ما وراء مجتمع الوفرة!

عبد الرحمن الحافظ – مصر

اتسع الحوار مؤخراً حول الذكاء الاصطناعي وما يمثله من تغيير في الأفق المنشودة، وتزامن ذلك مع حديث رجل الأعمال الأمريكي «إيلون ماسك» الذي طرح فرضية، وإن كان متوارياً فيما تحتويه من استغلال. ومضمون تلك الفرضية يتلخص في وجود إمكانية لتحقيق عبور سلمي صوب مجتمع الوفرة دون المرور بالنهج الاشتراكي وما يتطلبه من رؤى وتنظيم للاقتصاد والاجتماع. ولكن ماذا إذا كانت هذه أمنيات تحجب الملاحظة الأهم؟

النواة الصلبه:

على عكس ما تفاخر به ماسك والشيوعية الغربية في التحطيم الميكانيكي للرأسمالية داخلياً، يبين لنا الواقع أن الاتساع الهائل للرقمنة لم يلغِ بؤس العمل المأجور، بل العكس من ذلك؛ جعلت الرقمنة المنظومات بأكملها رهن الكدح والشقاء اليومي فتحقق ربحاً وريعاً، بجهد طبقة غائرة في الخفاء، ونادراً ما يُنظر إليها عن قرب.

يتبادر إلى الذهن سؤال هام: كيف تصل إلينا كل هذه البيانات والإعلانات؟ بل إن شئنا تخطي ذلك لنسأل سؤالاً أكثر أهمية: كيف نجد أنفسنا بكل سهولة قادرين على التصفح والتنقل بين الموضوعات بكل هذه السهولة؟

من هنا نستطيع فعلاً إحداث انتقال نحو ما هو جوهري في الموضوع المتعين أمامنا، فصحيح أن كل ذلك لا يصلنا من العدم؛ وبمزيد من التفصيل نقول إنه يصلنا عبر عمل طبقة عاملة تقنية لا تتحدد خصائصها الذاتية وفقاً لمعايير جغرافية أو ثقافية؛ فإن كل المعايير التي أنتجتها الهيمنة الثقافية للنيوليبرالية لا تصلح لفهم الوجود الذاتي لتلك الطبقة ودورها الموضوعي. من تلك النقطة يتوجب علينا الرجوع إلى المادية الجدلية ككل نظري يساعدنا على القبض على ما هو ملموس… تتحدد تلك الطبقة من خلال بيعها لقوة عملها الذهنية والبدنية؛ لإنتاج البنية الرقمية وتأمين عمل منشآتها. تلك الطبقة المكونة من عمال صناعيين وتقنيين تعد النواة الصلبة التي تحول المواد الخام والمنتجات التقنية إلى خوارزميات قابلة للتشغيل والتوسع، والذين بدونهم يقف الذكاء الاصطناعي ومن وراءه على حافة الهاوية في لحظات.

تُقدر منظمة العمل الدولية (ILO) وأبحاث معهد أكسفورد للإنترنت أن هناك ما بين 40 إلى 100 مليون عامل رقمي (Gig & Microworkers) يعملون في مهام توسيم البيانات وتدريب النماذج الخوارزمية عبر منصات مثل Amazon Mechanical Turk وClickworker وRemotasks.

حيث يتقاضى عمال توسيم البيانات في بلدان الأطراف أجراً متأرجحاً بين 0.80 دولار و2.00 دولار في الساعة بدون أي تأمين صحي أو ثبات عقدي، بينما تُباع النماذج التي يدربونها بملايين الدولارات.

الاستغلال في ثوب جديد:

يتجلى تطور رأس المال في طوره الراهن في قدرته على إدارة عالم إنتاج القيمة باعتبار أنها أساس الوحدة الكليّة التي تستطيع تكوين فائض قيمة يساعد على تراكم الأرباح، ولكن المنظومة لا تلبث حتى تقسم ذلك العالم إلى جزر هشة حين يرفع العمال أصواتهم من أجل تنظيم العقود ودفع الأجور. ولما كانت تلك التقسيمات أبدية، فإن القرارات والإبداعات الفردية سرعان ما تتمركز في قبضة الطبقة النقيض؛ حيث يُنفى الجانب الآخر من تحصيل الربح ويكدح في المراجعة والتنقية للنماذج التي تخلق بؤسه، وسط أجور لا تتعدى دولارين في أغلب الأحيان.

كشفت تحقيقات نُشرت حول شركات التعهيد (مثل Sama وAppen في كينيا والفلبين) التي تعاقدت معها شركات مثل OpenAI وMeta، أن العمال المكلفين بتصفية النصوص والصور الإباحية والعنيفة لتأمين النماذج الذكية يتقاضون أجوراً تصل إلى 1.32 إلى 2.20 دولار في الساعة مقابل التعامل مع آلاف المقاطع الشديدة القسوة يومياً، مما تسبب في إصابات نفسية موثقة (PTSD) لـ أكثر من 60% منهم.يُطالب العامل في منصات إدارة المحتوى والمراجعة بتحقيق “معدل معالجة” يصل إلى 30 إلى 50 ثانية لكل قطعة محتوى، مع تتبع دقيق لنشاط الشاشة وحركة العين عبر خوارزميات المراقبة، حيث يؤدي الهبوط عن هذا المعدل لـ 5 دقائق إلى الخصم الآلي من الأجر أو إنهاء العقد رقمياً.

وعلى الرغم من كل ذلك التفاني في العمل الذي يظهر من خلال نتائج العمالة الرقمية، إلا أن الرأسمالي لا يستطيع إحكام استقرار استغلاله إلا عبر تفكيك العمل التقني وتحديد مؤشرات رقابية بغية تجاوز أية ممانعة من العمال حدود وعيها المزيف المفهوم وفقاً لمناهج تُدرّس لهم فيسلب العامل أي قدرة على ضمان استقرار عمله، ويحول نفيه إلى نموذج لمنع تشكل أي وعي طبقي وطني كان أم أممي. وهو ما حذر منه الاقتصادي الألماني «فيلهلم شولتز» بقوله: «إن حجم الأجر ليس إلا عنصراً واحداً، إذ يلزم لقياس دخل العامل وضع “ضمان استمرار العمل” في الاعتبار، وهو ما تنفيه فوضى المنافسة بتقلباتها». وبرغم الوقت الذي وفره تحسين الآلات، فإن أمد العمل العبودي في المصانع قد ازداد.

الرأسمالية الرقمية:

ينبغي علينا التمييز بين نمطين من الرأسمالية الرقمية فتلك المنظومة تحمل في جعبتها وجهين يمثلان تناقضات: ويظهر لنا الوجه الأول على هيئة ريع طفيلي، والثاني كوجه إنتاجي دافع. ولكن يبرز هنا سؤال: كيف تجتمع تلك التناقضات لتعمل في نفس ذات المنظومة؟ والإجابة هنا لا تنحصر في منطق إما/أو بل تجمع تلك التناقضات بحكم البنية السحابية الجامعة لهما، فالأول حيثما يعمل عبر اقتطاع جزء من البنية التحتية وهو الجزء الحاسم والروابط للمحور المتجسد في “المنصات”، يقتطع الوجه الأول المنصات ليقتطع جزءاً من فائض القيمة المستخلص من العمال الرقميين مقابل السماح بالمرور والإعلان والتوزيع، تتسع الهوة التي لم تستطع الرأسمالية رأبها قط، فيُذكر الاقتصادي الإنجليزي «آدم سميث» في “ثروة الأمم”: «المصلحة الخاصة للذين يتعاملون في أي فرع من فروع التجارة أو الصناعة تختلف دائماً عن مصلحة الجمهور، فتوسيع السوق وتضييق المنافسة الرائجة هما دائماً في مصلحة المتعامل. إنها طبقة من الناس لها مصلحة خاصة في خداع الجمهور وغدره».

ونجد ذلك في واقعنا الملموس، حيث تحتكر ثلاث شركات فقط (Amazon AWS, Microsoft Azure, Google Cloud) أكثر من 66% من السوق السحابية العالمية (AWS ~31%, Azure ~25%, Google ~10%).

يفرض هذا الاحتكار تكون ريع رقمي تقدر قيمته بسوق يبلغ حجمه أكثر من 600 مليار دولار، حيث تُجبر الشركات الإنتاجية والمؤسسات المتوسطة على دفع اشتراكات وضرائب سحابية ثابتة لاقتطاع جزء من أرباحها لصالح مالكي البنية التحتية السحابية.

أما الوجه الثاني فيتجسد في ماهية ما يسمى بالذكاء الاصطناعي، فهو حين يتدخل في قلّب الآلية الإنتاجية للبيانات، ينقلب إلى عمل ميت لرأس مال ثابت، ينقل قيمته المخزنة ليُخفّض زمن العمل الضروري اجتماعياً لإنتاج السلعة، مفسحاً المجال لاستخلاص أقصى قيمة نسبيه. ويتم ذلك عبر تشكيل الخوارزميات وجعلها آلة موجّهة تصاغ لامتصاص جوهر العمل الحي.

فرضيه الذكاء وعدمه:

تُسبغ صفة الذكاء على ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي، وفي هذا الصدد تشير الباحثة «كاثرين إيفرت» في مقالها المنشور بعنوان “للذكاء دائماً اصطناعي”، أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يوصف بالذكاء؛ بسبب أنه ليس اصطناعياً في جوهره. فبينما كان الذكاء ذلك المنظم للعالم عبر تخارج الذات، أما الذكاء الاصطناعي فإنه محتجز في برمجته الخالية من التفاعلات والتناقضات الحية، لذا فإنه غير قادر على التفكير أو التعلم حتى يصبح اصطناعياً في الأساس. وتطرح الكاتبة مصطلحاً آخر أكثر علمية وهو “الإكمال التلقائي الخوارزمي” (Algorithmic autocomplete) كبديل أكثر دقة لما نطلق عليه “الذكاء الاصطناعي”. وهذا الإطلاق يتجاوز كونه خطأ علمياً؛ فتلك الأخطاء لا تُصحح بقدر ما يتم العمل على تشكيلها وهندستها بحيث تعيد إنتاج العقل وفق محتوى ومسلوب التفكير والنقد، وتغذية عبر الأطر التي وضحناها سابقاً “المراقبة”. والنتيجة هي الانفجار الاغترابي حتى وصل إلى ذروته؛ إذ يُسلب الإنسان من ملكة تفكيره الحر، يتلقى أوامره من مخرجات ميكانيكية مبرمجة والمرسومة في إطار يمنع تشكيل الوعي الذاتي باستبداله بالوعي الزائف.

تسليع الكينونة:

تتلاقى رؤية ماركس للتخارج (Entäusserung) وتسليع الكينونة مع رؤية هيجل لماهية الوعي “كخارجية فاعلة”، وهكذا تستكمل الرأسمالية في طورها الراهن تجديد ذاتها عبر شرعنة تسليع كل مظاهر الوجود ذاتها، متغذية على المتبقي المادي الصلب للتقنية، لتختزل الوعي البشري في بيانات خام تُستخلص دون عقود وأجر، إنها ذروة التطور الرأسمالي القانوني نحو الأسفل حيثما تمارس “الخوارزمية” عبر النقود، فتستطيع قلب الحقائق وتشويه الموازين، وتحيل كل علاقة إلى تضاد، وكل تناقض إلى خناق. ولكن تظل الماهية راسخة ترفض التشيؤ تحت شعار التغيير الذي صاغه ماركس: «إننا لا نبادل الحب إلا بالحب ولا الثقة إلا بالثقة».

اترك تعليقاً

Scroll to Top