خالد بكداش… رجل من زمن القضايا الكبرى

سليمان أحمد ..

في الرابع والعشرين من شهر تموز يوليو، تحل الذكرى الحادية والثلاثون لرحيل القائد الشيوعي خالد بكداش .

ولعل من الصعوبة بمكان، الحديث عن تاريخ الحركة الشيوعية في المنطقة العربية وعن تاريخ الحركة الوطنية السورية، من دون التوقف عند تجربة خالد بكداش، الذي ارتبط اسمه ببناء الحزب الشيوعي السوري وتحويله إلى قوة سياسية وفكرية وجماهيرية، تركت بصمتها في الحياة السياسية السورية والعربية لعقود طويلة .

فقد كان بكداش أكثر من أمين عام لحزب سياسي، كان مؤسس مدرسة جمعت بين الوطنية الصلبة، والأممية المبدئية، والإيمان العميق بأن قضية التحرر الوطني لا تنفصل عن قضية العدالة الاجتماعية .

أدرك خالد بكداش مبكراً أن الحزب الثوري لا يبنى بالشعارات، بل بالتنظيم والانضباط والارتباط بالجماهير، لذلك أولى اهتماماً استثنائياً ببناء التنظيم الحزبي، وإعداد الكوادر ونشر الثقافة الماركسية والعمل بين العمال والفلاحين والمثقفين والطلاب والنساء، حتى أصبح الحزب الشيوعي السوري واحداً من أكثر الأحزاب الشيوعية في المنطقة رسوخاً واستقراراً، قادراً على الصمود أمام مختلف التحديات .

ويعتبر خالد بكداش أول من ترجم البيان الشيوعي لكارل ماركس وفريدريك إنجلز إلى اللغة العربية .

في المجال الوطني، آمن بكداش بأن استقلال سورية وسيادتها يمثلان شرطاً أساسياً لأي مشروع تقدمي، فشارك الحزب في النضال ضد الاستعمار الفرنسي ودافع عن استقلال البلاد ووحدتها، وربط دائماً بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، معتبراً أن مقاومة الهيمنة الأجنبية والدفاع عن مصالح الطبقات الشعبية يشكلان معركة واحدة .

كما تميزت مدرسته السياسية بفهم واقعي لسياسة التحالفات الوطنية، فقد رأى أن مواجهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية تتطلب توحيد جهود القوى الوطنية والتقدمية ضمن جبهات واسعة، مع الحفاظ على استقلالية كل حزب وهويته الفكرية والتنظيمية، وهي رؤية أسهمت في ترسيخ ثقافة العمل الجبهوي في الحياة السياسية السورية .

كان محاربا شجاعا ضد الصهيونية واعتبرها مشروعاً استعمارياً ارتبط عضوياً بالمشروع الإمبريالي العالمي، ورأى أن الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وحقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية، هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرر العربية .

وفي الوقت نفسه، جسد خالد بكداش مفهوم الأممية البروليتارية بوصفها تضامناً بين العمال والشعوب والأحزاب المناضلة ضد الاستغلال والاستعمار، لا بديلاً عن الانتماء الوطني، لذلك جمع بين الإخلاص لوطنه والانفتاح على الحركة الشيوعية العالمية، مؤمناً بأن الوطنية الحقة والأممية الصادقة ليستا نقيضين، بل يكمل كل منهما الآخر .

كان صديقا وفياً للاتحاد السوفييتي، وحين وصلت التحريفية إلى مواقع القرار فيه، رفض ومن موسكو نفسها التهجم على رموز الحركة الشيوعية وقادتها .

وحين تفردت القوى الامبريالية بمصير العالم، بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبدأ الحديث عن القطب الواحد، كان لخالد بكداش مقولة شهيرة .. هناك قطب آخر لا تغيب عنه الشمس، أنه قطب الشعوب .

لقد رحل خالد بكداش، لكن بقيت تجربته شاهدة على مرحلة كان فيها الإيمان بالفكر والتنظيم والنضال من أجل الوطن والعدالة الاجتماعية جزءاً من مشروع تاريخي كبير، وسيظل اسمه حاضراً بوصفه أحد أبرز القادة الذين ربطوا بين الوطنية والأممية وبين بناء الحزب والدفاع عن قضايا الشعب، وبين الالتزام الفكري والعمل السياسي المنظم .

اترك تعليقاً

Scroll to Top