جاك عزيز
يميل الكثيرون اليوم إلى النظر إلى ظاهرة الإسلام السياسي ككتلة متجانسة ، وكأنها تيار واحد ذو مرجعية واحدة ومسار موحد ، لكن الحقيقة التأريخية التي يكشفها الباحث والأكاديمي الأردني الشهيد ناهض حتر في أحد مقالاته الأخيرة قبل اغتياله عام 2016 ، هي أن هذه الظاهرة ولدت في أحضان معاناة شعبية ملموسة ، وتحديداً في تجربة إيران خلال أواسط القرن العشرين ، حيث كان للإسلام السياسي حضور احتجاجي واضح إلى جانب العمال المضربين ضد شركات النفط الأنجلو-أمريكية التي كانت تستثمر في إيران وتستغل العاملين فيها بأبشع أشكال الاستغلال ، وذلك قبل أن ينقلب المشهد وتتشعب الطرق لتنتج نموذجين متناقضين تماماً من حيث العلاقة مع الغرب والصهيونية .
يستهل حتر مقاله بعرض مشهد تأريخي محدد يعود إلى عام 1951 وما تلاه من احتجاجات عارمة في مدن النفط الإيرانية ، حيث خرج عمال المصافي في إضرابات شاملة احتجاجاً على تدني الأجور وسوء الظروف المعيشية في وقت كانت فيه أرباح الشركات الأجنبية تتدفق بالمليارات إلى لندن وواشنطن ، وهنا يبرز الدور المحوري لرجال الدين في تلك المرحلة ، وعلى رأسهم آية الله كاشاني ، الذين وقفوا إلى جانب المضربين وأعلنوا تأييدهم لمطالبهم العمالية وربطوها بقضية وطنية كبرى هي تحرير ثروات البلاد من قبضة الاحتلال الأجنبي ، وهذه اللحظة الفارقة هي التي يراها حتر بمثابة الرحم الطبيعي الذي ولد منه ما يمكن تسميته بالإسلام السياسي الاحتجاجي ، أي ذلك التيار الذي لا ينطلق من قصور الحكم أو من تنسيق خفي مع السفارات الغربية ، بل ينبع من هموم الناس اليومية ومن رفض واضح للهيمنة الخارجية بكل أشكالها .
لكن حتر لا يتوقف عند هذه الصورة الناصعة ، بل يسرع إلى توثيق التحول الدراماتيكي الذي طرأ على المشهد الإيراني بعد ذلك ، حيث قامت المخابرات الأمريكية والبريطانية بتنظيم انقلاب 1953 الذي أطاح بحكومة محمد مصدق وأعاد الشاه إلى السلطة ، وهنا بدأ الانقسام الكبير داخل التيارات الإسلامية نفسها ، فهناك من اختار البقاء قريباً من الشعب والنضال ضد النظام العميل وهناك من وجد في التحالفات الجديدة فرصة للنفوذ والمال ، وهذا التمايز هو الذي قاد حتر إلى صياغة تصنيفه الشهير الذي يقول إن الإسلام السياسي ليس واحداً بل نوعان ، الأول هو إسلام سياسي موال لأمريكا وأداة بيدها تستخدمه لتبرير تدخلاتها وتفريغ المقاومة الشعبية من مضمونها الوطني ، وهذا النموذج يتجلى في جماعات تقدم نفسها كمعتدلة وتروج للحوار مع الغرب على حساب القضايا العادلة ، والثاني هو إسلام سياسي مقاوم يرفض التبعية للغرب والصهيونية ويستمد شرعيته من وقوفه الدائم إلى جانب الفقراء والمظلومين ، وهذا النموذج هو الذي توج بثورة 1979 في إيران رغم كل الانتقادات التي توجه إليه لاحقاً .
ويمضي حتر في تحليله إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في التيارات الإسلامية المعادية للغرب بوضوح ، بل في تلك التي تتخفى خلف شعارات دينية براقة بينما تعمل عملياً على توجيه الحراك الشعبي بعيداً عن مواجهة الهيمنة الأمريكية نحو صراعات هامشية أو هوامش أيديولوجية عقيمة ، ويضرب مثالاً ببعض الجماعات التي ظهرت في سياق الربيع العربي والتي بدت وكأنها تتبنى الخطاب الثوري لكنها في حقيقة الأمر كانت تتلقى تمويلاً وتوجيهاً من أطراف خارجية لها مصلحة في إبقاء المنطقة فوضوية أو في تصدير عداوتها لإيران على حساب القضية الفلسطينية ، وهنا يكمن جوهر رسالة حتر التي أراد توصيلها إلى النخب والحركات الوطنية العربية ، وهي ضرورة التمييز بين من يقف مع الشعب حين يكون الشعب مضرباً أو ثائراً ومن يقف مع القوى المستغلة حين تكون الفرصة مواتية للصفقات الخفية ، ذلك لأن الفارق بين النموذجين لا يمكن اكتشافه من خلال الشعارات ولا من خلال المظهر الديني ، بل من خلال المواقف العملية من قضايا التحرر الوطني ومن الموقف من المشروع الصهيوني ومن علاقة رأس المال الغربي بثروات المنطقة .
وفي خاتمة مقاله الذي كتبه بعنوان الإسلام السياسي بين التبعية والمقاومة ، يخلص حتر إلى أن الإسلام السياسي الإيراني في مرحلته الاحتجاجية المبكرة كان يمثل نموذجاً نادراً للتلاحم بين الدين والمطالب الاجتماعية العادلة ، لكن هذا النموذج تعرض لمحاولات مستمرة لاختطافه وتحويله إلى أداة بيد أطراف مختلفة سواء داخلية أو خارجية ، مما أنتج حالة من التشظي تجعل من العسير اليوم الحديث عن إسلام سياسي واحد ، بل لا بد من قراءة نقدية تأريخية لكل تيار على حدة وفق مساره العملي ووفق من يقف معه حين يكون الحق مع العمال الفقراء وحين يكون الوطن في مواجهة الغزو الاقتصادي والسياسي ، وهذه القراءة هي التي تمنح الباحثين والثوار القدرة على استخلاص العبر من الماضي دون الوقوع في فخ التقديس الأعمى أو الهدم الشامل ، بل تبقى الحكمة في تمييز اللحظات التي انحاز فيها الدين للشعب عن تلك اللحظات التي انحاز فيها الدين للسلطة أو للقوى المهيمنة .
توثيق المقال المذكور :
المقال تحت عنوان الإسلام السياسي.. ولاية الفقيه ولاية الشركات ، وهو منشور في صحيفة الغد الأردنية ، بتاريخ 17 مايو (أيار) 2012 ، في عموده الأسبوعي الذي كان يحمل اسم أوراق سياسية ، وقد أعيد نشره لاحقاً ضمن مجموعة مقالاته الصادرة عن دار الشروق في عمان عام 2014 تحت عنوان الإسلاميون والديمقراطية : قراءة في التناقضات .
