سورية .. إعادة إنتاج التبعية في أسوء أشكالها

سليمان أحمد

تثبت التجربة التاريخية أن سقوط نظام سياسي لا يعني بالضرورة سقوط البنية الاجتماعية التي أنتجته، كما أن تغيير النخبة الحاكمة لا يعني تلقائياً تغيير علاقات الإنتاج والتراكم .

ومن هذه الزاوية .. لا ينبغي قراءة ما جرى في سورية بوصفه انتقالاً أيديولوجياً من سلطة إلى أخرى، بل بوصفه إعادة تركيب للبنية الطبقية للدولة ولموقع سورية داخل النظام الرأسمالي العالمي .

فالنظام السابق لم يبدأ من القاعدة الاجتماعية التي انتهى إليها، فقد استند في مراحله الأولى إلى تحالف ضم قطاعات واسعة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة والشرائح الشعبية، وارتبط ذلك بتوسيع دور الدولة والقطاع العام وإعادة توزيع جزء من الموارد على قاعدة أوسع، غير أن هذه القاعدة أخذت بالتآكل مع التحولات الاقتصادية والانفتاح الليبرالي، لتتجه السلطة تدريجياً نحو التقارب مع كبار التجار والكومبرادور .

وهكذا نشأت شراكة مصلحية بين أجنحة بيروقراطية وأمنية في السلطة ورأس المال الكومبرادوري، تحولت فيها الامتيازات والاحتكارات والعقود والوساطة والخوات والكومسيونات إلى أدوات للتراكم الخاص والنهب .

وبقدر ما ابتعد النظام عن قاعدته الاجتماعية التاريخية واقترب من شبكات النهب، تآكلت شرعيته الاجتماعية وأصبح أكثر انفصالاً عن الطبقات والشرائح الاجتماعية التي شكلت قاعدة قوته في السابق .

ثم جاءت الحرب لتعمق هذا المسار، فتحول التهريب والاحتكار والسيطرة على الموارد والمعابر والأسواق إلى آليات جديدة للتراكم السريع، وأصبح اقتصاد الحرب إطاراً لإعادة إنتاج شبكات ومصالح طفيلية .

ومع انهيار النظام لم تسقط هذه العلاقات، سقط شكل سياسي من أشكال إدارتها، بينما بقيت شروط التراكم مفتوحة أمام إعادة تركيب جديدة .

وهنا تكمن المفارقة الراهنة .. إذا كان النظام السابق قد انتقل من قاعدة شعبية إلى تحالف مع الكومبرادور والنهابين، فإن السلطة الجديدة لم تصل إلى الحكم من خلال قاعدة اجتماعية إنتاجية تحمل مشروعاً وطنياً مستقلاً، بل تشكلت منذ البداية في فضاء إقليمي ودولي يجعل ارتباطها برأس المال الخارجي والكومبرادور والقوى الامبريالية جزءاً من شروط إعادة بناء السلطة .

لذلك السلطة الجديدة تشكلت على أنقاض القديمة من خلال تحالف الكومبرادور مع بنية عسكرية جهادية متطرفة وبرعاية وإدارة امبريالية مباشرة .

لماذا صعدت القوى الظلامية ..؟

لا يكفي تفسير صعود القوى الجهادية المسلحة باعتباره نتيجة لقوتها العسكرية وحدها، الأهم هو فهم الوظيفة التي أنيطت بها من قبل القوى الامبريالية والأقليمية الفاعلة .

وهذه العملية تكشف حقيقة مهمة ..

الإمبريالية ليست مضطرة إلى اختيار القوى الأكثر ديمقراطية، إنها تختار في معظم الأحيان القوى القادرة على إدارة المرحلة بما يتوافق مع مصالحها .

ولهذا فإن السؤال عن أيديولوجية السلطة الجديدة أقل أهمية من السؤال عن وظيفتها الاجتماعية والسياسية : من تخدم ..؟ من تحمي ..؟ وما حدود استقلال قرارها الوطني ..؟ ما طبيعة علاقتها برأس المال ..؟ كيف تتعامل مع الملكية العامة ..؟ ما موقفها من العمال والنقابات ..؟ وغيرها من المسائل .

الطائفية هي تفكيك المجتمع وإخفاء الطبقية

من أخطر نتائج المرحلة الراهنة تفكك النسيج الاجتماعي السوري وتصاعد خطاب الكراهية والطائفية .

والخطأ هو التعامل مع الطائفية باعتبارها مجرد مشكلة ثقافية .

إنها تصبح قوة سياسية عندما تتداخل مع السلاح والسلطة والأرض والموارد .

والأخطر طبقياً أن الطائفية تستطيع أن تطمس الوعي الطبقي وتضعفه لتحل محله .

فحين ينظر العامل أو الفلاح إلى العامل أو الفلاح الآخر بوصفه سنياً أو علوياً أو درزياً، بدلاً من أن يراه شريكاً في موقعه الاجتماعي، يصبح من الصعب تشكيل جبهة موحدة للكادحين .

وهنا تكمن الوظيفة الأيديولوجية للطائفية، تحويل الصراع من سؤال الملكية والثروة والسلطة إلى صراع بين الهويات، بدلاً من أن يسأل الفقير: من يملك ..؟

يسأل : من أي طائفة هو ..؟

وبدلاً من أن يسأل العامل : لماذا أتقاضى هذا الأجر ..؟

يسأل : لماذا يكرهني الآخر ..؟

وهكذا يصبح الانقسام العمودي بديلاً عن الصراع الاجتماعي الأفقي .

سورية كساحة تنافس إمبريالي

لا ينبغي أيضاً النظر إلى التدخل الخارجي باعتباره مشروعاً إمبريالياً واحداً ومتجانساً .

سورية أصبحت مجالاً لتقاطع مشاريع الولايات المتحدة وتركيا والكيان الصهيوني ودول الخليج وروسيا وغيرها .

وفي الجنوب تتسع الحركة العسكرية والأمنية الإسرائيلية حتى بالقرب من دمشق، بينما تمتلك تركيا نفوذاً عسكرياً وسياسياً متزايداً في الشمال، وخلال الأيام الماضية ظهر التنافس التركي الإسرائيلي داخل سورية بصورة أكثر وضوحاً، عندما استهدفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور في سياق الخلاف حول الوجود العسكري التركي، في حين تحاول الولايات المتحدة إدارة التوتر بين الطرفين .

فسورية تتعرض لعملية إعادة تشكيل جغرافي وسياسي لمناطق النفوذ بشكل أساسي بين اسرائيل وتركية ويإدارة أمبريالية أمريكية .

وهنا يتحول البلد من دولة تمتلك مشروعاً وطنياً مستقلاً إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين .

الطبقة العاملة هي الحلقة الغائبة

ربما كان أخطر ما جرى خلال السنوات الماضية هو تفكيك الطبقة العاملة السورية نفسها .

الهجرة والنزوح والبطالة وانهيار الصناعة والعمل غير الرسمي والعمل الهش وضعف النقابات وانحلالها وتشتت أماكن الإنتاج، كلها أضعفت قدرة العمال على التحول إلى قوة سياسية .

وهذا ليس تفصيلاً اجتماعياً، فكلما تشتت العامل مكانياً واقتصادياً واجتماعياً، أصبح من الصعب عليه أن يرى نفسه جزءاً من طبقة واحدة .

إن الرأسمالية لا تستغل العامل فقط عبر الأجر المنخفض، إنها تستطيع أيضاً أن تفكك قدرته على التنظيم .

البديل .. بناء تحالف اجتماعي واسع

البديل الواقعي هو مشروع وطني ديمقراطي اجتماعي ذو توجه إنتاجي، يضع استعادة السيادة وقوى الإنتاج والعدالة الاجتماعية في مسار واحد .

فالاقتصاد السوري شديد الهشاشة والقدرة الشرائية مقيدة والإنتاج المحلي ضعيف وفي أسوأ حالاته والاعتماد على الواردات مرتفع، وفي الوقت نفسه تقدر كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 200 مليار دولار .

المشروع لا يمكن أن يكون مشروع طبقة أو فئة بمفردها، المتضررون من الواقع القائم يشكلون معظم فئات وشرائح المجتمع السوري، فنحن أمام :

عمال الصناعة والخدمات والورشات ، الفلاحين والعمال الزراعيين، الموظفين، أصحاب المنشآت الصناعية والورش الصغيرة، صغار التجار، المهنيين، والمثقفين، إضافة إلى ملايين النازحين والمهجرين .

لذلك المطلوب تحالف اجتماعي واسع للطبقات الشعبية والمنتجة وكل القوى الوطنية، في مواجهة تحالف الكومبرادور واللاوطنيين والظلاميين والريع والاحتكار والسمسرة .

وهنا يصبح الصراع المباشر

المنتجون في مواجهة الوسطاء والريعيين والمحتكرين وكل اللاوطنيين .

إسقاط السلطة الظلامية وتحقيق السيادة الوطنية

وتكون المهمة الاساسية لهذا التحالف اسقاط السلطة الظلامية القائمة وتحرير كافة الأراضي المحتلة واستعادة السيادة الوطنية وإجلاء القوات الأجنبية عن أراضينا .

فلا يمكن أن تكون هناك حرية أو ازدهار اقتصادي أو حياة كريمة في ظل وجود قوات احتلال أو سلطة ظلامية

تقوم بوظيفة حماية مصالح القوى الامبريالية في بلادنا .

بناء دولة وطنية ديمقراطية

إعادة بناء دولة وطنية ديمقراطية بمهومها الحديث، تمثل الشعب السوري وتنوعه وكل المواطنين السوريين، دولة علمانية لا دولة طائفة او فصيل أو زعيم .

دولة تمتلك جيش وطني موحد وقضاء مستقل ومؤسسات تمثيلية حقيقية، وتضمن دستورياً وعملياً حقوق كل مواطنيها بصرف النظر عن قوميتهم او معتقدهم او دينهم وتقوي ارتباط الجميع ببلدهم .

إعادة بناء قوى الإنتاج المحلية

تبني مشروع اقتصادي إنتاجي أساسه تنمية الموارد الوطنية وخاصة في مجال الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والبنية التحتية وإقامة علاقات تجارية خارجية تضمن استقلالية قرارنا الوطني الاقتصادي والسياسي وهذا يتطلب إعادة بناء قوى الانتاج المحلية وتطويرها بالسبل المتاحة وتحقيق الاكتفاء الغذائي والزراعي أولاً .

وتؤكد التجارب التاريخية وتجارب الدول التي استطاعت فك التبعية مع السوق العالمية على ضرورة بناء قطاع دولة قوي وواسع، يتم من خالاله وضع وتنفيذ الخطط التنموية والحيوية وتحويله إلى قطاع منتج واستراتيجي في مجالات الطاقة والمياه والسكك والموانئ والاتصالات الأساسية والصناعات الاستراتيجية والمصارف التنموية والموارد الطبيعية والصحة والتعليم والخدمات

أما القطاعات الأخرى فيمكن أن تتعايش فيها الملكية العامة والتعاونية والخاصة، بشرط منع الاحتكار والريع والكومبرادورية .

إن المهام في هذه المرحلة شاقة ومعقدة، فالمجتمع السوري يخرج من حرب طويلة ومنهكة وتفكك اجتماعي واقتصادي عميق وسلطة استبدادية ظلامية خانعة، فيما تتداخل المصالح الطبقية مع الانقسامات الطائفية والقومية والتدخلات الخارجية، ومع ذلك لا يمكن أن تترك الساحة للقوى الامبريالية وأدواتها المتنافسة على السلطة والثروة .

فالمخرج يبدأ من إعادة تعبئة المجتمع كفاعل تاريخي، عبر تنظيم الجماهير والفئات المتضررة، وربط مطالبها المعيشية المباشرة بمصالحها الاجتماعية والسياسية، حتى تتمكن من التعبير عن نفسها وصياغة بديلها الوطني المستقل .

اترك تعليقاً

Scroll to Top