أمريكا وإيران : انقلاب الأهداف خلال الحـرب

الصحفي والكاتب المغربي إدريس عدار

الجيش الأمريكي، جيش إمبراطوري ميزانيته السنوية تريليون دولار، ما يعادل خمسة مرات ميزانية جيوش دول الاتحاد الأوروبي، أُعد لمواجهة وإسقاط دول عظمى، الاتحاد السوفياتي ووريثته الاتحاد الروسي والصين الشعبية.

أي منازلة مع هذا الجيش تحقق مستوى من مستويات الصمود تعتبر انتصارا، أما إن كان الصمود مع الإيلام فهو هزيمة بينة لهذا الجيش، فكل ما تقوم به إيـران اليوم يسير في هذا الاتجاه.

ومن الإنصاف القول إن إيـران جنحت للسلم. تفادت هذه الحـرب عشرات المرات، وكانت مستعدة لتقديم تنازلات معقولة مقابل الحفاظ على شعبها وبنيتها.

يوم الخميس 26 فبراير كانت إيـران على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية برعاية سلطنة عمان.

مثل الجانب الإيـراني وزير الخارجية عباس عراقشي، خبير بالمزاج الأمريكي حيث كان في الوفد المفاوض قبيل توقيع اتفاق 2015، ومثل الجانب الأمريكي تاجر العقار ويتكوف وصهر الرئيس كوشنير.

الطرفان صرّحا بأن الأمور تسير بشكل جيد، وتم الاتفاق على أن تستأنف المفاوضات يوم الاثنين 02 مارس على مستوى لجان تقنية. يعني أن الأمور كانت متقدمة.

الجمعة 27 فبراير صرح وزير الخارجية العماني البوسعيدي من واشنطن أن طريق الديبلوماسية سالكة للغاية.

وكأي مقامر لعب كل أوراقه لكنه لا يملك اليقين بالفوز أطلق ترامب النار على طاولة المفاوضات يوم السبت 28 فبراير. قام بالغدر للمرة الثالثة. والثالثة شريعة النبي كما يقول المغاربة.

المرة الأولى انقلب على اتفاق 2015، والمرة الثانية في الصيف الماضي عندما تم شن هجوم على إيران في عز المفاوضات وهو ما تكرر الآن .

من المؤكد أن خيار ترامب الأول والأخير هو الحرب. المفاوضات كانت محاولات لتحقيق اختراق أو ربح الوقت بالنظر لغموض النتائج. مارك روبيو، وزير خارجية أمريكا، قال في إحاطته أمام الكونغرس إن النتائج غير مضمونة والحرب ليست نزهة.

لكن هناك من أقنع ترامب بأن اغتيال المرشد الأعلى سيؤدي إلى تدحرج الأوضاع وتنجح أمريكا في تحقيق أهدافها.

أثناء حلولي ضيفا على قناة الميادين، قلت إن أمريكا جاءت من أجل تحقيق أربعة أهداف : قلب النظام وتمكين نظام عميل مكانه أو استعادة النموذج الفنزويلي، ومنع التخصيب وضرب الباليستي وقطع العلاقة مع حركات المقــاومة.

لكن بدل ذلك خلقت أربعة مشاكل كبرى : تكريس “إسرائيل غير الآمنة”، والبحث عن ردم الهوة، نقص الدفاعات، واليوم تم جلب صواريخ باتريوت وثاد من كوريا الجنوبية، في دليل على أن المخزون لم يعد كاف لاستمرار المواجهة لوقت طويل، وبداية فهم خليجي على أن أمريكا تحمي إسرائيل لا غير، وأن هذه الدول هي من تحمي القواعد الأمريكية، تم إغلاق مضيق هرمز.

لم يعد إسقاط النظام مطروحا بعد الالتفاف الجماهيري حول القيادة الجديدة، ولكن أصبح هو كيفية إعادة إسرائيل آمنة وتأمين مخزون كاف للدفاع وطمأنة الخليج تم فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، حيث يصرح ترامب في اليوم الواحد أكثر من تصريح في الموضوع. “على إيران نزع الألغام وإلا..”، “مضيق هرمز آمن..”، “سترافق سفن بحرية سفن الشحن”..لكن بعض السفن التي صدقته تعرض اليوم للإغراق.

لقد انقلبت الأهداف، التي أصبحت مستحيلة التحقق إلى محاولات لحل المشاكل المترتبة عن الحرب.

أما في الجهة الأخرى، فإن إيران يكفيها الصمود في وجه جيش إمبراطوري لتكون قد انتصرت. أما وقد تمكنت من خلق معادلات جديدة في الحرب فإنها لن تكتف بالصمود ولكن بتحقيق أهداف جديدة.

إيران ذهبت إلى طاولة المفاوضات هروبا من الحرب، وقال البوسعيدي إنها قدمت تنازلات فوق ما تتوقعون من أجل ذلك، أما وقد وقعت الحرب فقد أصبحت في حل من أمرها.

إيران اليوم تخلصت من أمرين: تخلصت من المفاوضات نتيجة الحرب، التي كانت تهرب منها، وبالتالي لم تعد أمام تقديم تنازلات ولا في وارد المفاوضات كما صرح بذلك عراقشي، أي ثمن صمودها هو اعتراف العالم بحقها في برنامج نووي سلمي ورفع العقوبات عنها، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن المرشد الأعلى المنتخب أخيرا مجتبى خامنائي متخفف من فتوى تحريح امتلاك السلاح النووي.

جاء ترامب من أجل قلب النظام فأصبح أكثر تماسكا. ومن أجل صفر تخصيب في وقت كانت تطرح إيران مستوى حد أدنى أصبحت اليوم حرة فيما تمتلك نتيجة الحرب، التي لن يوجد أقصى وأقسى منها، والقطع مع حركات المقـاومة وإيران اليوم تعلن أن أي وقف لإطلاق النار سيتضمن لبنان

اترك تعليقاً

Scroll to Top