الباحثة والصحفية الفلسطينية رولا سامي سرحان
( رئيسة تحرير صحيفة الحدث الفلسطيني )
لم يتجلَّ الانكشاف والتيه الاستراتيجي الذي تُعاني منه الدول العربية بالشكل الاستثنائي في وضوحه مثلما هو اليوم في الحرب التي فُرضت على المنطقة في إثر العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على إيران. ولم يتأت هذا الانكشاف بسبب من ضعف هيكلي تعاني منه الدول العربية، أو بسبب من التبعية الكاملة للغرب، وذلك على صحة الأمرين؛ وإنما، وبشكل أساسي، بسبب الخلل البنيوي في تعريف الهوية الجيوسياسية للمنطقة واحترامها. بمعنى، الفشل في تحديد دور ومكانة الدول العربية في النظام الدولي من منطلق الثوابت الحضارية والتاريخية المتشكلة في بيئتها الجغرافية وبنتيجة من هذا الموقع الاستراتيجي.
وهذا الفشل، أدى إلى فشل أكبر ماثل في تحديد مَن هو العدو ومَن هو الصديق، وعلى أية قواعد وأسس. وذلك في مفارقة كبرى، جرى على أساسها التعامل مع “العدو الإسرائيلي” الكيان الطفيلي، الاستعماري، الغريب عن المنطقة تاريخا وثقافة ووجودا، وتسويقه ليكون جزءا طبيعيا من المنطقة ونسيجها الإقليمي. بينما أجهضت أية محاولات لإدارة علاقات إقليمية صحية وصحيحة مع إيران، التي هي جزء أصيل من المنطقة تاريخا وجغرافيا، وذلك بغض النظر عن طبيعة الخلافات السياسية التي لا تخلو منها العلاقات بين الدول.
هذا الانزياح في الرؤية، تسبب، ليس فقط، في إضعاف الموقف الأخلاقي للدول العربية، بل سحب منها أوراق قوتها الجيوسياسية، وتسبب في زيادة ضعفها، وانهيار مبدأ سيادتها. وهو ما جعل منها رهينة بيد مصالح قوى لا تنتمي للمنطقة تعمل على التصريح علانية بنيتها التوسعية الاستعمارية اللاهوتية على حسابها. فلم يكن إخراج الجار التاريخي الإيراني من دائرة الجار إلى دائرة العدو إلا إسهاما في انكشاف الدول العربية التي صار أمنها القومي معتمدا بشكل كامل على الدعم الغربي فشكل حالة من التبعية المطلقة لا تكون فيه الدول العربية حليفا على قاعدة الندية وإنما مجرد ساحة أمامية للحروب، وأرضا لإدارة المعارك، ومخزنا للموارد الاقتصادية التي تستنزف لتغطية تكاليف حماية موهومة.
لربما لم تفهم الدول العربية بعد أن فشلها في تثبيت احترامها الدولي لم يكن بسبب من ضعفها، أو تراجع “معيار حداثتها”، وإنما بسبب من فشل في احترام هويتها، وبيئتها، وجغرافيتها، وإمكانيات تطورها التاريخي الحضاري الطبيعي على أساس من المشترك الهوياتي على تنوعه عرقيا وطائفيا، والذي فرضته في الأساس هويتها الجيوسياسية فكانت سببا في ضعفها، بينما هي في الأصل سبب في قوتها.
وبالمحصلة، فإن استبدال الجغرافيا التاريخية ومقايضتها بتحالفات مع كيانات دخيلة أو خارجية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل والضعف، ومزيد من الارتهان والانكشاف العربيان، فالأمن القومي لا يستورد من الخارج، والاحترام لا يُمنح بل يُستحق .
