينما ينفق الأوروبيون بسخاء على شراء السلاح الأميركي. أما الآن، فيريد الأوروبيون أن يبقى المزيد من أموالهم داخل القارة لبناء شركات وسلاسل إمداد أوروبية، وبالتالي تحقيق استقلال استراتيجي عن واشنطن.
ويمتد هذا المنطق إلى ما هو أبعد من الدفاع. فمبادرة المدفوعات الأوروبية تعمل على إنشاء بديل قاري لشركتي Visa وMastercard. كما تسعى المؤسسات الأوروبية إلى إيجاد بدائل لنظام SWIFT وPayPal وغيرها من المنصات المالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة. وقد نقلت فرنسا احتياطياتها من الذهب من نيويورك إلى باريس، فيما ناقش سياسيون في ألمانيا وإيطاليا ما إذا كان ينبغي لبلدانهم أن تحذو حذوها. كذلك تبحث الحكومات الأوروبية عن بدائل للبرمجيات الأميركية، خوفًا من أن تُجبر الشركات الأميركية يومًا ما على قطع خدمات حيوية. ويمكن التقليل من شأن كل ذلك باعتباره استعراضًا، لكن أوروبا مجتمعة تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك ثاني أكثر عملة احتياطية استخدامًا، وبالتالي فإن أفعالها لها وزن كبير.
وربما يكون التغير الأكثر دلالة هو ما يحدث في اليمين الأوروبي. فقد كان العداء لأميركا تقليديًا من سمات اليسار — من المثقفين الباريسيين إلى الحركات الطلابية والأحزاب المناهضة للحرب — بينما كان اليمين يميل غريزيًا إلى التحالف الأطلسي. كما أن اليمين الشعبوي الأوروبي كان ينظر إلى ترامب كقديس راعٍ له. لكن غرينلاند وإيران ونبرة ازدراء ترامب العامة تجاه أوروبا جعلته عبئًا سياسيًا عبر الطيف السياسي الأوروبي. فقد أفادت صحيفة واشنطن بوست بأن شخصيات شعبوية مثل نايجل فاراج في بريطانيا، ومارين لوبان في فرنسا، وجورجيا ميلوني في إيطاليا، والعديد داخل حزب “البديل من أجل ألمانيا”، بدأوا يبتعدون عن ترامب والسياسة الأميركية. وحتى في المجر، ربما أضرت خطابات نائب الرئيس جيه دي فانس الداعمة لرئيس الوزراء فيكتور أوربان بفرصه الانتخابية.
ولا يقتصر الأمر على أوروبا. ففي كندا، وضع رئيس الوزراء مارك كارني خطة واضحة لتقليل اعتماد بلاده على السوق الأميركية. وقد وقّع بالفعل أكثر من 20 اتفاقية اقتصادية وأمنية، بما في ذلك مع الصين، لتنويع الصادرات بعيدًا عن الولايات المتحدة. كما بدأ الكنديون في تقليل شراء المنتجات الأميركية والسفر إلى الولايات المتحدة.
ورغم ذلك، لن تتجه أوروبا وكندا إلى احتضان الصين بالكامل، إذ لديهما خلافات جدية مع بكين بشأن أوكرانيا والدعم الحكومي والسيارات الكهربائية والمعادن الحيوية والوصول إلى الأسواق. لكنهما سيتعاملان مع الصين بمرونة حيثما أمكن. سيتحوطان. سيتعاملان مع واشنطن عند الضرورة، ومع بكين عندما يناسبهما، ومع أطراف أخرى كلما أمكن. ويشير مقال حديث في مجلة “فورين أفيرز” للباحث الصيني دا وي إلى أن الحقيقة الجيوسياسية الجديدة بالنسبة لبكين هي وجود انقسام عميق بين أوروبا وأميركا — وهو انقسام يمكن استغلاله.
أما في آسيا، فقد كان حلفاء الولايات المتحدة الأكثر تضررًا. إذ إن أكثر من 80% من النفط والغاز الذي كان يمر عبر مضيق هرمز كان يتجه إلى آسيا. واليوم، تعاني العديد من دول القارة من أسوأ أزمة طاقة منذ نصف قرن، وربما في تاريخها. ونتيجة لذلك، اضطرت دول حليفة مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى التوجه إلى خصوم مثل روسيا وإيران للتفاوض على تأمين الوقود اللازم لإبقاء الأنوار مضاءة. وزاد الطين بلة تعرضها لانتقادات من ترامب لأنه — رغم عدم استشارتها — لم تبادر بحماس للانضمام إلى الحرب في إيران. والآن، دخل العديد منها في محادثات مع بكين بشأن أمن الطاقة والتكنولوجيا الخضراء.
أحد الأسئلة المتكررة حول سياسة ترامب الخارجية كان: ما مدى ديمومة آثارها؟ وهل يمكن للولايات المتحدة استعادة ثقة حلفائها؟ كما نرى، بدأت الدول بالفعل في إجراء تحولات طويلة الأمد في سياساتها، وهذه التحولات ستكتسب قريبًا زخمها الذاتي. فقد أدركت هذه الدول أنها وضعت أمنها ورفاهها في يد واشنطن، التي استخدمت هذا الاعتماد للضغط عليها. ولذلك قررت شراء “تأمين” لحماية نفسها من أميركا غير الموثوقة. ومن يمكنه أن يلومها؟
