سليمان أحمد ..
نشرت الباحثة والأستاذة العزيزة نادية عطية منشورا في صفحتها، يبدأ فيه ( مالذي يزعجني في ايران بالضبط ..؟ ) ورابط المقال منشور في التعليق الأول .
لا أختلف مع كثير من الملاحظات النقدية الموجهة للنظام الإيراني، خصوصاً ما يتعلق بطبيعة السلطة الدينية، ولا أرى أن المشروع الإيراني معصوم من النقد أو أنه نجح في تجاوز جميع تناقضاته، لكنني أعتقد أن الإشكالية في هذا التحليل تكمن في زاوية النظر نفسها .
فإذا كان الاحتكام إلى مفهوم الحداثة هو معيار الحكم، أليست الحداثة في أحد أبعادها الأساسية مشروع تحرر من الهيمنة الخارجية ..؟
أليست الدولة الحديثة نفسها قد نشأت تاريخياً من خلال بناء السيادة الوطنية وانتزاع القرار السياسي والاقتصادي من القوى الخارجية والإمبراطوريات المختلفة ..؟
هنا يصبح السؤال :
هل الصراع الدائر في منطقتنا هو أساساً صراع بين الحداثة واللاحداثة، أم أنه صراع حول الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة وموقع شعوب المنطقة في الصراع الامبريالي من أجل النفوذ والثروة .
برأيي أن اختزال المشهد في ثنائية الحداثة مقابل الأيديولوجيا الدينية قد يجعلنا نتجاهل حقيقة أن كثيراً من الدول التي تُقدّم كنماذج للحداثة في العالم الثالث لم تواجه العقوبات والحصار والتهديدات العسكرية الامبريالية، التي واجهتها إيران لعقود .
كما أن تجارب التحديث نفسها لم تكن نسخة واحدة في التاريخ، بل أن كل تجربة سلكت طريقها الخاص ضمن شروطها التاريخية والثقافية والسياسية .
قد لا يكون ايران النموذج الأفضل لبناء دولة وطنية مستقلة ومزدهرة وعصرية، وهنا اتفق مع الاستاذة نادية، ولكن في ظل التدخل الامبريالي في أدق التفاصيل لشؤون الدول ومصادرة قرارها الوطني، ونهب ثرواتها جهارا نهارا، هل هناك دولة أخرى في آسيا وأفريقية وفي المنطقة، تقدم نموذج في فك التبعية مع الامبريالية العالمية، أفضل من ايران .. ؟ للأسف لا، وهذه تحسب لايران .
من هنا يبدو لي أن السؤال الحقيقي يجب أن يكون :
هل استطاعت ايران أن تحافظ على قدر من السيادة والاستقلال في مواجهة الضغوط الخارجية ..؟ وهل ساهمت سياساتها في تعزيز التنمية الوطنية أم أعاقتها ..؟
أما الاستناد إلى عبد الله العروي، فهو مفيد في نقد الأوهام التي تعتقد أنها تستطيع القفز فوق شروط التاريخ، لكن العروي نفسه لم يكن يدعو إلى استنساخ النموذج الغربي كما هو، بل إلى فهم شروط إنتاج الحداثة وآلياتها التاريخية، وأحد هذه الشروط كان دائماً بناء الدولة القادرة على حماية استقلالها وقرارها الوطني .
لذلك أعتقد أن نقد السلطة الدينية في إيران مشروع وضروري، كما أن نقد البعد المذهبي في سياساتها الإقليمية مشروع أيضاً، لكن تحويل الصراع الأساسي إلى صراع بين الحداثة واللاحداثة يبتعد عن جوهر المشكلة، فما تزال القضية المركزية بالنسبة لشعوب المنطقة هي التحرر من التبعية والهيمنة الخارجية، وبناء نموذج تنموي مستقل، بصرف النظر عن الموقف من النظام الإيراني أو غيره .
ومن ناحية أخرى ألا تتفق معي الاستاذة نادية أن الغرب الحداثوي، هواليوم الأكثر لعبا وإثارة للمشاعر المذهبية والطائفية وتمزيقا للشعوب أكثر من ايران أو أية دولة أخرى بحكم امتلاكها ماكينات اعلامية ودعائية هائلة، تسخرها في سبيل تحقيق مصالحها وأرباحها
