البعد الاستراتيجي لانتخابات البرازيل!

الدكتور عمرو حديفة

مرّت أحداث كبرى في سياق التاريخ المعاصر، تمثّل نقاطاً محورية ترسم حدود الهيمنة للإمبراطورية المعاصرة، في شتى أساليب الإكراه والإخضاع التي ينطوي عليها مفهوم القوة في العلوم السياسية.

لن أعود كثيراً إلى التاريخ، فموضوع سطوري هذه هو النظام العالمي الحالي، الذي بُني بناءً على تفاهمات الحرب العالمية الثانية، والذي مثّل خلاصة لسلسلة طويلة من الحروب الكبرى والأزمات العنيفة التي ضربت المراكز التي تعود إليها جذور هذا النظام، حتى رست على إمكانية حل النزاعات البينية دون الحاجة إلى حرب عالمية، بعدما ذاق الكوكب أهوالها مرتين قبل ذلك.

هذا النظام، على الرغم من هشاشة مؤسساته وآلياته مؤخراً، لا يمكننا، بسبب شعورنا بظلمه لنا، أن نستبعده من سياق أي تحليل أو استشراف سياسي. فلولاه لما كنا نستطيع اليوم قراءة هذه السطور بهذه التقنيات المحيطة بنا، ولكان آباؤنا قد هلكوا منذ زمن، ونحن بطبيعة الحال.

نتج عن هذا النظام آليات لإدارة أزمات العالم وصراعاته، تتحكم فيها بشكل رئيسي علاقات القوة والنفوذ والهيمنة. وقد مرّت بحالات من التوازن، واختلّت مراراً.

إلا أن هذه القوى المتحكمة بالآليات الدولية لا تعود، بعد كل اختلال، إلى شكلها السابق، بل تتشوّه بنيوياً في المنعطفات الكبرى، ريثما يتأقلم النظام العالمي معها، فيصبح أعرج أو أجدع أو أعمى أو أصمّ أو مجنوناً أو متوحشاً. وتتراكم هذه التشوهات بعضها فوق بعض، وصولاً إلى مرحلة يصبح فيها النظام غير قادر على الاستمرار، نتيجة وصول جسده إلى حدود قدرته على التأقلم مع أي تشوّه جديد، ولو بمقدار شعرة.

شكّلت القوة العسكرية، والإخضاع الاقتصادي والسياسي، والتدخلات في الشؤون الداخلية للدول، عماد الأساليب والأسلحة السياسية للحفاظ على الهيمنة.

فعلى الصعيد العسكري، حافظت الولايات المتحدة على تفوقها العسكري، وبالتالي إخضاعها لدول العالم الرأسمالي كله، حتى تلقّت أول هزيمة كبرى، بالمعنى الحرفي للكلمة، عام 1975، عندما استطاعت القوات الفيتنامية الشمالية اقتحام سايغون وطرد الجيش الأمريكي وعملائه المحليين في فيتنام الجنوبية من كامل فيتنام، وتوحيد البلاد. هذا الحدث أظهر للمرة الأولى حدود القوة العسكرية الأمريكية في حروبها الاستعمارية، وأعطى زخماً عالمياً لكل عدو للولايات المتحدة، ولكل حليف لها يحلم سرّاً بالتخلص من تبعيته لها.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اختلّ هذا الزخم، وجعل الولايات المتحدة، بدلاً من أن تحاول العودة إلى حالة التوازن القديم، تميل بشدة إلى الجهة المقابلة، لدرجة أنها انحنت إلى الجهة الأخرى بشكل أكبر من انحنائها السابق. فأفرطت في ممارسة هيمنتها في عالم أحادي القطب، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

فأشعلت حروب يوغوسلافيا، وحروب الخليج الثانية، ونكبات الشرق الأوسط، وصولاً إلى حربها على أفغانستان، ومن ثم العراق، فالربيع العربي وحروب سوريا واليمن والسودان، وأخيراً حروب غزة ولبنان وإيران.

ثبت خلال كل هذه المدة، ورغم هول التضحيات، أن جولتها الأخيرة في الحرب على إيران قد أوصلت القوة القابلة للاستخدام عسكرياً، فعلياً، إلى حدودها الحرجة، ولم تعد تُخيف العدو كما في السابق، ولا تشكّل مصدر ضمانة للحليف المخدوع في أي منعطف كبير.

والأهمية الاستراتيجية لعدم انهيار إيران أتت، من دون أي تملّق، بالدرجة الأولى من صمود قوى الاستقلال الإيرانية، التي طوّرت أساليب دفاعها، وبنت شبكة اجتماعية كبيرة ومعقدة لتركيبة نظام الحكم، جعلته قابلاً لتحمّل كل هذا الضغط. وهذا سيلقي بآثاره على التمرد المستقبلي على هيمنة أمريكا السياسية والعسكرية في الكثير من الدول، في مختلف القارات.

وبالدرجة الثانية، حصل صمود إيران هذا نتيجة تراكم عوامل سابقة لشعوب العالم والمنطقة في مواجهة آلة القتل العالمية هذه، بدءاً من الاتحاد السوفيتي ودوره، مروراً بحركات التحرر العالمية والدول الداعمة لها، ومن ثم المقاومات الشعبية في العراق، وقبلها أفغانستان، واليمن. ومهما اختلفنا مع أيديولوجيات هذه القوى، فإنه لا يُطلب منها، في ظل التهديد الوجودي لها، وظروفها الاقتصادية التي فرضت عليها الأهمية التاريخية لفعلها، أن تكون مثالية في الفكر والأخلاق والقانون والعلاقات الاجتماعية. وهذا ألف باء العلوم الاجتماعية والسياسية.

فهذا الفعل التاريخي الذي تقوم به يحدث في ظروف وتطورات تقنية واقتصادية وتكنولوجية وإعلامية معقدة.

في مجال الهيمنة الاقتصادية وأساليبها القمعية، أتى عدم انهيار روسيا اقتصادياً، رغم حزم العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة في التاريخ، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع، ليُظهر أيضاً حدود الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما أفشل سياسة التعريفات الجمركية التي حاول ترامب فرضها على دول العالم، والتي فشلت فشلاً ذريعاً، وخاصة أمام الصين. وبالتالي، فإن إيران، حتى اليوم، لا تزال صامدة اقتصادياً نتيجة معرفة حدود الضغط الاقتصادي الأمريكي، والاستفادة من تجربة الآخرين في التصدي لهذا الضغط، مع اختلاف بعض الظروف.

أما على صعيد التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وصناعة الدول التابعة من خلال الزعماء الدمى الذين تطوّرهم وتزرعهم أمريكا في دول العالم، وخاصة ما تعتبره حديقتها الخلفية (أمريكا اللاتينية)، فقد أظهرت الانتخابات البرازيلية مؤخراً حدوداً تاريخية لإمكانية استخدام أمريكا لقوتها التكنولوجية ومالها السياسي والاستخباراتي في تغيير التوجه الاستقلالي العام لقوى البرازيل الوطنية والحية في مواجهة التبعية والخضوع.

لا يمكن الاستهانة بما حدث بفوز لولا؛ إنه ليس مجرد إجراء ديمقراطي تغلّب من خلاله مرشح على آخر، بل هو انتصار «ديمقراطي» لإرادة قوى وطنية ممثلة بطبقة عاملة عريضة، توحّدت في لحظة قصيرة من الزمن، واستطاعت كسر، ولو جزئياً، تقدّم تيار يميني متطرف جارف في أمريكا اللاتينية، تابع عضوياً لمصالح الفئات والطبقات الحاكمة في الولايات المتحدة.

ولكل فعل رد فعل سينعكس على السلطات اليمينية في أمريكا اللاتينية، التي ستتأرجح على وقع أزماتها الاقتصادية في الفترة المقبلة. وبالتالي، فإن بقاء البرازيل بطبقة عاملة حية وفي الشوارع سيسهم في خروج القارة الجنوبية من قفص العمالة والتبعية لأمريكا تباعاً، إلا إذا حدثت مفاجآت دامية قد تخلقها الفئات الحاكمة قبل انهيارها.

وبالتالي، فإن هذا النظام قد وصل إلى حدود ممارسته للقوة القابلة للاستخدام عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتضافر هذه العناصر وتعزيزها في المستقبل سيؤدي إلى انتهاء صلاحيته التاريخية وإنتاج شيء جديد، إلا إذا وصل حدّ جنون هذا النظام إلى تدمير نفسه علينا.

هنا لا أزعم أن المعركة هي الأخيرة، ولا أن النظام الجديد الذي يمكن أن يأتي، وإرهاصاته ماثلة أمامنا اليوم، يمكن أن يكون أعدل أو أقل توتراً؛ لأن القوى التي تريد أن تحلّ محل الولايات المتحدة اليوم ستتشاجر غداً على الهيمنة، طالما أن القاعدة الاقتصادية والسياسية لهذه الدول هي النظام الرأسمالي. فأمريكا هي نتيجة لهذا الوضع أكثر منها سبباً له.

فالبنية الرأسمالية القائمة على المنافسة والصراع والجشع ومراكمة الثروة والمال والهيمنة، أو الحفاظ عليها بالحد الأدنى، هي القاعدة السفلى للدول الرائدة في الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب. وبالتالي، لا يمكن التعويل عليها بالمطلق كبديل جذري للغرب الإمبريالي، بل يمكن الاستفادة، في هذه اللحظة التاريخية، من هذا التناقض، والعمل بشدة وبشكل مكثف داخل صفوف أصحاب المصلحة الطبقية الواحدة، للاستفادة من هذا الزخم وتعميق المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للطبقة العاملة البرازيلية.

أما من حيث تكلفة هذا الصمود، فكاذب من يستهين بها؛ فقد قُتل إنسان من كل ثلاثة مواطنين فيتناميين حتى تحررت فيتنام.

وفي الشرق الأوسط، لا تزال المشاكل العالقة قائمة، ولا تزال إلى اليوم دون حلول قابلة للتطبيق، سواء في غزة أو في لبنان واليمن وسوريا وإيران.

وفي البرازيل، تتمثل هذه التكلفة في نحو 60 مليون مواطن صوّتوا لمرشح اليمين المتطرف، الذي هرب إلى أصحاب عمله في أمريكا نتيجة فساده وتورطه في قضايا رشوة وسرقة مال عام بمئات الملايين. وعليه، فإن المعركة لم تنتهِ، ويجب تعميق هذا الانتصار السياسي داخلياً من خلال تعميق المنجزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخارجياً من خلال وقف المدّ اليميني الهائل في أمريكا اللاتينية.

وعليه، فإن أمريكا قد تكون وصلت إلى حدود قوتها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا ما سنرى ثماره في قادم الأيام، رغم ارتفاع التكلفة البشرية.

اترك تعليقاً

Scroll to Top