خورشيد أحمد
منذُ إندلاع الحرب على سوريا ، تحوّلت مناطق واسعة من شمال سوريا إلى مجال نفوذ تركي مباشر ، أو غير مباشر ، عبر وجودٍ عسكريّ ، وإدارةٍ محليّةٍ ، مرتبطة بفصائلَ مدعومة من أنقرة إضافةً إلى علاقاتٍ إقتصاديةٍ وتجاريّةٍ متناميةٍ ، وإذا كانت تركيا قد تذرّعت لفترةٍ طويلةٍ بالدورِ الأمنيّ ، لكن الحقيقة التي لا تقبلُ الجدلَ هي أنّ تركيا لم تكتفِ بالدورِ الأمنيّ ، بل سعت إلى بناءِ منظومة إرتباط إقتصادي وإداري تجعلُ أجزاءً من الاقتصادِ السوريّ مرتبطةً بالبنيةِ الإقتصاديّةِ التركيّةِ .
فلم تعد العلاقة بين تركيا وسوريا في مناطق الشمال السوري مجرّدَ علاقة حدوديّةٍ ، أو تعاونٍ إقتصاديّ عابرٍ ، بل تحوّلت إلى منظومةِ نفوذٍ متكاملةٍ ، تجمعُ بينَ الوجودِ العسكريّ ، والسيطرةِ على المعابرِ ، والتأثيرِ في الإدارةِ المحليّةِ ، وربطِ قطاعاتٍ واسعةٍ من الإقتصادِ السوريّ بالإقتصادِ التركيّ .
وعليه فإنّ السياسةَ التركيّةَ التي تُمارسُ اليومَ في سوريا ، وخاصةً بعد وصولِ السلطةِ الظلاميّةِ إلى الحكمِ ، هي في الحقيقةِ ” إنتدابٌ إقتصاديٌ غير مُعلن ” ، حيثُ لم يعدْ النفوذُ مقتصراً على الجغرافيا ، بل إمتدّ إلى العملةِ ، والأسواقِ ، والطاقةِ ، والبنيةِ التحتيّةِ والتعليمِ .
السيطرة على المعابر والتجارة :
شكّلتِ المعابر الحدوديّةُ بين سوريا وتركيا أحد أهمّ مفاتيحِ النفوذِ الإقتصاديّ ، فالمناطق الشماليّة الخاضعة للنفوذِ التركي أصبحت تعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على التجارةِ القادمةِ من الأراضي التركية سواءً في المواد الغذائيّةِ ، أو السلعِ ، او الخدماتِ .
قبلَ الحرب كان الإقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرةٍ على الإنتاجِ المحليّ ، وعلى علاقات تجارية متعدّدةٍ ، أما بعد سنوات الحرب فقد أصبحت تركيا شريكاً تجارياً رئيساً للمناطق الشمالية ثمّ لاحقاً للعمومِ السوريّ .
حيث تشير بيانات وزارة التجارة التركية إلى أنّ حجم التجارة بين تركيا وسوريا بلغَ نحو ١،٤٣ مليار دولار عام ٢٠١٧ منها نحو ١،٣٦ مليار دولار صادرات تركية إلى سوريا ، مقابل واردات سورية أقل بكثير .الأمر الذي يعكسُ إختلالاً فاضحاً في ميزان التبادل التجاري .
وهذا النمط التجاري أدّى إلى زيادةِ اعتماد الأسواقِ المحليّةِ على المنتجاتِ التركيّةِ ، وإضعافِ قدرةِ بعضِ القطاعات السورية على إستعادة الإنتاج . وعليه فبدلاً من إعادةِ بناء قاعدة إنتاج سورية مستقلّة فإن إستمرار هذا النمط سيؤدي بالضرورةِ إلى تحويل سوريا إلى سوقٍ إستهلاكيّةٍ للمنتجات التركية ، وهذه الآلية كنّا قد شاهدنا مفاعيلها السلبيّة ، في سياساتِ النظام السابق الليبراليّة والإنفتاحيّة ، وتحديداً مع تركيا . والتي أضرت بالمنتجِ الوطنيّ السوري ، وشكّلت تربةً خصبةً للتحرّكِ ضدّ النظام .
الليرة التركية : فقدان إحدى أدوات السيادة الإقتصاديّة .
من أخطرِ مظاهرِ النفوذِ الإقتصادي التركي هو إنتشارُ استخدامِ الليرةِ التركيّةِ في مناطقَ من شمالِ سوريا .
فقد بدأ التعاملُ بها بشكلٍ رسميّ في بعضِ المناطقِ منذ عام ٢٠٢٠ بعد انهيار كبير في قيمةِ الليرةِ السوريّةِ .
وأصبحت عمليّاتُ البيعِ والشراءِ ، ودفعُ الرواتبِ ، وتسعير بعضِ السلعِ تتمُّ بالعملةِ التركيّة ، في مناطقَ مثلَ عفرين ، وأعزاز ، والباب ، وجرابلس ، وغيرها ، وفق تقاريرَ عن تلك المناطق .
وهذه الخطوةُ لا تمثّلُ مجرّدَ إجراءٍ نقديّ بحت ، فهي ستؤدي في الحصادِ الأخير إلى ربطِ الإقتصادِ المحليّ بالسياسةِ النقديّةِ التركية ، خصوصاً أنّ السكانَ يتعاملونَ بعملةٍ لا يصدرها البنك المركزيّ السوري .
الطاقة والكهرباء : مفاتيح النفوذ الجديد .
قطاع الطاقة يمثّلُ مثالاً جليّاً على تداخلِ الإقتصادين السوري والتركي ، فقد وقّعتِ الدولتان إتفاقات تعاون في مجالِ الغازِ والكهرباءِ ، تضمّنتْ خططاً لتوريد الغاز ، وربط شبكات الكهرباء .
وتشيرُ تقارير عن اتفاقات عام ٢٠٢٥ إلى ترتيبات لتوريد ملايين الأمتارِ المكعّبةِ من الغاز يومياً ، وربط خطوط كهرباء بين البلدين .
وبدهيٌّ أنّ السيطرةَ على مصادرِ الطاقةِ ، وشبكاتِ التوزيعِ ، ستمنحُ الطرفَ التركيّ نفوذاً إقتصاديّاً واسعاً ، لأنّ الطاقةَ تُعدُّ أساسَ الصناعةِ ، والخدماتِ وإعادةِ الإعمار . والتحكّمُ بشبكات الطاقةِ والتوزيعِ يمنح تركيا قدرةً فائقةً على التأثيرِ في الصناعة والتجارةِ ، وحتّى حياةَ الناسِ اليوميّةِ ، فالإقتصادُ الحديثُ لا يمكنُ أنْ يعملَ دونَ بنيةِ طاقةٍ مستقرّةٍ .
البنية التحتية وإعادة الإعمار :
مع التراجع المريع في قدرةِ الدولةِ السوريّة على تمويلِ إعادةِ الإعمارِ ، والموقف العدائي للحكومةِ السورية من القطاع العام وعدمِ التفكير بإحياء شركاته التي كانت رائدة ، في تنفيذ المشاريع المفتاحيّة في سوريا ، برزَ دورُ الأخطبوطِ التركيّ في قطاعاتٍ مثلَ الطرقِ ، والخدماتِ ، والتعليم والصحة ، حيث كانت سوريا رائدةً في مجالي التعليم المجانيّ ، والشبكة ِ الطبيّة المجانيّةِ .
لكنّ اتفاقيات تعاونٍ إقتصاديّ وتجاريّ أُبرمت بين الجانبين في عقودٍ شبيهةٍ بعقودِ الإذعانِ وبآجالٍ طويلة المدّةِ . طالت شبكةَ الطرقِ ، وتحويلِ مشافي قطاعِ الدولة العاملةِ بالمجان ، أو بنسبٍ رمزيّةٍ إلى هيئاتٍ طبيّةٍ خاصة ، سُلّمت إداراتها للجانبِ التركيّ ، ليجدَ المواطنُ السوريّ نفسهُ مرميّاً على عتباتِ المشافي ” التركيّة ” التي كانت مجانيّةً ذات يوم .
إنّ دخولَ الشركاتِ التركيّةِ في هذه القطاعات سيجعلُ عمليّةَ إعادةِ الإعمارِ مرتبطاً بالمصالحِ الإقتصاديّةِ التركيّةِ طويلةِ الأمد .
وبذلك لا يمكن فصل هذه المشاريع عن هدفٍ أوسعَ تسعى إليه تركيا ، يتمثّلُ في خلقِ إرتباطٍ طويل الأمدِ ، بحيث تصبحُ دورةُ الإقتصاد الوطني مرتبطةً بالشركاتِ والخدماتِ التركيّةِ .
اللغةُ والتعليم كأدوات نفوذ : بناءُ إرتباطٍ ثقافيّ جديد .
لم يقتصر النفوذُ التركي على الجانبِ الإقتصاديّ ، بل إمتدَّ إلى الجانبِ الثقافيّ والتعليميّ ، فقد افتتحت مراكز ومدارس ومؤسسات تعليميّة في بعضِ مناطقِ شمال سوريا لتعليم اللغةِ التركيّةِ ، كما ظهرت برامج تعاون تعليمي بين تركيا وسوريا .
إنّ انتشارَ اللغةِ التركيّةِ في مناطقَ كانتِ العربيّةُ لغتها الأساسيّة ، يشكّلُ جزءاً من عمليّةِ الإرتباطِ الإداريّ والثقافيّ بتركيا .
إنّ محاولة تركيا المضيّ في مسارِ إدخالِ اللغةِ التركيّةِ إلى الحياةِ العامّةِ في مناطقَ سورية عربيّة أو كرديّة ، هي جزءٌ من تغييرٍ تدريجيّ في هويّةِ هذه المناطق ، وعلاقتها بالمركزِ السوريّ .
من السيطرةِ العسكريّةِ إلى التحكّمِ الإقتصاديّ :
منذُ عام ٢٠١٦ نفّذت تركيا عدّةُ عمليّاتٍ عسكريّةٍ ، داخلَ الأراضي السوريّةِ ، أبرزها عمليّات ما سمّيتْ ب : ” نبع السلام ” ، و ” غصن الزيتون ” و ” درعُ الفرات ” أصبحتْ بنتيجتها مناطق مثلَ جرابلس ، والباب ، وعفرين ، ورأس العين ” سري كانييه ” ، وتل أبيض ” گري سپي ” ضمنَ نطاقِ نفوذٍ تركيّ مباشر ، أو عبرَ فصائلَ سورية وغير سورية مدعومة من أنقرة .
هذا الوجود العسكري أوجدَ واقعاً إقتصاديّاً جديداً ، حيث أصبحتِ المعابرُ الحدوديّةُ مع تركيا شرياناً أساسيّاً للحركةِ التجاريّةِ ، وتحوّلتِ الأسواقُ المحليّةُ في هذهِ المناطق إلى أسواقٍ تعتمدُ بدرجةٍ كبيرةٍ على السلعِ التركيّةِ .
إنّ هذا الجمعَ بينَ الوجودِ العسكريّ والتحكّمَ بالمعابرِ وانتشارِ العملةِ التركيّةِ والإرتباطِ التجاريّ منحَ تركيا نفوذاً يتجاوزُ العلاقاتِ الطبيعيّةَ بينَ دولتينِ متجاورتينِ ليقتربَ من نموذجِ ” التبعيّةِ الإقتصاديّةِ ” .
الخلاصة : نفوذٌ يتجاوزُ الحدودَ .
يمكنُ القول أنّ العلاقةَ الإقتصاديّة السوريّةَ – التركيّةَ الحاليّةَ يمكنُ وصفها بجملةٍ مكثّفةٍ : ” علاقةُ التابعِ بالمتبوع ” ، فجميعُ الإجراءاتِ التركيّةِ والتي جرتْ بموافقةِ حكومةِ الجولاني ، بل بترحيبٍ وانبطاحٍ منها ، خلقت إعتماداً متزايداً على الإقتصادِ التركيّ ، وأضعفتْ إستقلاليّةَ القرارِ الإقتصاديّ ، بل غيّبتها تماماً في سوريا ” الجديدة ” ، في زحفٍ مهينٍ نحو كرسي الرئاسةِ .
وإذا علمنا أنّه في العام ٢٠٢١ بلغتِ الصادراتُ التركيّةُ إلى سوريا نحو ١،٦ مليار دولار مقابل واردات سورية إلى تركيا أقلّ من ٢٠٠ مليون دولار وفقَ بيانات التجارةِ الدوليّة ، لأدركنا حجمَ التحكّمِ التركيّ في التجارةِ البينيّةِ مع سوريا .
وباختصارٍ شديدٍ فإنّ يدُ تركيا هي الطولى في الواقعِ السوريّ ، تتحكّمُ في المقدراتِ السوريّةِ كما تشاءُ ، أمامَ بصرِ ورِضا الحكومةِ السوريّةِ التي لا تجدُ نفسها معنيّةً بالمسألةِ الوطنيّةٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد .
فاسرائيل تنفّذُ مشاريعها في الجنوبِ السوريّ ، وتركيا تسرحُ في كاملِ الجغرافيا السوريّةِ ، كما تستدعيها مصالحها الإقتصاديّة .
ومن هنا فإنّ القضيّةَ لا تتعلّقُ فقط بوجودٍ عسكريّ مؤقتٍ ، بل بمشروعِ نفوذٍ اقتصاديّ طويل الأمد ، سيجعلُ الإقتصادَ السوريَّ مرتبطاً بالقرارِ التركيّ لعقودٍ قادمةٍ ، مهما حاولت حكومةُ الجولاني إضفاءَ المساحيقِ على عقودها المذلّةِ مع تركيا وتجميلها .
فالمعركةُ على سوريا لم تعد فقط معركةَ حدودٍ وجغرافيا ، بل أصبحت أيضاً معركةً على الأسواق ، والطاقة ، والعملة ، ومستقبل الإقتصاد .
ولن يتمكنَ أحدٌ من حلِّ هذه المعادلةِ المعقّدةِ سوى الشعبِ السوريّ
